من كان يُتابع زيارة البابا إلى لبنان شعر أن المنصّات الرسمية والخطابات واستعراضات المنظومة السياسية-الدينية-المالية لم تكن هي النقطة المفصلية، بل مشهدان جانبيان، هامشيّان في الشّكل، لكن أساسيّتان في المعنى: زيارة دير الصليب ولقاء أهالي ضحايا تفجير المرفأ. جسّدت هاتان اللحظتان كلّ مفهوم الزيارة وأهدافها، بل أضاءتا على ما تبقّى من قدرة الفاتيكان على التأثير السياسي والأخلاقي معاً. فبالوقت الذي انشغلت فيه المواقف والتحليلات بموضوع السلام مع إسرائيل وحرد سمير جعجع من عدم دعوته إلى قصر بعبدا، جاء هذان المشهدان وكأنّهما من خارج السياق.
فبخلاف اللقاءات الرسمية الّتي تصدّر فيها أركان المنظومة السياسية- الدينية- المالية المشهد، في محاولة تلميع صورتهم والحصول على براءات ذمم، جاءت تلك اللحظتان كتجسيد لنوع مختلف من الدبلوماسية: "دبلوماسية المعنى". في مقابل الضجيج والاستعراض، كان وقع المشهد في دير الصليب، واللقاء في المرفأ قويّاً ومعبّراً وكان من الواضح أن هذه اللحظات العميقة، بتلقائيّتها وشفافيّتها وصدقها، عكست تبايناً واضحاً مع باقي برنامج الزيارة. ولعلّى مشهد رئيس جمعية المصارف في لقاء الشباب في بكركي، كان من أفقع المشاهد؛ فهو من الشركاء الأساسيين في سرقة أموال أهالي الشباب، وبكركي شاءت أن يكون وجوده في مقدّمة الحضور. هذا المشهد يختصر الكثير ويعرّي المنظومة.
القوّة الناعمة للكرسي الرسولي
إن أهميّة وصفاء هاتان المحطّتان ليس أمراً عاطفياً وحسب، بل يتجاوزه إلى السياسة. فهما تمثّلان ما يُعرف بـ"دبلوماسية المعنى" التي تعتمدها الكرسي الرسولي منذ أن فقدت سلطتها الزمنيّة في أوروبا مع صعود العلمانية. فالكرسي الرسولي، الذي كان شريك الأباطرة والملوك، يستمدّ منهم ويمنحهم الشرعية، وجد نفسه في موقع جديد بعد الثورة الفرنسية وما تبعها من فصل صارم بين الكنيسة والدولة. في السابق كانت أوروبا مركز الكثلكة، وكانت الكنيسة في قلب التحالفات السلطوية التي قادت الاستعمار تحت شعار "الله، الذهب، المجد". أمّا بعد العلمنة، ومع رفض الاتّحاد الأوروبي الإشارة إلى الجذور المسيحية لأوروبا في ميثاقه التأسيسي، وجد الكرسي الرسولي نفسه خارج المركز. لم يعد يملك القوّة الصلبة، بل بات يُراهن حصراً على القوّة الناعمة. هذه التحوّلات دفعت الكرسي الرسولي إلى العمل في الأطراف، والبحث عن مفاعيل رمزيّة ومعنويّة في المناطق التي لا تزال تحتفظ للكنيسة بدور أخلاقي وروحي. لا تملك دبلوماسية المعنى أدوات الفرض، بل التلميح. لا تملك وسائل الردع، لكنّها تسعى إلى تحريك الضمير العام. الفاتيكان اليوم، لا يؤثّر عبر قرارات أو ضغوط، بل عبر مشاهد، زيارات، رموز، وخطاب غير سلطوي مطعّم بالقيم.
ما حصل خلال لحظتي زيارة دير الصليب ولقاء أهالي الضحايا، لم يكن فقط لحظة عاطفيّة، بل تطبيقاً فعلياً لهذه الاستراتيجية: حين يُقابل البابا مُهمّشي مجتمع محطّم، ويُستقبل السارقون على منصّة الشباب في بكركي، يتضّح التناقض وأين يُمكن أن يميل الرأي العام.
أزمة السياسة الحديثة
هذه الدبلوماسية ليست بديلاً عن السياسات الواقعية، لكنّها قادرة، في لحظات محدّدة، على خلق ما يشبه المومنتم السياسي- الأخلاقي. في لبنان ظهرت هذه القدرة جليّة؛ فلنفترض أن زيارة دير الصليب ولقاء أهالي الضحايا، جاءا عشية الانتخابات النيابية، كان يمكن لهذين المشهدين أن يخلقا لحظة تحوّلية، تدفع الناس إلى الانتفاض، والى تحريك وعيهم السياسي، وتنشيط ذاكرتهم. وهنا تتجسّد أهمية دبلوماسية المعنى وقدرتها، كما أن صورة السيّد سليم صفير في بكركي، يمكن أن تخلق غضباً، وبالتالي تصويتاً عقابياً.
هنا تكمن المفارقة: فبينما تملك المنظومة الحاكمة الأكثرية الشعبية، إلّا أنّها تفتقد إلى الشرعية الأخلاقية. والأهمّ، أن هذه الأكثرية العدديّة لا تولّد أثراً وجدانياً، ولا قدرة على التعبئة خارج آليات النظام الزبائني والاستقطاب. في المقابل، فإن لحظة تعاطف صادقة بين البابا وشعب مسحوق، تملك أثراً نوعياً قد يُعيد ترتيب الأولويات. بهذا المعنى، تصبح زيارة دير الصليب ولقاء الأهالي أقرب إلى ممارسة سياسة رمزيّة، تُعرّي النظام وتُعيد المعنى إلى السياسة. فحين يشعر الناس بأن السلطة مجرّدة من المشاعر، ويشاهدون في الوقت نفسه ممثّلاً روحياً عالمياً يلمس أوجاعهم، تتكوّن مفارقة مهمّة: أن من لا يملك شيئاً، قد يكون أكثر قدرة على التأثير، فقط لأنّه يملك المعنى.
لفهم هذا التأثير أكثر، يمكن العودة إلى 17 تشرين (2019). كان رسم بسيط على تطبيق واتساب كافياً لإشعال الشارع اللبناني، ليس لأنّه مخطّط مسبقاً، بل لأنّه اختصر ظلماً وكبتاً وشعوراً بالإهانة، ما ولّد طاقة انفجرت في الساحات والطرقات. هنا تحديداً يكمن جوهر المعني: في القدرة على اختزال الشّعور الجماعي.
هذا التحوّل في التموضع الكنسي- من المركز الأوروبي إلى الأطراف، ومن التحالف مع السلطة إلى الوقوف بجانب الضعفاء هو استجابة دقيقة لتحوّلات العالم. انتخاب بابوات من خارج أوروبا، التوجّّه إلى الجنوب العالمي، الحوار مع الأزهر وتوقيع معاهدة الاخوّة في أبو ظبي، كلّها إشارات على ولادة استراتيجية بديلة.
القدرة أن نقول لا
دبلوماسية المعنى، إذاً، ليست فقط جمالية أو وجدانيّة. إنّها سياسة أخلاقية بامتياز. تستثمر في هشاشة العالم، وفي جراحه، لا في امتلاك أدوات السيطرة. وهي تحاول أن تقول: حتى لو لم نعد في المركز، لا يزال لنا دور. لكن هذا الدور يتطلّب بيئة حاضنة.
إن دبلوماسية المعنى لا تنتمي حصراً إلى الكرسي الرسولي، إنّها اليوم جزء من نقاش عالمي أوسع حول أزمة السياسة الحديثة. في كتاب أصدره مؤخّراً دومينيك دو فيلبان (Le Pouvoir de dire non)، يدعو رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إلى استعادة القدرة الأخلاقية على الرّفض كخيار سياسي قائم على القيم، وعلى الصّدق، وعلى مواجهة نظام عالمي فقد بوصلته.
في لبنان، نحن بانتظار التقاط المعنى وتوليد الطّاقة. هل لدينا من يلتقط لحظة المعنى؟ هل لا يزال هناك من يستطيع ترجمة الجمال الروحي إلى فعل سياسي؟ هل هناك من يجرؤ على بناء مشروع أخلاقي في وجه الانحطاط؟ هل لا يزال موجوداً من يملك شجاعة قول "لا" بوجه التّهميش والإجرام، ويُعيد للسياسة روحها، وللناس كرامتهم؟
