تبدّل وجه المنطقة بأكملها بعد السابع من أكتوبر تبدّلًا جذريًا لا يمكن لأحد إنكاره. ومن أبرز تجلّيات هذا التحوّل الكبير الدعوة التي أطلقها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم للمملكة العربية السعودية إلى فتح صفحة جديدة مع الحزب. هذه الدعوة لا يمكن فصلها عن مسار العلاقات السعودية–الإيرانية، إذ إن مختلف الأوساط أجمعت على أنّ خلفها "كلمة سر" إيرانية أعقبت نقاشات غير معلنة مهدت لإطلاقها. ويبدو أنّ ما كان في السابق ممنوعًا لدى حزب الله، بات مطروحًا اليوم وقابلاً للنقاش.
وهنا يبرز السؤال، كيف تقارب السعودية علاقتها مع شيعة لبنان، ولا سيما في ظلّ التحضيرات الجارية لزيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب علي حسن خليل إلى الرياض، بعد عودته من طهران وإجرائه مباحثات تناولت الوضعين اللبناني والإقليمي؟
على رغم عدم صدور أي تعليق رسمي يؤكد الزيارة أو ينفيها، إلا أنّ أصل فكرة هذه الزيارة ليس جديدًا، بل تأتي امتدادًا لزيارات سابقة لم يعلن عنها.
غياب التواصل المباشر
في ما يتعلق بدعوة حزب الله للحوار، تؤكّد مصادر مقرّبة من الثنائي "أمل – حزب الله" لـ"المدن" أنّ أي تواصل لم يحصل خلال الفترة الماضية بين الحزب والمملكة العربية السعودية، على رغم الصراحة الواضحة في الدعوة التي أطلقها الشيخ نعيم قاسم. وتشير هذه المصادر إلى أنّ المملكة أكّدت في لقاءاتها، ولا سيما عبر موفديها وفي الاجتماع مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، أنّها تتعامل وفق مبدأ "دولة مع دولة"، وليس مع الأحزاب، وأن لا مشكلة لديها إطلاقًا مع شيعة لبنان. وقد شدّد السفير السعودي وليد بخاري، خلال لقائه السابق مع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، على وجود علاقات طيبة مع الطائفة. وتضيف المصادر أنّ التبدّلات الإقليمية فرضت إطلاق دعوة التقارب، إلا أنّه حتى اللحظة لا تلوح أي مؤشرات عن حماسة سعودية أو رغبة في فتح علاقة مستقلة مع حزب الله، إذ لم تُظهِر الإشارات المرسلة أي تبدّل قريب في المشهد، رغم انخفاض حدّة التوتر الذي ساد في السنوات الماضية.
وتوضح المصادر لـ"المدن" أنّ الدعوة التي أُطلقت لم تكن وليدة صدفة، بل جاءت نتيجة ترتيبات دقيقة. فالأخطار التي تهدّد لبنان بفعل مشروع التوسع الإسرائيلي، تمتدّ لتطال مستقبل المنطقة بأكملها. وعلى رغم ذلك، تُجمع المصادر على أنّ النتيجة الراهنة واحدة: لا علاقات، ولا تواصل، ولا إشارات إلى تبدّل في الواقع القائم، والذي قد يستمرّ إلى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة. فالمعركة الداخلية محتدمة، والسعودية تدير جانبًا أساسيًا منها على مستوى الطائفة السنية، بهدف إعادة تكوين قوة وازنة داخل البرلمان، وتجنّب التشتّت الذي حصل في الدورة السابقة.
علاقة الحركة بالسعودية
أما بالنسبة إلى حركة "أمل"، فتربطها بالمملكة علاقة مختلفة تمامًا عن تلك التي تجمع السعودية بحزب الله، سواء في المراحل السابقة أو الراهنة. وحول ما جرى تداوله عن زيارة محتملة للنائب علي حسن خليل إلى الرياض، تقول مصادر حركية إن خليل يتردد إلى الرياض بصورة دائمة، وكانت زيارته الأخيرة قبل نحو أربعة أشهر، حيث جرى بحث الشأن اللبناني، ورؤية الحركة لخطورة المشروع الإسرائيلي على المنطقة، إضافة إلى التغيّرات الإقليمية المتسارعة. وعلى الرغم من غياب الإعلان الرسمي عن الزيارة الأخيرة، وامتناع مصادر الحركة عن الخوض في تفاصيل الزيارة المتوقعة وأهميتها بعد زيارة طهران، تشير معطيات "المدن" إلى بدء التحضير لزيارة جديدة، ما لم تطرأ تغييرات مفاجئة، إذ تبقى العلاقة بين بري والسعودية جيدة، ولم تنقطع بالكامل منذ سنوات، وهو يحرص على إبقائها مستمرة.
تحرّك نحو مصر
وإلى جانب التحرك باتجاه السعودية، علمت "المدن" بوجود تحضيرات لزيارة قريبة إلى مصر يقوم بها موفدان من الثنائي. وتشير المعطيات إلى أنّ نصائح وردت للطرفين بفصل الزيارة، بحيث يتوجّه كل موفد منفردًا، بهدف عرض رؤية كل طرف للمرحلة المقبلة في لبنان، في سياق المبادرة المصرية والدور المحوري الذي تلعبه القاهرة في المنطقة.
كما لا تنفصل هذه الزيارات والمحادثات عن زيارة مسؤول العلاقات العربية والدولية في حزب الله، عمار الموسوي لتركيا، وهي ليست الأولى. وعلى رغم أنّ الزيارة جاءت في إطار "المؤتمر عن فلسطين في إسطنبول"، إلا أنّها تعكس توسّع انفتاح الحزب خارجيًا على أطراف متعددة مع تبدّل الوقائع الإقليمية. وبطبيعة الحال، يبقى الملف السوري محورًا أساسيًا في أي نقاشات تُعقد في هذا السياق.
أسابيع حاسمة مقبلة
عموماً، قد تحمل الأسابيع القليلة المقبلة ملامح أوضح لنتائج هذه الاتصالات والزيارات، وما إذا كانت ستفتح نافذة أمل للبنان في مواجهة الهمجية الإسرائيلية، التي لا تزال خارج أي التزام أو قيد. ويزداد المشهد دقّة مع اقتراب نهاية العام، وانتهاء المهل المحددة لحصرية السلاح جنوب الليطاني، وبدء النقاش مجددًا حول سلاح الحزب شمال النهر وفي مختلف المناطق اللبنانية. وبين المبادرات المطروحة لاحتواء التصعيد، يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الجهود في وقف الانفجار المحتمل؟
