العالم من الانتظام إلى الفوضى: قواعد تتحطم بين غزة والكاريبي

خلدون الشريفالاثنين 2025/12/08
Image-1765136411
غياب ناظم دولي رادع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عاش العالم منذ عام 1945 أطول فترة سلام بين القوى الكبرى منذ الإمبراطورية الرومانية، كما ذكر الكاتبان غراهام إليسون وجايمس وينفلد في مقال طويل في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان نهاية السلام الطويل. فترة سمحت بزيادة سكان الأرض ثلاث مرات، وباتساع الاقتصاد العالمي ثلاثة أضعاف، وارتفاع متوسط العمر إلى الضعف، وتجنّب حرب عالمية ثالثة كانت ستتحول إلى حرب نووية مدمّرة لا محالة. هذا السلام الاستثنائي لم يكن نتيجة المصادفة وحدها، بل كان نتاج ردع نووي، وقانون دولي تم احترامه إلى حدّ مقبول، ومؤسسات متعددة الأطراف، أممية أو قطبية أو تجارية، ونتيجة معايشة أغلب الحكّام وقتها التجارب البشعة للحربين العالميتين، ما دفع القوى العظمى إلى ضبط نفسها. لكن هذه الهدنة الطويلة بدأت تتآكل خلال العقدين الأخيرين، قبل أن تنهار ركائزها واحدة تلو الأخرى مع حرب أوكرانيا، والحرب على غزة، وصعود النزعات الأحادية، وتفلّت استخدام القوة في البحار والممرات الاستراتيجية.

 

غزة… الحرب التي كسرت ما تبقّى من قواعد العالم

مثّلت حرب غزة اللحظة الفاصلة التي انهار فيها ما تبقّى من قواعد القانون الدولي الإنساني. فالقصف الشامل، واستهداف المستشفيات ومخيمات النزوح والمواقع الأممية، والحصار الكامل على الماء والغذاء والدواء، كشف أن إسرائيل تخوض حربًا خارج أي قيد أو ضابط، وأن العالم الغربي يمنحها غطاءً غير مشروط. الأخطر أن هذا النموذج سيصبح مرجعًا لدول أخرى، لأنّ حرب غزة كانت المرة الأولى التي تُرتكب فيها جرائم واسعة موثّقة بالصوت والصورة على الهواء مباشرة، من دون أن يترتب على الفاعل أي ثمن سياسي أو قانوني جدّي، ولو أن بعض المؤسسات العالمية الكبرى أدانت إسرائيل، ووضعت بعض حكّامها على قائمة المطلوبين، لكن من دون غطاء من الدول الكبرى كافة.

لقد تحوّلت غزة إلى سابقة: دولة حليفة للغرب قادرة على تدمير منطقة مأهولة بالكامل، مع سقوط عشرات آلاف الضحايا المدنيين، من دون تحقيق أو محاسبة أو وقف دعم. هذه السابقة أنتجت تغييرًا في طريقة تفكير الدول في إدارة الحروب، إذ رسّخت مفهومًا قوامه أن القانون الدولي لم يعد إلا وثيقة أدبية لا أثر لها في الميدان.

 

وهنا يبرز تشابه لافت، وإن كان معكوسًا، مع حرب فيتنام. ففي فيتنام، حين ارتكبت القوات الأميركية مجازر واسعة مثل ماي لاي، أو عند استخدام "قنابل السجاد" والنابالم والقصف العشوائي، كانت الصور تتسرّب لاحقًا فتهزّ الرأي العام الأميركي والعالمي، وتدفع إلى محاسبة سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها وإعادة صياغة قواعد الاشتباك. أمّا في غزة، فالعالم يشاهد الانتهاكات مباشرة في الزمن الحقيقي، بالصوت والصورة، من دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في سلوك الفاعل، ولا أي ثمن سياسي أو قانوني يُذكر. الفارق الجوهري أنّ فيتنام كشفت حدود القوة العظمى، بينما تكشف غزة انهيار النظام الدولي بأكمله، وانعدام القدرة أو الرغبة في فرض أي قيد على حرب تُبثّ يوميًا أمام العالم بلا رادع.

ويمكن أيضًا استحضار التجربة الروسية في الشيشان، حيث اعتمد الكرملين في التسعينيات وبداية الألفية سياسة "الأرض المحروقة" وتدمير غروزني بالكامل تقريبًا لإخضاع الإقليم. يومها دانت منظمات دولية كبرى حجم الانتهاكات، لكن موسكو لم تتعرّض لعقاب فعلي، ما رسّخ مبكرًا فكرة أن قوة عظمى تستطيع أن تخوض حربًا ضد منطقة مأهولة بلا محاسبة. ومع ذلك، كانت تلك الجرائم تُخفى أو تُنكر، خلافًا لغزة التي تُرتكب فصولها على الهواء مباشرة بلا خشية من أي مساءلة دولية.

 

المفارقة الأوكرانية… معاقبة روسيا وحماية إسرائيل

عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا، هبّ العالم الغربي إلى فرض عقوبات وأنواع مختلفة من الحصار، وملاحقة موسكو دبلوماسيًا وسياسيًا، ومصادرة أموالها في بنوك العالم. لكن حرب غزة كشفت تناقضًا صارخًا: حربان متوازيتان تدوران في موقعين مختلفين، لكن واحدة تُعاقَب عليها موسكو بشدة، والأخرى تُغطّى فيها تل أبيب بلا تردد رغم وحشيتها وارتكابها المجازر عن سابق إصرار. هذا الانفصام دمّر ما تبقّى من مصداقية القانون الدولي، وفتح الباب أمام دول كثيرة للتساؤل عن جدوى الالتزام بمعايير لا تُطبَّق إلا انتقائيًا.

هكذا أصبح المشهد مزدوجًا: أوروبا مثلًا، التي عاقبت روسيا على حرب توسّعية، منحت عبر أقوى دولها، أي ألمانيا وفرنسا، إسرائيل حصانة تامة على حرب إبادية. وهذه المفارقة تحديدًا هي التي جعلت عددًا من الباحثين يصف الحربين بأنهما نقطة التحوّل التي دخل العالم بعدها رسميًا مرحلة ما بعد القانون.

 

واشنطن في البحار… نموذج جديد للقوة خارج القانون

في الوقت الذي كانت فيه غزة تتعرّض للإبادة، كانت الولايات المتحدة تفتح مسرحًا آخر لاستخدام القوة خارج القانون. فمنذ أيلولسبتمبر 2025، شنّت الإدارة الأميركية أكثر من عشرين ضربة على قوارب في البحر الكاريبي وشرقي المحيط الهادئ، بزعم أنها تحمل مخدرات. غير أن الضربات لم تستند إلى تفويض من الكونغرس، ولا إلى تعريف دقيق للتهديد الذي تشكّله تلك القوارب، ولا إلى معيار قانوني واضح يبرّر استخدام القوة القاتلة في ظروف كتلك.

بعض القوارب التي ضُربت لم تكن تحمل مخدرات ربما، وبعضها كان خاليًا من البحّارة، وبعض الضربات أسفرت عن قتل أشخاص لا يُعرف ما إذا كانوا ضالعين في أي نشاط غير قانوني. ومع ذلك، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو صراحة إن الرئيس اختار "تفجير القوارب" بدل اعتراضها، لأنه يريد "إرسال رسالة". وهكذا قفزت واشنطن خطوة إضافية نحو مفهوم "القتل المشروع" خارج إطار الحرب، وهو سلوك لم يجرؤ أحد على اعتماده منذ نهاية السبعينيات.

إنها المرة الأولى التي تتحوّل فيها مكافحة المخدرات إلى عذر لاستخدام القوة العسكرية المباشرة بلا مساءلة ولا رادع، وبطريقة تُذكّر بالعقود الأولى من "عقيدة مونرو"، حين كانت واشنطن تُسقط الحكومات في نصف الكرة الغربي بذريعة حماية أمنها القومي.

 

عودة عقيدة مونرو… بنسختها الأكثر شراسة

من هنا تتضح الصورة الأكبر: الولايات المتحدة تعود بقوة إلى منطق السيطرة الكاملة على أميركا اللاتينية باعتبارها "الفناء الخلفي" الذي لا يُسمح لأي قوة بالدخول إليه. لا الصين، التي توسّع حضورها في البنى التحتية في بنما وهندوراس وبوليفيا. ولا روسيا، التي تملك علاقات أمنية وثيقة مع فنزويلا وكوبا. ولا حتى إيران، التي تسعى إلى موطئ قدم في المنطقة.

تتعامل واشنطن اليوم مع المكسيك، وفنزويلا، وكوبا، ونيكاراغوا، وهندوراس، باعتبارها ساحات اختبار لهيبتها العالمية. وتخشى أن يؤدي السماح لأي قوة بأن تُقيم منشآت بحرية أو لوجستية أو استخباراتية في تلك الدول إلى تهديد مباشر لأمنها. لذلك، تظهر شراسة غير مسبوقة في الخطاب الأميركي، تتجاوز منطق العقوبات إلى فكرة الأعمال الوقائية والضربات المسبقة. وهذا ما يجعل البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي ساحة مفتوحة لرسائل عسكرية أميركية، تُنفّذ بلا إعلان، وبلا إطار قانوني، وبلا رقابة.

هذه النسخة الترامبية من عقيدة مونرو ليست مجرد عودة إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، حين أرادت أميركا قطع رجل أوروبا عن أميركا اللاتينية، بل هي صيغة أكثر حدّة تقوم على ثلاثة مبادئ: احتكار النفوذ، منع أي موطئ قدم خارجي، واستخدام القوة العسكرية خارج القانون لردع الخصوم.

 

نهاية "السلام الطويل"… وبداية عصر الفوضى

على مدى ثمانية عقود، ساهم الردع النووي، والتحالفات الدولية، ومجلس الأمن، ومعاهدات الحد من التسلّح، في منع حرب كبرى. لكن هذه الأعمدة تنهار اليوم. روسيا لوّحت مرارًا باستخدام النووي في أوكرانيا. كوريا الشمالية تزيد تجاربها. إيران تقترب من عتبة نووية. وكوريا الجنوبية تبحث علنًا في إمكانية تطوير قنبلة خاصة بها. إنها عودة تاريخية إلى منطق القوة الخام، حيث السلاح يسبق السياسة، والضربة تسبق الدبلوماسية.

ومع انقسام داخلي حاد في الولايات المتحدة نفسها، وتصاعد الاستثمار العسكري الصيني، وإصرار روسيا على تعديل ميزان القوى الأوروبي بالقوة، يصبح من الواضح أن النظام الدولي الذي صمد منذ 1945 شارف على الانتهاء. أهم ما يميّز اللحظة الراهنة أن الانتقال لا يجري بطريقة منظّمة كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، إذ حصل بعد تلك الحرب مؤتمر يالطا ومؤتمر بوتسدام واتفاقية بريتون وودز، حيث تقرر إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد، ولعل أهم الاتفاقات كان إنشاء الأمم المتحدة وبعدها إطلاق خطة مارشال. أمّا اليوم، فكل شيء يأتي بطريقة فوضوية، متقطّعة، تتداخل فيها الحروب الساخنة بالاغتيالات، وتتداخل الحملات البحرية بالتلويح بالردع النووي.

 

هل يقترب العالم من لحظة الانفجار؟

تشبه اللحظة الراهنة تلك الفترات الرمادية التي سبقت التحوّلات الكبرى في التاريخ، حين تتآكل القواعد من الأطراف قبل أن تسقط في المركز. فإسرائيل تمارس في غزة ولبنان وسوريا وفي أي مكان تريده حربًا بلا قانون، وروسيا تحاول إعادة رسم حدودها داخل أوروبا بالقوة، والولايات المتحدة تختبر شرعية القوة خارج الحرب في البحار والعقوبات وسواها. ولا شيء يستطيع منع الصين من فعل الشيء نفسه مع تايوان، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسواها.

وفي ظل غياب ناظم دولي رادع، وضمور المؤسسات التي صانت النظام العالمي لعقود، تتقدّم القوى الكبرى إلى خطوط تماس جديدة لا أحد يعرف كيف يمكن التراجع عنها.

إن العالم لا يدخل "عصر ما قبل الحرب" فحسب؛ بل يقترب من عتبة نظام دولي بلا سقف، حيث تختفي الفوارق بين الردع والعدوان، وبين الأمن والفوضى، وحيث تُدار السياسة بمنطق الصدمة لا بمنطق القواعد. السؤال لم يعد ما إذا كان هذا النظام سينهار، بل أيّ حادث أو مغامرة أو خطأ في الحساب سيكون الشرارة التي تطلق المرحلة التالية من التاريخ. وفي غياب إرادة دولية تعيد بناء حدود السلوك بين الدول، يبدو أن العالم يتقدّم بثبات نحو زمن تتلاشى فيه خطوط الأمان، ويتحوّل فيه الاستثناء إلى قاعدة، والفوضى إلى شكلٍ جديد من أشكال النظام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث