موقف أميركي جديد لا يحتمل التأويل عبّر عنه السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، خلال مأدبة عشاء أقامها النائب فؤاد مخزومي على شرفه، وعلى شرف وفد ATFL برئاسة إدوارد غبريال، وبحضور عدد من النواب اللبنانيين.
فرداً على سؤال النائب ميشال معوّض حول ضرورة متابعة الضغط على حزب الله لتسليم سلاحه، قال عيسى: "إن ما وصلنا إليه على مستوى حصرية السلاح جيد، أما في ما بعد فيجب احتواء السلاح في حال تعذر نزعه، والولايات المتحدة تلتزم مساعدة الجيش".
يتوقف أحد المشاركين في عشاء مخزومي عند حديث السفير الأميركي، ليؤكد انطباع الحاضرين بوجود نَفَس مغاير في مقاربة الملف اللبناني من قبل الأميركيين. النائب، المشارك في معظم المآدب التي تُقام على شرف الوفود الأميركية، وعلى تواصل مباشر مع عدد منهم، يقول إن الجميع بات يلمس وضوحاً أكثر في اتجاهات الموقف الأميركي حيال لبنان، وهي ثلاثة:
الأول يعتبر لبنان دولة فاشلة وعبّر عنه الموفد توم باراك ملمحًا الى ضم لبنان الى سوريا والتذكير بزمن بلاد الشام، ما أثار استياء اللبنانيين.
الثاني متشدّد حيال ايران يتمثل بالفريق الذي ضغط لإلغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، وهو يريد تصعيد الوضع للضغط على حزب الله ونزع سلاحه بشتى الطرق.
أما الثالث، فهو استيعابي عبّرت عنه تصريحات السفير ميشال عيسى وإدوارد غبريال، والتي هي أقرب إلى مقولة: "ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه"، فإذا تعذّر تحقيق الهدف كاملاً، يمكن الاكتفاء بما أمكن إنجازه.
حذار تدهور البلد
وفي حديث جانبي، قال غبريال رداً على سؤال: "إن ما وصلنا إليه بخصوص السلاح جيد، وعلينا العمل على استكمال حصره بالدولة، ولكن بهدوء ومن دون التسبب بتدهور وضع البلد. الجيش ينفذ مهامه وأنجز خطوات هامّة، وخريطة الطريق واضحة"، مثنياً على تعيين مندوب مدني في آلية الميكانيزم.
لا يبدو أن هناك موقفاً أميركياً حاسماً وموحّدًا تجاه الوضع في لبنان، ما ينعكس حيرةً في التعاطي اللبناني مع الأمريكيين. فمرةً يلمس الحضور أن حظوظ التسوية قليلة، وأن ثمة ضوءاً أخضر أميركياً لإسرائيل لتفعل ما تريد، ومرة أخرى يسمع الحضور كلامًا عن ضرورة تهدئة الأوضاع، وإعطاء مزيد من الفرص، ودعم قدرات الجيش لتمكينه من بسط سلطة الدولة .
هذا الضياع في فهم الموقف الأميركي بلغ الفرنسيين أيضاً، إذ عبّر السفير الفرنسي، خلال مأدبة عشاء أُقيمت يوم أمس، عن حيرة بلاده من الموقف الأميركي الذي يقول الشيء ونقيضه.
هذا المناخ لمسه السفير عيسى نفسه، إذ قال في مأدبة العشاء إنه يحاول توحيد الرؤية الأميركية حيال الوضع في لبنان. ومنذ تعيينه، بدا واضحاً أن حضوره طغى على حضور آخرين، بمن فيهم مورغان أورتاغوس، التي انحسرت مهامها في إدارة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية عبر لجنة الميكانيزم، حيث تقتصر مهمتها على الوساطة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في مناقشات ما بعد اجتماعات اللجنة.
أما توم باراك، وهو سفير الولايات المتحدة في تركيا والمسؤول عن ملف سوريا في المنطقة، فإن طبيعة التداخل في الأوضاع تجعله على تماس مع الوضع في لبنان، وهو ما ينعكس في مواقفه. صحيح أن السياسة الأميركية واحدة، لكن بدا واضحاً وجود تضارب في المواقف وحدّتها مع كل موفد يزور لبنان.
في المقابل، فإن تعيين السفير عيسى، الآتي من خارج السلك الدبلوماسي، والمطّلع على الوضع اللبناني، وعلى اتصال مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انعكس ارتياحاً لبنانياً. فهو، بحسب الانطباعات، مباشر وصريح ومرن. ومن كواليس لقاءاته، فهم البعض أن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن دخلت مجدًّدا مرحلة الترتيب بالتعاون مع المملكة العربية السعودية.
العبرة بما سيلي لقاء ترامب- نتنياهو
تبقى العبرة في ما سينتج عن لقاء ترامب مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وفي التوجه السياسي الأميركي للمرحلة التي تلي انتهاء الجيش من مهامه في سحب السلاح جنوب الليطاني، والانتقال إلى شمال الليطاني.
وتشي حركة السفير عيسى بأن العمل خلف الكواليس يسير بوتيرة متسارعة لتحقيق خطوات دبلوماسية تساعد على لجم التصعيد الإسرائيلي ومنح لبنان مزيداً من الوقت. ومن خلال الميكانيزم، ثمة اتجاه للاتفاق على ورقة عمل جديدة، بعد إعلان الحكومة الانتهاء من سحب السلاح جنوب الليطاني وانتشار الجيش في المنطقة.
إنه سباق مع الوقت، يبدو فيه قسم من الأمريكيين مهتمًّا بحماية لبنان، المطلوب منه أن يساعد نفسه.
