أبعدَ من مجرّدِ خلافٍ دستوريٍّ بين السلطتينِ التشريعيّةِ والتنفيذيّةِ، تبدو المسألةُ المرتبطةُ بترسيمِ الحدودِ البحريّةِ بين لبنان وقبرص، والتي أُعلن عنها قبل فترةٍ وجيزة، عنوانًا لمرحلةٍ دقيقةٍ وحسّاسةٍ في سياقِ العلاقة بين السلطتين داخل البلاد. فقد قدّم أربعةٌ وعشرون نائبًا، من كتلٍ نيابيّةٍ متعدّدة إضافةً إلى مستقلّين، سؤالًا إلى الحكومة حول الملف، في خطوةٍ تعكسُ بوضوحٍ حجمَ الإشكاليّةِ الدستوريّةِ المطروحة، غير أنّ أبعادَها تتخطّى هذا الإطار لتلامسَ خلفيّاتٍ سياسيّةً أعمق، ترتبطُ بمسارٍ تراكميٍّ من الأحداث والقرارات التي اتُّخذت في المرحلة السابقة.
ولعلّ ما نشره المعاونُ السياسيُّ لرئيس مجلس النواب نبيه بري على منصّة "إكس" يشكّلُ إشارةً إضافيّةً إلى أنّ القضيّة لا تنحصر في جانبٍ دستوريٍّ بحت، بل تمتدّ لتشملَ معطياتٍ سياسيّةً دفعت إلى تقديم السؤال، وفي طليعتها القراراتُ الحكوميّةُ الأخيرة، ولا سيّما تلك المتصلة بحصريّة السلاح وقانون الانتخاب.
توترٌ بين السلطات
تقول مصادر سياسية لـ"المدن" إنّ العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ليست على ما يرام، وهذا الأمر انعكس بشكل واضح بعد مشروع القانون الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب لتعديل قانون الانتخاب بما لا يريده رئيس المجلس وفريقه السياسي، ما سبّب انزعاجًا من الخطوة بسبب إعادة كرة النار إلى المجلس والتملّص من تنفيذ القانون النافذ بما يخص المادة السادسة عشرة. وحسب المصادر، فإن من أقدس الأمور لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري هو عدم المس بصلاحيات السلطة التي يرأسها وتجاوزها، وكأن البعض يريد تقريش الواقع السياسي لاختزال صلاحيات تشريعية بحتة للمجلس النيابي. فاستهداف صلاحيات المجلس بالدرجة الأولى هو استهداف لرئيس هذا المجلس وما يشكّله من موقع دستوري. ولا ينفك هذا التوتر المباشر أيضًا عمّا قامت به الحكومة خلال الفترات الماضية بما يخص قرار حصرية السلاح والتصريحات التي تصدر وكأنها تحمل فريقًا واحدًا المسؤولية، والنقطة الأبرز تلك التي تتعلّق بإعادة الإعمار والتأخير الحكومي في إنجاز الخطة على الأقل والتذرع الدائم بالوضع الأمني. هذا الأمر تحديدًا يشكّل عتبًا كبيرًا عند الرئيس نبيه بري على الحكومة اللبنانية، وبالرغم من تمثيل الثنائي في الحكومة، إلا أنّ معظم القرارات التي تحتاج إلى أكثرية مُؤمّنة تمرّ دون أصوات الشيعة، ولا أحد يقيم اعتبارًا للميثاقية باعتبارها، حسب رأي الحكومة، بين المسلمين والمسيحيين وليس بين الطوائف. وأمام كل هذه التباينات بين رئيس السلطة التشريعية وما يمثله بالنسبة للطائفة الشيعية، ورئيس الحكومة الذي ظهر خلافه مع بري مرّات عدة، كان للمجلس ورئيسه موقف حاسم من اتفاقية الترسيم، باعتبارها تجاوزًا دستوريًا.
سؤالٌ نيابيٌّ موحّد
ويظهر السؤال الموقع من النواب وجود عدد من المستقلين ونائب من كتلة الكتائب اللبنانية إضافة لنواب من كتل التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة ولبنان القوي. وتقول المصادر في هذا الصدد إن هؤلاء النواب تعاملوا وفقًا للدستور لا الحسابات السياسية، فالتجاوز واضح، وفي سؤالهم طرحوا المادة 52 من الدستور اللبناني (المعدّلة) التي تعطي رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض وإبرام المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تُعتبر المعاهدات مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، مع وجوب عرضها على مجلس النواب في الظروف التي تسمح بها مصلحة الدولة، وتتطلب موافقة مجلس النواب بشكل خاص للمعاهدات المالية والتجارية أو التي لا يمكن فسخها سنويًا. وتُعتبر أساسًا قانونيًا لتفعيل المفاوضات الخارجية في لبنان، كما يتضح من النقاشات حول ترسيم الحدود البحرية الأخيرة.
تجاوزٌ للسلطتين
وتقول مصادر مقربة من الثنائي لـ"المدن" إن إدخال مدني إلى الميكانيزم وتسميته حصل وفق صلاحيات السلطة التنفيذية، فلماذا يتم تجاوز صلاحيات السلطة التشريعية في موضوع أساسي مرتبط بمعاهدة الترسيم مع قبرص وما لها من تداعيات اقتصادية وسياسية مرتبطة أيضًا بدول الجوار؟ وتضيف أنّ هذا السؤال سيتحوّل إلى استجواب للحكومة في حال قررت عدم الرد أو الإجابة بطريقة غير مقنعة، وهو حق دستوري. علمًا أنّ الثنائي لا يريد إشكالًا كبيرًا مع الحكومة في هذا الظرف وعلى مقربة من إجراء الانتخابات النيابية، لكن التمسك بالصلاحيات الدستورية لا تنازل عنه. وهنا تسأل: لتعرض الحكومة الأمر على خبراء قانونيين، ومنهم وزراء، هل سيجدون تجاوزًا أم لا؟ بالطبع سيجدون ذلك.
سؤالٌ بأبعادٍ سياسية
إذًا، صحيح أنّ واجهة السؤال الذي وقّعه نواب من مختلف الكتل وكتب عنه النائب علي حسن خليل دستورية بحتة، إلا أنه ينطوي في خلفياته على دوافع سياسية مرتبطة بمرحلة كاملة من العلاقة بين السلطتين، وبالأخص موقعي الرئاسة فيهما. وقد يؤدي هذا السؤال إلى زيادة التوتر بين السلطتين، وذلك قبل أشهر من موعد الانتخابات النيابية والتي لا يزال الإشكال حول قانونها مستمرًا. فهل يمضي هذا السؤال برد يتيح للمجلس ورئيسه استكمال فترة المهادنة مع الحكومة اللبنانية حتى موعد الانتخابات؟
