هل دخل لبنان إلى قلب فخ وطوق إقليمي ودولي جديد وخطير يكاد يطبق عليه؟
بات من الواضح أن إسرائيل وفي المدة الأخيرة، أي ما بعد طوفان الأقصى في فلسطين المترافق مع حرب الإسناد في لبنان، لم تعد تقيم وزناً للكلام والأعراف والقواعد الدبلوماسية السابقة، التي كانت متبعة ومعروفة ومتعارف عليها ومعتمدة. بل إنها اعتنقت واعتمدت عقيدة هجومية عدوانية وإجرامية أكثر من السابق، بدلت فيها كل طرق عملها وأساليب تفكيرها السابقة، تجاه القوى والأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني، إضافة إلى طرق التعاطي ومواجهة سوريا ولبنان وحزب الله.
وكل ذلك جراء الصدمة، التي أصابت إسرائيل وقادتها والعالم، نتيجة قوة الهجمة والخدعة الكبيرة والناجحة عسكرياً وأمنياً، التي تمكنت من تنفيذها حركة حماس ضد الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ككل، في السابع من تشرين الأول 2023، والتي سميت بعملية طوفان الأقصى وما جرى بعدها ونتيجتها، والتي تمكنت بسببها إسرائيل من تحريض وتجيير وقلب الرأي العام العالمي لمصلحتها وقلب التعاطف ومعها ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وقضيته الإنسانية والسياسية المركزية المحقة.
في لبنان، وبالرغم من كل الخطب والمواقف والمناورات والمساعي التي يبذلها لبنان الرسمي، وفي أكثر من اتجاه، فمن الظاهر أن حلقة ضيقة ومحكمة تكاد تطبق عليه بشكل محكم.
الذي جرى خلال الأسابيع الماضية، دل أن لبنان الرسمي عبر حركة ومساعي رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالتعاون مع باقي أركان السلطة أي رئيسي مجلس النواب نبيه بري ومجلس الوزراء نواف سلام، قد نجح في تأجيل أو تجميد الضربة العسكرية التي كانت إسرائيل تلوح بها وتنوي تنفيذها ضد لبنان، ولكن ليس بالضرورة إلى وقت طويل.
كانت خطوة تعيين السفير سيمون كرم تمثيل لبنان في لجنة الميكانيزم، إحدى الخطوات الوقائية اللبنانية المشفوعة والمدعومة ببركة ورضى البابا لاوون الرابع عشر، لسحب الذرائع من يد إسرائيل للعدوان على لبنان.
لكن هل خرج لبنان من الحفرة التي وقع فيها، جراء حرب الاسناد التي قررها حزب الله وأوقع لبنان والطائفة الشيعية فيها وأصابها بالنكبة الكبرى، سواء تم ذلك بالتشاور أو عدم التشاور مع إيران؟
الطريق للخروج من الحفرة الحالية لا يبدو متيسراً أو سهلاً!
الأخطر من كل ذلك، يبدو لبنان انه يتخبط مكانه، كما أنه سيتخبط أكثر في الأيام المقبلة!
المؤكد حتى الآن، وحسب المعلن تكراراً، أن حزب الله في قراره الداخلي والمعلن المدعوم والمدفوع من إيران، لا ولن يؤيد تسليم سلاحه كما يُطالَب.
حزب الله، متجاهلاً نص التفاهم الذي وقع عليه لوقف الأعمال العدائية، وأقرته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والذي يقول بعدم إجازة حمل السلاح لأي طرف لبناني، إلا للقوى الشرعية والرسمية، بما في ذلك الشرطة البلدية.. يصر على أن الاتفاق يتحدث عن جنوبي نهر الليطاني فقط، ويلمح أو يتحدث مواربة عن اتفاق مع جهات أو شخصيات رسمية على تسليم السلاح فقط جنوب النهر.
السلطات الرسمية اللبنانية، تنوي من ضمن الخطوات الوقائية والديبلوماسية، الإعلان قريباً عن إنجاز خطة الجيش حصر السلاح بيدها جنوبي النهر. وقد يتم ذلك عشية اجتماع لجنة الميكانيزم المقبلة في 19 الشهر الحالي أو خلاله.
قد يكون الجواب الإسرائيلي، أن ما يعلنه لبنان غير دقيق أو صحيح، والذي سيرد مطالباً باعتماد آلية أو طريقة تحقق وتدقيق، بإشراف اللجنة الخماسية المولجة الوصاية على لبنان، والتي أوصلته نظرياً إلى بر الأمان وأشرفت على إعادة تكوين السلطة الحالية.
معلومات متداولة تقول إن إسرائيل المتغولة الآن، لن تكتفي بعد خطوة حصر السلاح بيد الدولة جنوبي النهر، بهذا القدر. بل ستطالب باستكمال حصر السلاح جنوبي الأولي وتوسيع منطقة التطهير من السلاح.
المعلومات والأقاويل نفسها، تتحدث عن أن الهدف ليس فقط السلاح الخفيف والمتوسط، بل السلاح الثقيل، أي الصواريخ الدقيقة والثقيلة والمسيرات الفعالة التي يملكها الحزب، والتي تضر بأمن إسرائيل يوماً ما، في خال بقيت واستعملت.
في آخر اجتماع للجنة الميكانيزم الذي شارك فيه السفير كرم للمرة الأولى بحضور مورغان أورتاغوس، طالب الوفد الإسرائيلي البحث بالتعاون الاقتصادي بالتوازي مع سحب السلاح من جنوب النهر.
السفير كرم رد بطبيعة الحال أن لا بحث خارج نطاق الميكانيزم إذا لم تنسحب إسرائيل من التلال الخمس بالتوازي مع وقف النار، وهذا ما شجع عليه ودعمه علناً النائب السابق وليد جنبلاط.
الصحف الإسرائيلية تتحدث وتنقل عن المسؤولين إسرائيليين يتقدمهم بنيامين نتنياهو، الذي يزور واشنطن آخر الشهر للقاء دونالد ترامب، عن التعاون الاقتصادي المقبل مع لبنان. وعن المنطقة الاقتصادية المحاذية للحدود مع إسرائيل كمنطلق للتعاون.
التلميح جار بأكثر من طريقة وأسلوب، أن لا موافقة أو سماح بمساعدات اقتصادية ومالية لإعادة الإعمار قبل تحول حزب الله إلى حزب سياسي مدني كباقي الأحزاب في لبنان.
هذا ليس كل شيء.
نهاية العام 2026 ستكون نهاية وجود آخر جندي تابع لقوات الأمم المتحدة اليونيفيل في لبنان حسب القرار 1701، كما نص القرار الدولي 2790. فمن هي القوة الدولية الجديدة التي سيقررها المجتمع الدولي عبر مجلس الأمن للبنان، لتحل مكان اليونيفبل التي كانت "مُزعجة" وغير مرغوب بها من "الأهالي" في قرى الجنوب، وسبق أن تعرضت لأكثر من بهدلة واعتداء واعتراض؟
وماذا ستكون مهمة وأهداف القوة الدولية المقبلة التي ستقرر للبنان بعد الحالية؟
