حزن بحجم الفضاء على جبران.
لا أزال أذكر تمامًا صوته عندما اتصل بي مساء ذلك الأحد.
نقزتُ لسماعه على هاتفي المكتبي العادي. سألني كعادته عندما يُحادثني من باريس: "كيفك مُسيو حاج، كيف العَيلة؟ شو في أخبار؟".
ولم أتمالك نفسي، قلت: "أنت هَون؟".
سؤال بلا معنى. طبعًا هو في بيت مري، ما دام يُحادثني ليلاً على هاتف مكتبي، فهو يريد أن يُخبِرني أنه عاد، وأن يعلم مَن لم يعلم بأنه في البلد . فلطالما كانت سنترال "النهار" وخطوط هواتفها مُراقبة من أجهزة متعددة.
قبل يومين، باح لي مرافقه أندريه مراد في كافيتيريا الجريدة أنهم سيقتلونه إذا عاد، وسوف يعود، وكان متأكدًا وفي غاية التأثر كمن يرى الموت أمام عينيه وهو يردّد: "رح نروح مية شقفة يا أستاذ". ورفيقه إيلي الفلوطي يحاول أن يهدّئ باله ويدعوه للتماسك.
وها هو جبران قد عاد ويسألني عني وعن عائلتي والأخبار. فبماذا أجيبه؟ "الحمد لله، مناح". وعرضتُ له ملخصًا للوضع في البلد.
صباح اليوم التالي، استيقظتُ على دويّ الانفجار في المكلس. لم يساورني شك: قتلوه، خلص.
كما في "قصة موت مُعلَن" لماركيز.
دقيقةً كانت معلومات الذين أخبروا أندريه مراد بما سيحدث. ما حدث فعلًا.
يا حرام يا جبران! يا أندريه! يا إيلي!
والزمن حصان جامح.
ولم أشفَ بعد من جرح جبران، الشاب الطيب الذي لا مثيل له. ولن أنسى أننا سهرنا ذلك اليوم، أنسي الحاج وأنا، في مقهى على حافة ساحة المدينة حتى الفجر، نبكي ونحاول أن نضحك لنطرد حزننا الشديد.
حبيب القلب جبران.
عشرون سنة. حقًا؟ لو تعلم أنني حتى الآن لم أستعد توازني بعد من هول الانفجار الذي اعترض طريق حياتك. طريق "النهار". وحُلمنا بلبنان الذي أحببتَ حتى الموت.
