نشرت وكالة "أسوشييتد برس" تقريرًا جديدًا من بلدة المطلة، أقصى شمال فلسطين المحتلّة، يتناول معاناة القرى والبلدات الواقعة على الحدود مع لبنان، بعد عام على وقف إطلاق النار الهشّ بين إسرائيل و"حزب الله"، في ظلّ توتّر متجدّد وغارات متواصلة على جنوب لبنان.
في مطلع التقرير، تصف الوكالة مشهد رجل الأعمال الإسرائيلي "إيلان روزنفيلد" وهو يسير بين أنقاض مقهاه المحترق في المطلة، ويتجاوز قطعًا متكسّرة من الصحون الفخاريّة التي كانت تزيّن المكان، وبقايا صواريخ أطلقها "حزب الله" متناثرة بين الركام. وتقول إنّ هذا كلّه ما تبقّى له في هذه البلدة الصغيرة المدمَّرة بالحرب، المحاطة من ثلاث جهات بلبنان.
يقول روزنفيلد للوكالة وهو يتأمّل الخراب الذي أصاب مشروعه الذي أدارَه طوال أربعين عامًا في المطلة، البلدة الواقعة منذ سنوات طويلة في قلب التوتّر على الحدود المتقلّبة:
"كلّ ما أملك, كلّ ما ادّخرته, كلّ ما بنيته, احترق كلّه، كلّ يوم أستيقظ، وما تبقّى لي هو الدموع".
وتشير "أسوشييتد برس" إلى أنّ روزنفيلد كان واحدًا من عشرات الآلاف الذين أُجبروا على ترك منازلهم عندما اندلعت الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" في تشرين الأوّل 2023، عقب السابع من أكتوبر. ومع تصاعد القصف المتبادل تحوّل التوتّر إلى حرب شاملة على الجبهة الشماليّة.
وبحسب التقرير، فإنّ وقف إطلاق النار الذي أُبرم قبل نحو عام لا يزال هشًّا. وتقول الحكومة الإسرائيليّة إنّ معظم النازحين عادوا إلى منازلهم في الشمال ويحاولون اليوم لملمة حياتهم. لكنّ آخرين ما زالوا يتردّدون في العودة مع تكثيف إسرائيل ضرباتها في لبنان. أمّا بلدات مثل المطلة، التي كانت في قلب المواجهات، فما زالت أقرب إلى "بلدات أشباح"، نصف خالية تقريبًا، مع تشكّك كثيرين في وعود الحكومة بحمايتهم.
تذكر الوكالة أنّ نحو 64 ألف شخص أُجبروا على الإخلاء من بلدات الشمال، ونُقلوا إلى فنادق ومساكن مؤقّتة جنوبًا بعد بدء "حزب الله" إطلاق الصواريخ عبر الحدود في خريف 2023. وتفيد بأنّ القتال الممتدّ أشهُرًا تصاعد وصولًا إلى ما وصفته بـ "هجوم منسّق بأجهزة النداء" في أيلول 2024، قُتِل خلاله 12 شخصًا وجُرح أكثر من 3000، أعقبه اغتيال إسرائيل الأمين العام لـ"حزب الله" في ضربة جويّة، قبل أن تتوصّل الأطراف إلى اتفاق وقف إطلاق النار بعد شهر.
اليوم، تقول الحكومة الإسرائيليّة إنّ نحو 55 ألفًا من النازحين عادوا إلى بلداتهم في الشمال. وفي المطلة، عاد قليلٌ يزيد على نصف سكّانها البالغ عددهم 1700 نسمة. غير أنّ الشوارع ما زالت شبه خالية، وقد فوجئ كثير من العائدين بحجم الدمار، إذ تشير السلطات المحليّة إلى أنّ 60 في المئة من منازل البلدة تضرّرت بفعل الصواريخ، فيما أتلفت الجرذان بعض البيوت الأخرى خلال فترة الإخلاء. وتعاني البلدة انهيارًا اقتصاديًّا، إذ يعتمد معظم رزقها على السياحة والزراعة.
"جاكوب كاتس"، الذي يدير مشروعًا لبيع المنتجات الزراعيّة، يقول للوكالة إنّ العديد من الشغيلة لم يعودوا إلى أعمالهم بعد الحرب، مضيفًا:
"معظم الذين عملوا معنا قبل الحرب لم يرجعوا، لقد خسرنا الكثير، ولا يمكننا أن نتنبّأ بالمستقبل".
وتشير "أسوشييتد برس" إلى أنّ بعض أصحاب الأعمال اضطرّوا إلى الاستعانة بعمّال من تايلاند لسدّ النقص في اليد العاملة.
كان مقهى روزنفيلد ومزرعته المتواضعة يقعان على تَلّة تُطِلّ على السياج الحدودي مع لبنان، حيث كان السيّاح يقصدونه لتناول الطعام، والمبيت في حافلات حُوِّلت إلى غرف، والاستمتاع بالمشهد. أمّا اليوم، فكما يروي، فقد حوَّلت الغارات الإسرائيليّة البلدات المقابلة داخل لبنان إلى ركام، وبات الرجل ينام في مأوى صغير إلى جانب أنقاض رزقه، لا يملك سوى خيمة وثلاجة وبعض الكراسي، بينما تقف على مسافة قصيرة برج مراقبة عسكري وآليّتان مدرّعتان.
تؤكّد الحكومة الإسرائيليّة، كما ينقل التقرير، أنّها استثمرت مئات ملايين الدولارات في جهود إعادة إعمار الشمال، وأنّها تعتزم ضخّ المزيد لإحياء الاقتصاد، مع إتاحة صناديق دعم بإمكان السكّان التقدّم إليها. لكن روزنفيلد يقول إنّه لم يتلقَّ أيّ مساعدة رغم طلباته المتكرّرة، ويعبّر عن شعور كثيرين في المطلة بأنّهم "منسيّون" ويحتاجون إلى موارد أكبر لإعادة البناء.
ويقول نائب رئيس بلدية المطلة، آفي ناديف، للوكالة:
"على الحكومة الإسرائيليّة أن تقوم بالمزيد من أجلنا، السكّان الذين يعيشون على الحدود الشماليّة لإسرائيل هم درع إسرائيل البشريّ".
في المقابل، نقل متحدّث باسم الوزير زئيف إلكين، المكلّف بملفّ إعادة الإعمار في الشمال، اتهامًا للسلطات المحليّة في المطلة بعدم استخدام الأموال المخصّصة لإعادة البناء "لأسباب ضيّقة تتعلّق بالمعارضة والسياسة المحليّة".
يتوقّف التقرير عند تصاعد التوتّر مجدّدًا بين إسرائيل و"حزب الله". فالحزب يرفض نزع سلاحه بالكامل قبل انسحاب إسرائيل التامّ من الحدود، بينما تتّهم إسرائيل الحكومة اللبنانيّة بعدم بذل ما يكفي لـ "تحييد" الحزب. في المقابل، يقول الجيش اللبناني إنّه عزّز انتشاره في المنطقة الحدوديّة دعمًا لتثبيت وقف إطلاق النار. ومع ذلك، تواصل إسرائيل قصف أهداف تقول إنّها تابعة لـ"حزب الله" في الجنوب، ما أبقى مساحات واسعة من المنطقة في حال خراب.
وتنقل الوكالة عن تقرير أممي صدر في تشرين الثاني الماضي أنّ الضربات الإسرائيليّة على جنوب لبنان، منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، أدّت إلى مقتل ما لا يقلّ عن 127 مدنيًّا، بينهم أطفال. ووفقًا للمقرّر الخاص للأمم المتّحدة موريس تيدبال بينز، فإنّ هذه الضربات ترقى إلى "جرائم حرب"، في حين تؤكّد إسرائيل أنّ لها "حقّ الاستمرار في الضربات لحماية نفسها من إعادة تسلّح حزب الله"، وتتهم الحزب باستخدام المدنيّين "دروعًا بشريّة".
وفي المطلة، تقول "أسوشييتد برس" إنّ آثار التوتّر حاضرة في كلّ مكان، إذ وزّعت السلطات المحليّة لائحة بمراكز الإيواء تحت عنوان "المطلة جاهزة لحالة الطوارئ". وتدوّي بين الحين والآخر أصوات انفجارات وأعيرة ناريّة من تدريبات عسكريّة، بينما يحاول المزارع ليفاف فاينبرغ اللعب مع أطفاله الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و10 سنوات.
فاينبرغ، وهو جندي احتياط، يقول إنّ أطفاله باتوا يخافون من ركوب الدرّاجات في الشارع. وقد عاد مع عائلته إلى المطلة في تمّوز الماضي، رغم شكوكه في تأكيدات الحكومة بأنّ "الأمور عادت إلى طبيعتها"، وذلك لإنقاذ مشروعه الزراعي. ومع استمرار المخاطر، يعترف بأنّه وزوجته يفكّران في المغادرة مجدّدًا، قائلًا:
"الجيش لا يستطيع أن يحميني أنا وعائلتي، أنت تضحي بعائلتك لتعيش في المطلة هذه الأيّام، ليست حياة مثاليّة، ليست سهلة، وفي لحظة ما يدفع أولادك الثمن".
في الوقت نفسه، تستمرّ بلدية المطلة في تشجيع الناس على العودة، مؤكّدة أنّ "المنطقة آمنة" وأنّ الاقتصاد سينهض من جديد. ويقول آفي ناديف:
"اليوم نشعر برياح، لنقل، رياح حرب، لكنّ ذلك لا يردعنا، العودة إلى المطلة لا تدعو إلى الخوف، الجيش هنا، البيوت مُحصَّنة، المطلة مستعدّة لأيّ شيء".
