في تلكَ اللحظاتِ التي صافحَ فيها البابا لاوُنُ الرَّابعُ عَشَرُ ترابَ لُبنانَ، بدا المشهدُ كأنّهُ عودةٌ نَبويّةٌ إلى حنايا التاريخِ، تُفتِّشُ عن معنى السَّلام وسطَ الركامِ، وعن قَدَرِ هذا الوطنِ الذي أُريدَ له أن يتشظّى بينَ صراعاتِ البشرِ، بينما هويّتُهُ العميقةُ محفورةٌ بالكلمةِ الإلهيّة. أن يكونَ وطنًا لكرامةِ الإنسانِ، ومنارةً للحريّةِ، ومأوى للتَّفاعُل الدّينيّ والثّقافي التسالُميّ في العالمِ. في وقوفِه على أرضِ الأرزِ، بدا البابا لاوُن وكأنّه يَنفُضُ الغبارَ عن نبوءةٍ قديمةٍ، إذ إنّ لبنانَ، مهما سقطَ أو انكسرَ، ينهضُ من رحمِ الألمِ كي يشهدَ لرسالةٍ أكبرَ من جغرافيّته، وأعرقَ من أزماته، وأسمى من حروبِه. لم تكن زيارة البابا طقسًا روحيًّا أو محطَّة بروتوكوليَّة، بل مسارًا يهزُّ الوجدانَ الوطنيَّ، ويستنهِضُ ما تبقّى من الوعيِ الجماعيِّ كي لا يسقطَ الوطنُ الأخيرُ في عمقِ الهاويةِ الأخلاقيّةِ والسياسيّةِ.
في السِّياق عينه لم تكُن زيارةُ البابا لاوُنَ الرَّابعِ عَشَرَ إلى لُبنانَ حدثًا عاديًّا في روزنامةِ الكُرسيِّ الرَّسوليِّ، بل لحظةً كاشفةً تُعيدُ تكوينَ البوصلةِ الروحيّةِ والكنسيّةِ والوطنيّةِ والجيو–سياسيّةِ معًا. ففي كلِّ كلمةٍ نطقَ بها، وفي كلِّ إشارةٍ من إيماءاتِه، كانت تظهرُ صرامةُ الحقيقةِ من دونِ تجميل، وحدّةُ الدعوةِ من دونِ التفافٍ، ووضوحُ التشخيصِ من دونِ مجاملاتٍ أو موارباتٍ. لقد حملَ إلى اللبنانيّينَ/ات مرآةً كبيرةً، لِينظُروا فيها إلى جراحِهم، إلى صمتِهم، إلى تواطؤ بعضِهم، وإلى المُتاحِ من خلاصِهم إن هم عادوا إلى أصلِ رسالتِهم.
في البُعدِ الرُّوحيِّ، أعادَ البابا الاعتبارَ إلى معنى الإيمانِ كمسارٍ يُنقِذُ الإنسانَ من الانحدارِ إلى الكراهيَّة. وحين تحدّثَ عن ضرورةِ "نزعِ الأسلِحةِ من القلوبِ قبلَ الأيدي"، بدا وكأنّه يَفتحُ جرحًا مُغطًّى منذُ سنواتٍ طويلةٍ، مُذكِّرًا بأنّ لبنانَ لا يُشفى إلّا إذا شُفيَ أبناؤه من الحقدِ، ومن ثقافةِ الانتقامِ، ومن تحويلِ الدينِ إلى متراسٍ مُعَسكَر، أو أداةِ تعبئةٍ أيديولوجيَّة، أو انتِماءَات ضيّقة من ناحية، وعابرة للحدود من ناحِية أخرى. ثم أكّدَ أنّ الإيمانَ الحقيقيَّ هو الذي يحمي الإنسانَ في هذا الشّرقِ، ويُعيدُ إليه كرامتَه، ويجعلُ المحبّةَ قاعدةً لا تفصيلًا. الأمرُ بدا كأنّه دعوةٌ قاسيةٌ إلى التوبةِ الجماعيّةِ، ليست توبةً طقسيّةً بل توبةٌ سياسيّةٌ وأخلاقيّةٌ في آنٍ واحدٍ.
في البُعدِ الكنسيِّ، كان خطابُه واضحًا وحاسِمًا. دعا الكنيسةَ في لبنانَ إلى أن تُنقّي ذاتَها قبلَ أن تَرفعَ الصوتَ في وجهِ الآخرين، وإلى أن تعودَ إلى جوهرِ رسالتِها، فلا تنزلقَ إلى استقطابٍ ضيّق متماهية مع السُّلطة السياسيَّة، ولا تتحوَّلَ إلى طرفٍ منحازٍ في معركةٍ، ولا تُستَخدَمَ كستارٍ أو منبرٍ لصراعاتِ القوى. تحدّثَ بلهجةٍ إصلاحيّةٍ دقيقةٍ، تُريدُ للكنيسةِ أن تكونَ خادمةً للإنسانِ، مدافعةً عن الحقيقةِ كُلُّ الحقيقَة، حاضنةً للضّعفاءِ والمهمَّشينَ/ات، لا شاهدةً زورًا على التحالفاتِ والخصوماتِ من حلف الأقلّيات، إلى مُخاصَمة الأحرار. كانت الرسالةُ قاسيةً لأنّها صادقةٌ، ولأنّها تضعُ الكنيسةَ أمامَ دورِها التاريخيِّ الذي انحرفَ عنه البعضُ في لحظاتِ ضعفٍ واستثمارٍ سياسيٍّ.
أمّا في البُعدِ الوطنيّ، فقد بدا البابا وكأنّه يكتبُ وثيقةً تأسيسيّةً جديدةً للدولةِ التي يتطلّعُ إليها اللبنانيّونَ/ات منذُ عقودٍ. تحدّثَ بصراحةٍ عن انهيارِ الدولةِ، وعن الانتحارِ الذّاتيِّ، وعن غيابِ المسؤوليّةِ، مؤكّدًا أنّ لبنانَ لا يقومُ إلّا على دولةٍ واحدةٍ، وسلطةٍ واحدةٍ، وجيشٍ واحدٍ، ودستورٍ محترَمٍ. كان كلامُه بمثابةِ صفعةٍ أخلاقيّةٍ للمنظومةِ السياسيّةِ التي حوّلتِ الميثاقيّةَ إلى ذريعةٍ للتعطيلِ والفراغِ، وللقوى التي اعتاشت على الخوفِ والتخويفِ، بدلَ الاعتناءِ بالمواطنِ/ة وحقوقِه/ها. عبّرَ البابا لاوُن عن جوهرِ الرِّسالةِ الوطنيّةِ. لا وطنَ من دونِ عدالةٍ، ولا دولةَ من دونِ مؤسّساتٍ، ولا سيادةَ من دونِ قرارٍ حرٍّ.
في البُعدِ الجيو–سياسيّ، وَضَعَ البابا لاوُن الرَّابع عشر لبنانَ في موقعِه الطبيعيِّ. ليس ساحةً ولا ممرًّا ولا صندوقَ بريدٍ لمشاريعِ الآخرين، بل هو قيمةٌ مضافةٌ في ميزانِ الشرقِ والعالمِ. دعا بشكلٍ غَير مُباشر، إلى حمايةِ حيادِه الإيجابيِّ، وإلى وقفِ تحويلِه إلى قاعدةٍ للصراعاتِ المتنقّلةِ، مؤكّدًا أنّ سقوطَه ليس شأنًا محلّيًّا بل هو خطرٌ على التعدّديّةِ في الشرقِ، وعلى الأمنِ الروحيِّ والسياسيِّ في المنطقةِ بأسرِها. كانت رسالتُه القاسيةُ هنا أنّ المجتمعين العربي والدوليَّ مُطالَبين بدعمِ قيامِ الدولةِ في لبنانَ، لا دعمِ الصَّفقاتِ التي تُباعُ وتُشترى على حسابِ شعبِه.
في الخلاصةِ، تُعيدُ زيارةُ البابا لاوُنِ الرَّابعِ عَشَرَ لبنانَ إلى نقطةِ الصِّفرِ. الحقيقةُ أولًا، ثمّ الأخلاقُ، ثمّ الدولةُ. إنّها دعوةٌ إلى انتفاضةٍ أخلاقيّةٍ تُحرِّرُ السياسةَ من عوراتِها، وتُعيدُ للكنيسةِ صوتَها المتجرّدَ، وتُثبِّتُ الحيادَ الإيجابيَّ خيارًا استراتيجيًّا باتّجاه ساتمٍ عادِل، وتُطلقُ مسارًا سياديًّا لا عودةَ عنه. قالَ البابا لاوُنِ الرَّابعِ عَشَرَ الحقيقةَ من دونِ تردّدٍ، وفي الحقيقةِ القاسيةِ لأهل الحكم والدّين يكمنُ الرجاءُ الكبيرُ بأن ينهضَ اللبنانيّونَ/ات من تحتِ الرمادِ، ويَبْنوا وطنًا يُشبِهُ رسالتَهم، لا خرابَ الآخرين. حمى الله لبنان.
