لم يغب الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان طويلًا عن بيروت. فزيارته السابقة كانت في أيلول الماضي. وكما في كلّ محطة سياسية دقيقة، تعود باريس إلى تشغيل محرّكاتها في اتجاه لبنان، في محاولة لالتقاط موقع لها داخل المشهد الإقليمي المتحوّل.
زيارة لودريان الأخيرة حملت الطابع نفسه: حضور هادئ بعيد عن التصريحات العلنية، باستثناء تعليق مقتضب للسفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في اليوم الثاني بعد لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري قائلاً: "جيد جدًا".
لكن خلف أبواب اللقاءات المغلقة، التي كانت مكثّفة، تقول مصادر سياسية مطّلعة لـ"المدن"، إنّ الجانب الفرنسي يسعى إلى تعزيز موقعه في ظل تقدّم المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، على رغم أن الدور الأميركي يبقى الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة. وتضيف المصادر أن باريس تبدي رغبة واضحة في إعادة تثبيت حضورها في لبنان، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الثقل الأساسي يعود لواشنطن والرياض. وتابعت المصادر أن الفرنسيين يبدون اهتمامًا خاصًا بملفين أساسيين: ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، وملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية، معتبرين أن تحسين العلاقات بين البلدين ضرورة للمرحلة المقبلة.
لقاء بري – لودريان: دعم للجيش وتأكيد على الآليات العسكرية
في عين التينة، ساد جوّ إيجابي "كالمعتاد"، وفق ما توحي به المعلومات، حيث أشاد لودريان بدور الجيش اللبناني في الجنوب وبأهمية استمرار "الميكانزم" في هذه الفترة الحساسة، مجدّدًا التزام بلاده دعم المؤسسة العسكرية، وكاشفًا عن نية فرنسا عقد مؤتمر خاص لهذا الغرض. هذا الدعم كان محور لقائه أيضا صباحًا مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل. لكنّ مصدر سياسية مطّلعة تؤكد لـ"المدن" أنّ دعم الجيش مرتبط مباشرة بتطبيق الدولة اللبنانية للإصلاحات المطلوبة، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
بالتوازي، رئيس مجلس النواب نبيه بري عرض بدوره أمام لودريان الخروقات الإسرائيلية اليومية، مؤكدًا أن لبنان ملتزم اتفاق وقف إطلاق النار منذ اللحظة الأولى. ولم يغب ملفّ الانتخابات النيابية عن النقاش، حيث شدّد الطرفان على ضرورة إنجاز هذا الاستحقاق في موعده. وأظهرت أجواء عين التينة أن باريس تحاول تثبيت حضورها في كل محطّة مفصلية، وأن زيارة لودريان تأتي في هذا الإطار السياسي المتحرك.
جولة سياسية واسعة: جنبلاط، جعجع، الجميل… وجسّ نبض المرحلة
لم تقتصر جولة الموفد الفرنسي على الرؤساء الثلاثة، إذ التقى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط على مأدبة غداء في كليمنصو، وسط تأكيد من مصادر متابعة أن اللقاء كان «جيدًا». وتشير المصادر إلى أن لودريان يحاول عبر سلسلة لقاءاته استكشاف الصورة الكاملة، وإعادة تموضع فرنسا في قلب التطورات اللبنانية.
كما التقى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في معراب، فيما اقتصر اجتماعه برئيس الحكومة نواف سلام على عشاء في قصر الصنوبر، بحضور نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الثقافة غسان سلامة. ومن المتوقع أن يواصل لقاءاته الخميس، بلقاء رئيس حزب الكتائب سامي الجميل وغيره من الشخصيات.
هواجس عين التينة: التفاوض ضمن «الإطار العسكري» ومنع التصعيد
وبينما تتوالى الزيارات الدولية لبيروت، تركّز أوساط رئيس مجلس النواب على أولوية واحدة: منع الانزلاق إلى التصعيد. وتؤكد مصادر قريبة من عين التينة لـ«المدن» أنّ ما يهم بري في هذه المرحلة هو أن يبقى التفاوض محصورًا بالإطار العسكري للميكانزم، معتبرًا أن لبنان يخوض أصلًا مفاوضات مستمرة، لكن المطلوب اليوم هو خفض حدة التوتر.
أما بالنسبة إلى هوية رئيس الوفد اللبناني -أي السفير سيمون كرم- فتشير المصادر إلى أن بري لا يعطي أهمية للاسم، بقدر ما يركز على الإطار العام للتفاوض وضمان عدم تجاوز الصيغة المتفق عليها.
وترى المصادر أن القراءة الأكثر دقّة للوضع الميداني جاءت على لسان السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى الذي قال إن "قرار التصعيد هو حصريًا بيد الإسرائيلي". وتضيف: «لبنان اليوم يحتاج إلى التروّي وإدارة التفاوض بعقلانية.
