الخطاب في الجملة العربية ذو معانٍ عديدة. فهو في سياق عام، الكلام الموجه إلى الغير، وهو أسلوب مخاطبة، وهو بريد مكتوب فيه ما فيه من جميل القول، أو من قبيح الكلام، وهو النصّ ذو السياق المحدّد، والبنية المترابطة التي تقود الذهن السامع إلى المقصود والمراد. خطاب التضاد اللبناني الذي يغطي مساحاتٍ شاسعة في الأثير، يحمل كل ما ينسب إلى "الكلمة" من مدلولات، لكنه، ولسبب من تعدّد حمولته، يصير بلا "معنى" أي بلا قصد واضح لا يشوبه اختلاط التفسير، ولا يعيق فهمه إضمار القصد والتبرير.
موضوع التخاطب السياسي اللبناني صار حمّال تضادٍّ بيِّن. وعلى ضفافه وليس فقط ضفتيه، يتوزّع الخطباء بأصواتهم ذات النبرات المتعددة. لكن الملاحظ أن لا نبرة تعلو رفيقاتها، بل الكل في الضجيج سواسية، والكل في الوقوف الصلد عند صخرة الجملة، يرشق حجارة الحوار، ويرصف الطريق الواصل بين الصوت والصوت، بما تيسّر من "بلاغة" الابتسار. لا جملة مكتملة في الخطاب الضدي، لأن المرغوب ممتنع، ولأن قهر المتمنع في امتناعه ممنوع، ولأن الممتنع والممنوع، لا سبيل يقودهما إلى استراحة بعيدة نسبياً، عن مقاعد منوّعات الممنوعات.
ولنستمع:
ماذا يعني خطاب حزب القوات اللبنانية، الذي جاء على لسان رئيس الحزب؟ هل يمكن تفسيره بعيداً من معنى نزول حزب الله على معطيات رغبة القوات، التي ما زالت سيادية على طريقتها، ووطنية حسب تعريفها، ولبنانية على مقاس ومقاييس خاصة بها؟
ونتابع: ماذا يعني خطاب حزب الله، الذي أورده أمينه العام؟ وهل يمكن شرحه على غير دعوة اللبنانيين جميعاً إلى النزول على معطيات رغبة حزب الله، التي ما زالت قتالية وجهادية ووطنية وسيادية حسب تعريف "الحزب" الخاص، وحسب رؤيته لما يمكن أن تظلّ عليه الحالة اللبنانية، في ثباتها وفي سباتها؟!
ولنلاحظ: ماذا يعني افتراق اللبنانيين، بينيّاً، بين الدعوتين؟ وماذا يعني التشكل العصبوي حول نواة فهم كل من الضدين؟ وماذا يعني غياب الوعي المضاد لكلا الطرحين المتضادّين، في أصل المعنى، وفي سياق المبنى وفي مصادر الكلمات؟
لقد ضاق مجال الخيال بالقول الضدّي، فصار تكراراً فرديّاً يلامس المناجاة، وقد ضاقت "الصدور" بالخطاب الضدي الذي قارب الأوهام؟ وقد اشتدّت الحاجة إلى قولٍ يقول للضدين أن ما لدى كل منكما لا يعدو كونه ستراً للعجز السياسي، وقناعاً للفقر الوطني، ولبوساً مهترئاً لا يدفئ يومياتكم الباردة.
وعليه، وليس طبيعياً، بل هو مخالف للطبيعة، أن يأتي الردّ على سياسات التكرار التخيليّة، من أفراد منعزلين بين ذواتهم وذواتهم، ومن هيئات وجمعيات تتخذ صفة "المدنية"، لكنها لا تنجو لدى مباشرة نطقها، من لوثة التخبط التي تلملم خطابها من كلمات الخطابين الضدين، لدى مباشرة صياغة أهدافها، من استعارات فقيرة، من هذا الخطاب ومن ذاك الخطاب.
وعليه: يقتضي الخروج على الخطابين الضدين، من خلال شرح كل منهما على حقيقته السياسية، وعلى خلفياته الحزبية، مثلما يقتضي الأمر الانصراف إلى شرح ما هو ممكن منهما وما هو صعب الإمكان، وشرح ما هو قابل للنقاش، وما هو خارج كل نقاش في الظروف اللبنانية المعلومة.
تمهيد المطلوب: يلتقي الخطابان الضدّان عند نقطة الحدّ الأقصى سياسيّاً. هذه "القصووية" مفيدة لأهل كل خطاب، لأنها تساهم في تمكين معطى العصبوية لدى كل منهما، ولأنها ترفع منسوب التعصب لدى الجمهور المقصود برفع الخطاب إلى ذروة تشدّده. على معنى واسع: الضدان حليفان موضوعيّاً، وأحدهما يبرّر الآخر، ويشدُّ أزر تعنّته، ويعلي من شأن وسائله، ويعزّز استخدام أسلحتها الكلامية وغير الكلامية.
الحلف الموضوعي، بين اللذين يعلنان الخصومة، ولا نقول العداء، يفسح المجال أمام برنامجين "موضوعيين"، لكل من الطرفين، والموضوعية هنا نسبية واستنسابية، لكنها واقعية مخفية، أي غير معلنة، جوهرها سؤال المصالح الفئوية، التي ترادف في مجال معاينتنا، الطائفية والمذهبية.
يحق لنا والأمر ما هو عليه، أن نحيل الضدّية إلى سؤال: ماذا يريد أولئك المختصمون علناً، المتصالحون سرّاً، الباحثون عن مقعد إضافي في التشكيلة، والساعون إلى الفوز بما تيسَّر من "خزائن" مغانمها؟
يكثر الحديث عن خطاب ثالث، يكون بمثابة ضدٍّ للضدين، لكن الخطاب المأمول ما زال قيد الغياب. لا يغيب عن الذهن أن الكلمات التي لا تسندها "كتلة" اجتماعية تذهب هباءً، ولا يغيب عن "المعقولية" الانتباه إلى أن الضدين يستفيدان من معادلة مزدوجة، طرفها الأول، ملاءمة انفراط عقد المتضررين على أفراد ذوي "خبط عشواء" فردي، وطرفها الثاني، غياب نواةٍ تأسيسية ثالثة، تدلي بخطابها الطالع من "تربتها" هي ليحل محل الخطاب المستعار من أدبيات التراشق الضدِّية.
ومع ضيق ذات اليد الانتظامية، نلفت المتابع إلى عدم الانشغال كثيراً بما كان يساراً لبنانيّاً، فهذا بات حضوراً بيولوجيّاً، إن "لم ينطق عن الهوى" فلأنه صار بلا هوى، كذلك ندعو المتابع إلى عدم الاستغراق في تعداد الجمعيات، ولا الانشغال بجمع جَمْعِها، لأن هذا الأخير قد أثبتت التجربة فشله في صياغة جمع سياسي ذي برنامج مغاير لما هو سائد من برامج استقطابية.
وعلى الرغم من كل ذلك، تلحُّ الضرورة على تعيين نقاط ينبغي العمل عليها، شرحاً وتعليلاً وسجالاً، فمن نقطة التعيين تنطلق ورشة التمهيد فالسعي فالتمكين، والنجاح في البدء هو نصف الطريق إلى صحة اختيار المسار.
عنوان القول، ومبتدأ النقاط السجالية، أن لبنان الحالي ينوء بالخصوم – الحلفاء، لذلك، فإن ما يصدر عنهم من خطاب أقصى مرفوض، ولن يجد طريقة إلى صياغة وطنية لبنانية جديدة.
ومن الجدّي والمهم القول: إن لبنان هو لبنان من دون صفات، وفي الشرح لبنان وطن معلّق، لكنه ليس لبنان المقاوم، ولا لبنان السيادي، ولا لبنان العائلات الروحية، ولا لبنان الأصيل ولبنان الدخيل...
نفي الصفات الحزبية والطائفية والمذهبية والأحفورية... عن لبنان، يعيده إلى وضع الكيان الملموس الذي يجب أن يكون له نقطة ارتكاز ضمن محيطه العربي، وأن يكون له نقطة اعتلام على الخريطة الدولية، وأن يكون له "عقلٌ" مرشد، يفهم معنى اللحظة العامة، محلياً وعالمياً، كي ينصرف إلى تلمس مواطن سيرورة وجوده وسط العاصفة العالمية التي تتنقل في أرجاء المعمورة.
ماذا يعني كل ذلك؟ لن تكون وطنية لبنانية جامعة، في ظلّ السياسات الداخلية الحالية التي حفرت عميقاً بين اللبنانيين. ولن يكون للبنانيين سلام مع الخارج، إن هم تمادوا في الإطاحة بسلامهم الداخلي.
ولن تقوم للبلد قائمة، إذا لم يتقن أهله إدارة الخسارة، وسيكون الخطب أعظم، إن ثابر الأهل على إنكار الخسارة، وعلى ادعاء الانتصار في كل مضمار. وكما لا يذهب الظنّ في اتجاه أحادي، الخسارة عامّة اليوم، نجدها في مواجهة العدو على الحدود، ونجدها في مواجهات الأهل داخل الحدود.
بكلمات: المواجهة شاملة، وعناصر الخسارة كثيرة، والممكنات التعويضية موجودة، لكن الغائب الأكبر، هو إدراك ضرورة التسوية، لدى المتضادين، وإدراك "أهل الصبي"، المسؤولية الجسيمة التي تنتظرهم، قبل أن تقتل الضدّية كل الأبناء.
