مفاوضات تحديد الخسائر

أحمد جابرالسبت 2025/12/06
GJ0B2060.jpg
حسابات "الدواخل" الأهلية تتقدم في أي حدث (الأرشيف، علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

وفَّرت المفاوضات ما بين لبنان وإسرائيل موضوعاً خلافياً إضافياً للبنانيين المقيمين على اختلاف حول كل شيء، من جنس الملائكة إلى مغزى ومعنى الكلمات.

قياس اللبنانيين لكل حدث، تتقدمه حسابات "الدواخل" الأهلية، قبل أن يتقدمه حساب الوطنية العمومية. أمّا مواضيع الحسابات فكثيرة ومتشعبة، ولواء التقدم على المواضيع هذه، معقود بحماسة اليوم لـِ "الانتصارية" التي صارت مفردة رائجة بين المتنافسين، لما تضمر من طلب غلبة مقنّعة، تنتظر اللحظة المناسبة لإشهار سفورها.

 

ما إن أعلن قرار إضافة "مدني" إلى الفريق اللبناني المفاوض في مباحثات "وقف الأعمال العدائية" في الناقورة، حتى اندلع اشتباك المواصفات، وعَلَت أصوات إطلاق التهديدات والتصنيفات. الأمر ليس شكليّاً؛ بل إنه يحمل دلالات خلفية كثيرة، ودائماً على الطريقة اللبنانية. من الدلالات هذه، من انتصر في تغليب وجهة على وجهة؟ ومن حمل خسارة اقتراحه ليضيفها على جملة خسائره؟

مقاييس النصر اللبنانية هلامية ومتناقضة في آن، ذلك أن الكلّ منتصر، عندما يكون القياس الربح المتحقق في التشكيلة الداخلية، والكل مهزوم عندما يخفق في تعظيم أرباحه في التشكيلة، وعلى التشكيلة في آن واحد.

يدرك فريقا معادلة المنتصر- المهزوم، أنهما يشكلان معاً لوحة "سوريالية" تجمع بين جمعيتها وفرديتها، وبين انسجامها ونشازها. ويدرك كل مشارك إضافي في المعادلة، أن جميع صانعي اللوحة يصنعون أوهاماً مشتركة، عندما يخيل إليهم أنهم ينسجون واقعاً جديداً من خليط الألوان.

عودة إلى مسألة المفاوضات للقول، إن رفضها من قبل فريق داخلي، هو تعبير عن رفض خسارة سياسية قد تلحق به، وإن قبولها والتشجيع على الإقدام في سبيلها هو تعبير عن رغبة فريق داخلي آخر، بفوزٍ ممكنٍ يلوح له. على هذه الجادّة، تفتح المفاوضات سجالاً مع المنتصر دائماً، أو مع الخاسر حتماً، أو مع الرابح- الخاسر في كل الظروف... هذا التناقض- الانسجامي، هو واحد من أطياف الفرادة الأهلية اللبنانية.

 

في متن الموضوع: لماذا الاعتراض على التفاوض المختلط، المدني- العسكري؟ الجواب المعلن من قبل الرافضين يؤكد على هواجس هؤلاء من الوقوع في فخ الانزلاق صوب نقاش التطبيع مع الإسرائيلي، وصوب التمهيد لعلاقة سلامٍ معه. لنأخذ الهواجس إلى نهايتها المفترضة لدى رافضيها، ولنقرأ فيها أن في عباءة المصلحة الوطنية العامة، تحتجب المصالح الأهلية الآنية، التي يرى أصحابها في كل حديث تهدئةٍ، أو هدوء، تصويباً على قراءاتهم الكفاحية الأحادية الجانب. باختصار، سلوك طريق التهدئة أو الهدنة أو وقف الأعمال الحربية، تلغي مبرر امتلاك الآلة القتالية التي تشكّل مبرّر وجود "نظام" أفكارها، وتنفي الحاجة إلى استمرار "أنظمة" برامجها... وهذا في حدّ ذاته، يحمل، في نظر أصحابه، خسارة أهلية داخلية، يخشى من ارتدادها على صعيد الانتظام الأهلي العام.

إذن، تحت مظلّة العباءة الوطنية العامة، بما هي السيادة، والدفاع عن الأرض، والانتساب إلى الصراع العام، من بوابة فلسطين.. تحت هذه المظلّة، يحتمي فريق الرفض من لسع هاجرة الانتقاد والتشكيك والمطالبة بالانضمام إلى مسار الانتظام الوطني العام، على الصعيدين الشعبي والرسمي، وضمن الزمنين، الزمن الحاضر والزمن المستقبلي.

 

في متن الموضوع، أو على طرفه الآخر، سؤال ثانٍ: لماذا الترحيب بالتفاوض برئاسة مسؤول مدني؟ الجواب من قبل المرحّبين ينبئ بما يضمرون من هواجس أيضاً. وهذه تبدأ من سؤال "الهوية" الخاصة، ومن سؤال الهويّة العامة، ومن سؤال الكيانية الأصلية في تعثّرها المستدام، وفي طلب استقرارها الذي ما زال عزيز المنال.

فريق الترحيب، الذي يحمّل مطلبه التفاوضي ما هو مضمرّ وما هو معلن، يصبو إلى هدوء يلغي عناصر تفوّق "غريمه" السياسي، ويؤسس لحالة جديدة تسمح باستعادة ما خسره الفريق الكياني بعد رحلة منازعات وحروب طويلة، وتسمح أيضاً بترسيخ ما قد يجنيه من حالة الهدوء، إذا سارت هذه الحالة، ولم تنزلق نحو سلام شامل ودائم. بقول واضح، ومن دون مواربة، يطمح فريق الترحيب بالتفاوض، إلى اقتناص فرصة يراها مؤاتية، لجهة اجتماع خسارة منافسه ميدانياً، ولجهة اجتماع الوضع الدولي حول تأكيد هذه الخسارة، والضغط في إنفاذ عوامل هذا التأكيد.

 

نضع جانباً مرافعات فريقي الرفض والترحيب، ما الممكن الداخلي في ظلّ الواقع المادي الذي انتهت إليه "حرب الإسناد" اللبنانية؟

سيكون من قبيل الإنكار المقيت كل حديث عن النصر والتفوق، ومثل ذاك، سيكون الحديث عن التضحية والفداء والصبر، استراتيجيّاً كان أم ظرفيّاً.

في امتداد رفض إنكار المنكرين، نسأل: هل لدى الرافضين خطة سياسية- قتالية، تعيد تصحيح ميزان القوى المختل في صالح العدو، كخطوة على طريق تعديل ميلانه في صالح "معركتنا الوطنية"؟ الجواب السلبي معلوم لدى القاصي والداني. وهذا ما يجب أن يكون معلوماً جدّاً من قبل من هم معنيون بالجواب.

في السياق نفسه، سيكون من السطحية السقيمة الاعتقاد بأن إعلان الخسارة أمام العدو، يعادل إعلان الخسارة أمام الداخل. وعليه، من الرعونة بمكان تحيّن فرصة تثمير الخسارة أمام الخارج، وتسييلها في أواني الداخل، ومن الفطنة الانتباه إلى أن حسابات حقل الداخل الترحيبي، لا تتوافق مع حسابات بيادر الداخل الذي لا يرحّب بكل ترحيب.

 

وفي المناسبة، نقف لحظة أمام معادلة الداخل والخارج للقول: إن الخارج الذي يبدو ثقيل الوطأة اليوم، على العمومية اللبنانية، لن يصير حاسماً داخليّاً إلا إذا توفّرت له أسانيده الداخلية.

ماذا يعني ذلك في الحالة اللبنانية؟ يعني انشطاراً أهليّاً إضافيّاً، ويعني نقل مسرح "العمليات" من الحدود مع عدو الخارج، إلى الحدود المستحدثة بين أفرقاء "الدواخل"... ولا يقع في الظنّ، أن أحداً من "المرحبين" لا يدرك أخطار إعادة رسم الحدود البينية على عموم مساحة الفسيفساء اللبنانية.

وفي المواكبة: ما الذي يملكه المفاوض اللبناني "ليقاتل" به؟ هل لدى هذا المفاوض ما يعمل من أجله أكثر من مطلب تحديد الخسائر؟ وهل لديه من عناصر القوة التي تمكنه من تخفيف وطأة الخسائر؟ أو هل لديه ما يدفعه إلى طلب أكثر ما تسمح به صلابته الوطنية، وبراعته السياسية؟ الجواب ليس سهلاً، على رغم وضوح فحواه، ولعل المجدي تحسين شروط حوار الداخل مع الداخل، فقد يؤدي ذلك إلى توحيد خطوط جبهة إسناد المفاوض اللبناني، في مقابل تماسك جبهة العدو الموحدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث