إقدام لبنان على اختيار السفير سيمون كرم للتفاوض مع إسرائيل في شأن ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي ووقف الأعمال العدائية، خطوة تهدف في المقام الأول لاحتواء التهديدات بحرب شاملة. وهذا فعل حميد وضروري تشاركت فيه السلطة السياسية، بما فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سماه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بـ"الأخ الأكبر". ذلك أن أي حرب على لبنان ستكون مكلفة، ناهيك عن كوننا بغنى عنها تماماً، ومن ثم تفاديها من خلال تعزيز قنوات الحوار والتفاوض، فعل ضروري بل إنقاذي كذلك.
لكن علينا التدقيق أكثر بمضمون هذه العملية وشكلها، بما أننا نخوض مفاوضات للمرة الأولى منذ عقود مع دولة تملك تاريخاً غير مُشرّف في احترام الاتفاقات، أكان مع الفلسطينيين أو حتى مع دول حليفة للولايات المتحدة مثل الأردن (عمّان تشكو انتهاكات تشمل بنوداً مختلفة في اتفاق وادي عربة، من حصتها المفترضة بالمياه إلى ترتيبات الأماكن المقدسة وإجراءات الحدود) وهذا التدقيق يجب أن يكون على مستويين، المضمون والشكل، وكلاهما مهمّان.
على مستوى المضمون، علينا أن نسأل ماذا تريد إسرائيل؟
المطلوب اسرائيلياً في لبنان وسوريا وقطاع غزة بات واضح المعالم، وأشبه بعقيدة أمنية ووطنية، وهو منطقة عازلة خالية من البشر، وليس فقط من السلاح. هذا كان واضحاً في اتفاق قطاع غزة، وينسحب على لبنان وسوريا ببعض التفاوت. في الداخل اللبناني (كما في السوري)، تُصمم إسرائيل هذه المنطقة العازلة من خلال خطوات عدة، تشمل تدمير المنازل والمدارس والعيادات والبنى التحتية وقتل بعض العائدين (لتشجيع الآخرين على النزوح وعدم العودة). كما تتواتر المعلومات أن قوات اليونيفيل والجيش اللبناني باتت تواجه عراقيل بالاقتراب من بعض هذه المناطق في المنطقة العازلة غير المُعلنة بعد، وعليها تحصيل إذن للدخول إليها عبر قنوات القوة الدولية. باختصار، هذه الخطة تهدف لتحويل نزوح عشرات آلاف الجنوبيين لواقع دائم، وهي تسير مع مفاوضات أو من دونها.
في المفاوضات، تُريد إسرائيل قوننة هذا الواقع الأمني وتحويله لاتفاق بالتراضي. وما يترشح من جولات المفاوضات السورية يدل على أن الهامش الإسرائيلي ليس ضيّقاً فحسب، بل لا قدرة لديه على تغيير قواعد المنطقة العازلة المرتجاة. لن يختلف الوضع لدينا كثيراً، سوى في المفردات، إذ يُنمّق الجانبان الأميركي والإسرائيلي وصف تهجير السكان، ويجعلانه فرصة اقتصادية. المعلومات المتقاطعة حول هذه الرؤية الإسرائيلية، تُسمي المنطقة العازلة مشروعاً اقتصادياً يُدار بشكل مشترك بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وآخرين، وتُصنّف باسم "ب". هذا التصنيف يُحاكي تقسيمات الضفة الغربية في الشق الثاني من اتفاقات أوسلو إلى "أ" وفيها المدن والقرى الفلسطينية (تحت الإدارة والسيطرة الفلسطينية، 18 بالمئة) و"ب" (تحت السيطرة المشتركة، 22 بالمئة) و"ج" (تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة، 60 بالمئة). طبعاً تُسيطر إسرائيل اليوم على كامل المنطقة "ب" وتتوسع فيها استيطانياً، في حين تدخل وتخرج متى تريد من المنطقة "أ". أي تصنيف لمنطقة لبنانية بموافقة من بيروت، يجعلها عُرضة لمراجعة وضعها.
لهذا، من المطلوب لبنانياً الاتفاق مسبقاً على الخطوط الحمراء، أو الهامش اللبناني المتاح في التفاوض، ومنها تأكيد السيادة اللبنانية الكاملة وحق الناس بالعودة لقراهم وأراضيهم في الجنوب. هذا ضروري ليكون هناك وضوح بأن مسار المفاوضات سيحترم دستور البلاد ولن يمس بحقوق الناس. ذلك أن الترتيبات الأمنية ومن ضمنها تحديد مستوى تواجد القوات، أو حتى التنسيق عبر طرف ثالث، والدوريات والتأكد من حصر السلاح والبدء بعملية جمعه شمال الليطاني، نتائج عملية متوقعة، وهي استمرار لاتفاق العام الماضي والقرارات الدولية ذات الصلة. أما التلطي وراء عنوان "الاقتصاد" المزيّف لقوننة تهجير الناس، فهو عدوان جديد بلباس مختلف.
وهذا يقودنا إلى شكل المفاوضات. بيد أن ما ترشّح من هذه الجولة الأولى، حصر إحدى الجلسات بالممثلين المدنيين بحضور الوسيط الأميركي. وهنا من الضروري التفكير بمحاذير أخرى بالتفاوض. أولاً، لا تنفصل العملية التفاوضية عن السياسات الإسرائيلية على الأرض، ليس فقط عسكرياً. تبث إسرائيل دورياً رسائل دعائية هدفها المعلن انتفاض اللبنانيين (وليس سلطتهم أو حكومتهم أو جيشهم) على "حزب الله" وبيئته. هذا كان الحال خلال الحرب، وبعدها كذلك (آخرها كان قائمة لضحايا وحدة اغتيالات في حزب الله). هذه الدعاية لم تُؤد غرضها، بدليل عدم وقوع أعمال عنف داخلية رغم حال الاحتقان والخطاب التحريضي لـ"حزب الله".
هذه المحاولات الدؤوبة لإثارة اقتتال داخلي، تفرض علينا كذلك تحصين شكل المفاوضات من أي تسريبات أو إعلانات أحادية إسرائيلية. إذ أن حضور دائم لليونيفيل أو الجيش او الاثنين معاً في كل المحادثات، يضمن وجود شاهد يحول دون أي استغلال لهذه الجلسات.
ما سبق ليس رفضاً للمفاوضات، بل ضرورة على التنبّه في كيفية خوضها، وكذلك رسم معالم العملية وسقوفها. يبقى أن توسيع المشاركة اللبنانية بمدني خطوة تُظهر مدى الجدية اللبنانية، وتُضعف الحجة الإسرائيلية باستمرار عمليات القتل والتدمير. لكن علينا أن نخوضها بعيون مفتوحة، لا أن نُساق إلى أهداف أخرى بعصا التهديدات بالحرب الشاملة، وبجزرة "المنطقة الاقتصادية" التي باتت مرادفاً للتهجير القسري.
