ولكن أين هُم صُنّاع السلام؟

نزيه درويشالخميس 2025/12/11
Image-1764539556
ما أن غادر البابا بيروت حتى عاد الجميع إلى "العمل كالمعتاد"(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمانون عامًا فقط تفصلنا عن واحدة من أبشع الحروب التي عرفتها البشرية. حربٌ لم تكن نزاعًا على حدودٍ فحسب؛ بل كانت انعكاسًا لصراع سياسي وعرقي وديني وثقافي امتدّ لقرون طويلة، وخلّف عشرات الملايين من القتلى، ودمّر مدنًا بأكملها، ومهّد لقيام إمبراطوريات واندثار أخرى. ومع ذلك، تقف اليوم فرنسا وألمانيا، الخصمان التاريخيان اللذان خاضا فيما بينهما مئات المعارك منذ القرون الوسطى، كأمّتَين توأمين يقودان معًا مشروعًا وحدويًا استثنائيًا هو الاتحاد الأوروبي.

فما الذي جعلهما قادرتين على طيّ صفحة الماضي بهذا الشكل شبه المعجزي؟ وكيف تمكّن الأوروبيون الآخرون أيضًا من اختزال قرون العداء إلى مجرّد «كابوس عابر»، بينما نحن في لبنان والشرق الأوسط ما زلنا ندور في حلقة الصراع ذاتها، عاجزين عن الخروج من الماضي أو اللحاق بمستقبل يدعونا إليه العالم، وآخرهم قداسة الحبر الأعظم الذي جعل شعار زيارته للبنان «طوبى لصانعي السلام»؟

 

حين يصنع التعب السلام وتُلتقَط اللحظة

كثيرون يختزلون التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية في عبقرية رجال دولة كبار: كونراد أديناور في ألمانيا وشارل ديغول في فرنسا. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالتاريخ لا يصنعه قائد واحد، ولا يُصاغ بقرار فردي مهما كان استثنائيًا، ولا يتغيّر بمجرّد توقيع أو لحظة خطابية. إنه حصيلة سيرورة طويلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، يعبّر القادة في لحظات حاسمة عن اتجاهاتها الكبرى.

هذا ما فعله أديناور في ألمانيا، وديغول في فرنسا، ومن ثم روبير شومان وجان مونيه في مشروع الوحدة الأوروبية. هؤلاء القادة امتلكوا خيالًا سياسيًا واسعًا، وشجاعةَ تحمُّل أثمان المصالحة، ولكنهم  لم يصنعوا معجزة؛ بل كانوا رجال لحظة تاريخية ناضجة: مجتمعات متعبة من الحرب، اقتصادات مدمَّرة تبحث عن النمو، إرادة دولية لمنع صراع جديد، ووعي ثقافي عميق جعل فكرة الحرب نفسها غير مقبولة.

 

كيف صُنِع السلام من تحت الركام؟

بعد 1945، كان يمكن لأوروبا أن تنزلق مجددًا إلى دوامة الثأر والانتقام. لكن ما حصل كان العكس تمامًا؛ فقد أدركت شعوب أوروبا أنها أمام خيارين: إما سلام صعب أو انتحار جماعي جديد. لم يُبنى هذا السلام على شعارات، وإنما على برنامج عمل من أربعة ركائز:

1) إرادة سياسية حقيقية لكسر الحلقة التاريخية: لم يكتفِ القادة الأوروبيون بإعلانات النوايا؛ بل اتخذوا خطوات ملموسة: اندماج إقتصادي فقرارات تضع مصلحة الشعوب فوق سيادة الدول.

2) إعادة كتابة السرديات القومية: في الكتب المدرسية، في الإعلام، في الخطاب السياسي، تغيّر كل شيء. أُزيلت مفردات «العدو الأبدي»، واستُبدلت بمصطلحات «الشريك الأوروبي»، كجزء أساسي في عملية تنقية الذاكرة التي تواكب المصالحات.

3) تجارب مشتركة تعيد تشكيل العلاقة: روابط اقتصادية، أسواق موحّدة، زيجات مختلطة، جامعات مشتركة، وسياسات اندماجية. بكلمات أخرى: جعلوا التعايش مصلحة يومية وليس مجرّد شعار أخلاقي.

4) نزع عوامل الحرب البنيوية: خضع الجيش الألماني لرقابة صارمة. وتم ضبط الإنتاج الحربي. وابتُكرت مؤسسات أوروبية تمنع القرار الأحادي بالحرب. 

بهذه الخطوات، استطاعت فرنسا وألمانيا، ثم أوروبا كلها، تحويل صراع وجودي دامٍ إلى شراكة مؤسِّسة، وصناعة نموذج ربما هو الأكثر نجاحًا في التاريخ الحديث.

 

دعوة البابا: لماذا لم تُحدث أثرًا؟

الأسبوع الماضي، حين زار بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر لبنان، دعا اللبنانيين أكثر من مرة إلى تنقية الذاكرة وامتلاك شجاعة المستقبل. استقبله اللبنانيون بحفاوة، وعبّروا لفظيًا عن تأييدهم لدعواته وصفقوا ورقصوا، لكن ما أن غادر بيروت حتى عاد الجميع إلى «العمل كالمعتاد».

لماذا؟ لأن الخطاب «الروحي» يحتاج إلى أدوات سياسية واجتماعية لكي يتحول إلى مسار فعلي. والسلام في لبنان، على عكس أوروبا، لا يجد حاضنة مؤسسية، ولا اتفاقًا سياسيًا يتعدّى وقف النار وتقاسم الحصص، ولا ذاكرة مشتركة، ولا حتى قناعة بأن المستقبل يستحق التضحية بالماضي.

 

هل قلنا رجال دولة؟!

في لبنان، لم يظهر على مدى العقود الأخيرة قائد يمتلك الشجاعة اللازمة لطرح رؤية جامعة تتجاوز الطائفة والحزب والسلاح. أغلب من صعد إلى السلطة تمكّن من ذلك من بوابة الحرب، لا من بوابة الدولة: أمراء ميليشيات تحوّلوا إلى زعماء طوائف، ورثوا السلطة وأبّدوها في دستور وقوانين مُحكَمة ليعيدوا توريثها لأنسبائهم!

هؤلاء يتقنون إدارة التوازنات، لا إدارة الدولة. يحفظون شبكة مصالحهم الخاصة لا شبكة مصالح الناس. ويعيدون إنتاج خطوط الانقسام نفسها التي سبّبت الحرب، بدلًا من إعادة تعريف الدولة على صورة مجتمع يتوق للخروج من زمن العنف.

لذلك، هل نستغرب أن يبدو قادة لبنان عاجزين عن التصدّي للمشاكل المصيرية التي تواجه البلد: انهيار اقتصادي غير مسبوق، دولة مفككة، هجرة جماعية، وصراع حدودي دائم؟ كما هم عاجزون عن استثمار اللحظات التاريخية الكبرى، وعن التقاط حاجة اللبنانيين العميقة إلى السلام وإعادة بناء الدولة.

 

لماذا استطاعوا ولم نستطع؟

السؤال ليس مقارنة للتقريع؛ بل لفهم الفارق البنيوي بين حالة أوروبا بعد حروبها وحالتنا العالقة في الحرب. فحتى اليوم، ورغم كل الكوارث التي مررنا بها، ما زلنا نقف على تخوم الماضي، لا نكاد نخطو خطوة نحو المستقبل حتى نرتدّ إلى الوراء:

1) غياب الإرادة السياسية الحقيقية: لم تتفق القوى اللبنانية يومًا على مشروع دولة. الاتفاقات التي أبرمتها القوى المتحاربة، من الطائف إلى الدوحة، كانت عبارة عن وقف إطلاق نار أكثر مما كانت مشروعًا لبناء دولة. وعلى العكس من التجربة الأوروبية، لم يسبق لأي طرف أن امتلك الشجاعة للاعتراف بمسؤوليته، وإن كانت نسبية، عن الحرب، أو لطرح رؤية جامعة تتجاوز مصالحه الطائفية أو المناطقية.

2) السرديات المتناقضة وتأبيد الكراهية: كُتُب التاريخ متناقضة، والسرديات الطائفية تغلب على الذاكرة الوطنية. كل فريق يعتبر نفسه الضحية الدائمة والآخر الجلّاد الدائم. لا توجد تنقية للذاكرة، بل إعادة إنتاج لها واستثمار بها في كل موسم انتخابي أو أزمة سياسية.

3) الصراع العربي–الإسرائيلي كجدار يمنع التسويات الداخلية: لبنان ليس جزيرة معزولة. الصراع مع إسرائيل، بكل دمويته وتشعباته، يظل عاملًا يربط الداخل بالخارج ويعرقل أي اتفاق وطني شامل.

4) سلاح حزب الله عقدة تمنع ولادة الدولة: من دون مواربة: لا يمكن بناء سلام داخلي وخارجي مستدام في ظل وجود سلاح خارج الشرعية. هذا ليس رأيًا سياسيًا بل قاعدة من قواعد تكوين الدول.

الدستور اللبناني، واتفاق الطائف، والقرارات الدولية، وآخرها القرار 1701، كلها وضعت إطارًا واضحًا: أهلا بكم في الدولة، ولكن الدولة وحدها تحتكر امتلاك السلاح وقرار السلم والحرب.

لكن الواقع ما زال مختلفًا تمامًا. بعد إرغام  الجيش السوري على الانسحاب في 2005، ما بدا في حينه وكأنه فرصةً لاستعادة سيادة الدولة، تمسّك «حزب الله» بسلاحه، واضعًا البلاد من جديد رهينة قرار خارجي، ومُبقيًا الجنوب جبهةً مفتوحة، ومُعرِّضًا لبنان لتدمير موسمي دائم، مُعرقلا أي محاولة لبناء دولة موحدة مزدهرة.

والأخطر أن استمرار هذا السلاح يساهم في تجميد الزمن اللبناني: فلا نخرج من الحرب ولا نذهب إلى السلام، بل نقف في منطقة رمادية مُكلِفة، تمنع الاستقرار، وتمنع الإعمار والاستثمار، وتمنع المستقبل.

 

ما الذي يمكن فعله؟

قد يبدو المشهد قاتمًا، لكنه ليس قدرًا محتومًا. التجربة الأوروبية نفسها كانت تبدو مستحيلة عام 1945. خبرات حلّ النزاعات تضع أمامنا خطوات قد تفيد كخريطة طريق:

1) الاعتراف المتبادل بالأخطاء: من دون هذا الاعتراف، لن يتغيّر شيء. لا يجب إدانة طرف واحد، بل كل أطراف الحرب والصراع، بلا انتقائية. كل واحد بحسب ارتكاباته.

2) توحيد السردية الوطنية: كتاب تاريخ محايد، ذاكرة وطنية واحدة غير انفعالية، اعتراف بالضحايا، ورفض خطاب الكراهية.

3) استعادة الدولة قرار الحرب والسلم: لا يمكن لأي بلد أن يخطط لمستقبله بينما قرار «حربه» ليس بيده، وبوجود ميليشيا تمتلك ترسانة أسلحة وتتلقى الدعم والأوامر من الخارج. هذا ليس مطلبًا سياسيًا بل شرطًا للوجود الوطني.

4) عقد اجتماعي جديد: يرتكز على المواطنة لا الطائفة، وعلى الدولة المدنية لا الزبائنية. لبنان لن يعيش من دون تجديد عقده الأساسي.

5) شراكات اقتصادية وإنسانية تُنتج مصلحة مشتركة: السلام ليس عناقًا رمزيًا، بل شبكة مصالح تجعل الحرب خيارًا خاسرًا للجميع.

 

الامتحان الأصعب في الشرق الأوسط

حين دعا البابا خلال زيارته إلى لبنان إلى «صنع السلام» و «تنقية الذاكرة»، لم يكن يوجّه خطابه فقط إلى الداخل اللبناني. كان يقرأ خريطة المنطقة كلها. فالسلام في لبنان لا يمكن فصله عن السلام مع إسرائيل، ولا عن كيفية تعامل شعوب الشرق الأوسط مع تاريخ من الحروب والمجازر والتهجير والاحتلال.

السلام لا ينجح إن كان محليًا أو ثنائيًا فقط. إنه يحتاج إلى إجماع إقليمي وإرادة مشتركة لدفع النزاع نحو نهايته. وهنا يبرز العامل الجديد الذي بدأ يتشكّل في السنوات الأخيرة: رغبة دول عربية مركزية، السعودية، الإمارات، قطر، مصر، والأردن، في دعم مسار سلام واقعي يضع حدًا للصراع، يعطي الفلسطينيين دولة قابلة للحياة، ويقدّم لإسرائيل ضمانات حقيقية للأمن.

هذه الدول لم تعد ترى أن بقاء الصراع يخدم شعوبها أو مستقبلها. وهذا التحوّل البنيوي في الموقف العربي الرسمي هو ما التقطته واشنطن، وهو أيضًا ما أدركه البابا حين دعا إلى جعل «صنع السلام» عنوانًا للمرحلة.

فوجود هذا الرافعة العربية يمنح أي مشروع سلام في المنطقة قاعدة لم تكن متاحة منذ عقود، ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة جذريًا عن كل سابقاتها، شرط أن تتلقّفها إسرائيل بنفس درجة الشجاعة.

قبل فوات الأوان!

في أوروبا، لم تُمحَ الذاكرة، لكنها نُقّيَت. لم يُنسَ الماضي، لكنه لم يُترك ليحكم الحاضر. أما في لبنان والشرق الأوسط، ما زالت الذاكرة تحكم الحاضر وتختنق به، بدل أن تتحول إلى درس للمستقبل.

أوروبا نهضت لأن قادتها فهموا أن السلام هو «مشروع حياة» و برنامج عمل. أما نحن، فلا نزال نتعامل معه كأنه «ترف سياسي» أو «خسارة معنوية» أو «مشروع مؤقت» بانتظار تغيير موازين القوى.

والسلام لا يأتي من الأمنيات ولا من زيارات رعوية مهما كانت مؤثرة. السلام مشروع شجاع يتطلّب قرارًا بأن الماضي لا يمكن أن يكون مستقبلًا، وأن الدم لا يمكن أن يكون لغة سياسية، وأن الدولة، بكل معنى الكلمة، هي وحدها الطريق.

هذه الشجاعة هي ما دعا إليه البابا. وهي التي تصنع مستقبلًا يستحقه اللبنانيون، إن اختاروا السير فيه قبل فوات الأوان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث