لم يأتِ منتدى الدوحة 2025 بوصفه حدثًا دوريًا منفصلًا عن سياقه، بل كحلقة متقدمة في مسار تراكمي بدأ يتبلور بوضوح منذ دورة العام الماضي. ففي 2024، تزامن انعقاد المنتدى مع لحظة تحوّلات إقليمية كبرى رافقت التغيير السياسي في سوريا، ما جعل الدوحة آنذاك منصة إقليمية خارجية أساسية لمواكبة الحراك الدبلوماسي والسياسي الذي أعقب تلك التطورات. في تلك اللحظة، لم يكن المنتدى مجرّد مساحة لتحليل ما جرى، بل تحوّل عمليًا إلى إطار جامع لتبادل الرؤى وتنسيق المواقف بين أطراف إقليمية ودولية كانت تسعى إلى فهم اتجاه التحوّل السوري وحدوده، وتقدير انعكاساته على التوازنات الإقليمية الأوسع.
خلال تلك الدورة، تداخل النقاش الفكري مع اتصالات سياسية غير معلنة، وبرز المنتدى كمساحة مرنة لإدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، اتسمت بغياب اليقين وبتعدّد السيناريوهات المحتملة. هذا الدور لم يكن ظرفيًا أو عابرًا، بل شكّل مؤشرًا مبكرًا على تحوّل المنتدى من منصة لعرض الأفكار إلى أداة تُستخدم في تنظيم التحوّلات الإقليمية، عبر توفير بيئة تسمح بالحوار في لحظات السيولة السياسية، وتخفيف ارتداداتها بدل دفعها نحو مزيد من الاستقطاب أو الانفجار.
في دورة 2025، بدا هذا المسار أكثر وضوحًا ونضجًا. فقد عكس حضور القيادة السورية الجديدة انتقال النقاش من مرحلة مواكبة التحوّل إلى مرحلة التعامل مع نتائجه السياسية والعملية. لم يُطرح الملف السوري من زاوية صراعية أو خطابية، بل جرى إدراجه ضمن نقاش أوسع حول إعادة التموضع الإقليمي، وحدود إعادة الاندماج، ومتطلبات الاستقرار التدريجي في بيئة إقليمية لا تزال شديدة الهشاشة. وقد بدا واضحًا أن التعامل مع سوريا بات يُقارب بوصفه ملفًا طويل الأمد، يحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازن بين الاعتبارات الأمنية، والضغوط الاقتصادية، والانخراط العربي والدولي المتدرّج.
منطق إدارة الأزمات لم يعد كافيًا
انعقد المنتدى هذا العام في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها مسارات التصعيد والتهدئة من غزة إلى لبنان وسوريا، وفي ظل إدراك دولي متزايد بأن منطق إدارة الأزمات لم يعد كافيًا وحده لضمان الاستقرار. وقد انعكس هذا الإدراك في طبيعة النقاشات التي تناولت تحولات النظام الدولي نفسه، حيث بدا واضحًا أن العالم دخل مرحلة ما بعد الأحادية القطبية، من دون أن يستقر بعد على نظام تعددي متماسك. فالتنافس بين القوى الكبرى لم يعد يُدار فقط عبر أدوات الردع العسكري؛ بل بات يتمحور حول السيطرة على التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والنفوذ الاقتصادي، وهذا ما أفسح المجال أمام الدول المتوسطة، ولا سيما في الخليج، للعب أدوار سياسية ودبلوماسية تتجاوز أوزانها التقليدية.
ضمن هذا السياق الأوسع، احتل الوضع اللبناني حيّزًا مهمًا من نقاشات المنتدى، لا بوصفه أزمة داخلية معزولة؛ بل كأحد أكثر الملفات حساسية في منظومة الأمن الإقليمي. وقد خُصصت جلسات مغلقة لمناقشة مستقبل الاستقرار في لبنان، شارك فيها مسؤولون عرب وأجانب، إلى جانب باحثين وخبراء في الشؤون الأمنية والاقتصادية. وتركّز النقاش على مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل، وعلى التداعيات الإقليمية المحتملة لأي تصعيد غير مضبوط في الساحة اللبنانية.
أجمعت هذه المداولات على أن أي انفجار عسكري في لبنان لن يبقى محصورًا في حدوده الجغرافية، بل ستكون له ارتدادات مباشرة على أمن شرق المتوسط، وحركة الملاحة، وأسواق الطاقة، ومسارات التفاوض الإقليمية الأوسع. ومن هنا، برزت رغبة واضحة لدى أطراف إقليمية ودولية في تثبيت منطق الاحتواء، ودعم أي مسار سياسي أو أمني يمنع توسّع دائرة المواجهة، حتى في ظل إدراك واسع بأن الحلول الشاملة للأزمة اللبنانية لا تزال بعيدة المنال في المدى القريب.
لحظة انتقالية بامتياز
في هذا الإطار، برز الدور القطري بوصفه أحد أكثر نماذج الدبلوماسية متعددة المسارات تماسكًا في المنطقة. فالدوحة لم تكتفِ باستضافة المنتدى؛ بل استخدمته كمساحة عملية لإدارة التناقضات الإقليمية، وربط المسارات الفكرية بالجهود السياسية غير المعلنة. وقد نجحت في جمع أطراف يصعب اجتماعهم في فضاء واحد في عواصم أخرى، سواء في جلسات علنية أو في غرف مغلقة، وهو ما منح المنتدى بعدًا دبلوماسيًا يتجاوز الطابع النظري التقليدي.
وكان لافتًا حضور مسؤولين من أطراف إقليمية ودولية متعارضة في المنتدى نفسه، ومشاركتهم في نقاشات مفتوحة وأخرى غير معلنة، في لحظة تتراجع فيها قنوات التواصل المباشر وترتفع فيها مستويات الشك وانعدام الثقة. هذا الواقع عكس قدرة الدوحة على توفير بيئة محايدة تسمح بتبادل الرسائل، وقياس النيات، وتخفيف سوء الفهم، حتى في ظل غياب مسارات تفاوضية رسمية واضحة أو مستقرة.
وتزداد دلالة هذا الدور إذا ما أُخذ في الاعتبار توقيت انعقاد المنتدى، إذ جاء قبل فترة قصيرة من تحركات دبلوماسية مكثفة مرتبطة بملف غزة، وبمحاولات تثبيت مسارات التهدئة والانتقال إلى مراحل تفاوضية لاحقة. هذا التزامن لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل عكس تراكماً في الجهود الرامية إلى ربط النقاشات الفكرية والسياسية بمسارات تفاوضية عملية، بحيث يصبح المنتدى جزءًا من البيئة التمهيدية لإدارة الملفات الأكثر انفجارًا في المنطقة، لا مجرد مساحة نقاش موازية لها.
في المحصلة، عكس منتدى الدوحة 2025 لحظة انتقالية بامتياز، ليس فقط في الشرق الأوسط؛ بل في بنية العلاقات الدولية ككل. فقد أظهر أن الحوار، مهما بدا هشًا أو محدود النتائج في المدى القصير، بات أداة مركزية لإدارة عالم شديد الاضطراب. كما أظهر أن دولًا مثل قطر استطاعت، عبر الاستثمار في الدبلوماسية الهادئة ورأس المال السياسي والعلاقات المتوازنة، أن تتحول إلى منصات لإنتاج التوازنات واحتواء التحوّلات، لا مجرد ساحات استضافة. وفي هذا السياق، لم يكن المنتدى مرآة لما يجري فحسب؛ بل أحد الفضاءات التي تسهم، بهدوء محسوب، في توجيه مسار التحوّل الإقليمي ومنع انزلاقه نحو مسارات أكثر خطورة.
