لا بدّ من قراءة هادئة لزيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، ولا شكّ في أنّ الأحزاب المسيحيّة الأكثر فعاليّة في المشهد السياسي اللبناني تبدو معنيّة بالدرجة الأولى بنتائج هذه الزيارة، وخصوصاً لجهة الإرشادات الفاتيكانية المستجدة للمسيحيين في لبنان وترجمتها على الأرض.
ولا شكّ أيضاً في أنّ لكلّ حزب مسيحي قراءته الخاصة لكلام البابا وعظاته خلال الأيام الثلاثة التاريخيّة التي أمضاها في لبنان، ولا يمكن إلا إسقاط هذه المواقف على الواقع الحالي والرؤية المستقبليّة للبنان. علمًا أنّ جميع هذه الأحزاب مقتنعة بأنّ ما بعد زيارة البابا إلى "وطن الأرز" لن يكون كما قبلها.
القوات: ارتياح لمواقف البابا
بالنسبة إلى أوساط "القوات اللبنانية"، فهي تؤكّد ارتياحها لكلّ ما قاله البابا لاوون، معتبرةً أنّه أعطى لبنان أولوية واهتماماً خاصّاً انطلاقاً من أنّ الوجود المسيحي فيه هو الوجود الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتمتع بدور سياسي فعّال ووطني، وهو أوضح رؤيته للبنان بوصفه مختبراً حقيقيّاً للتعايش المسيحي–الإسلامي، غير موجود في أي دولة أخرى في العالم. وتلفت الأوساط إلى أنّها تفهم رؤية البابا على مستوى تشاركي في السلطة والتعايش على أساس المساواة بين المسلمين والمسيحيين.
وتعدّد هذه الأوساط ما يحرص عليه البابا:
أولاً: تجذّر المسيحيين في أرضهم.
ثانياً: تمسّكهم بهذه التجربة الفريدة من التعايش والشراكة.
ثالثاً: أنّ الحفاظ على التجربة التشاركيّة لا يكون إلا من خلال الدولة وتعزيز دورها من دون وجود شريك مضارب لها.
رابعاً: الانخراط في عملية السلام، سواء بين اللبنانيين أو على مستوى المنطقة، من أجل ترسيخ الوجود المسيحي وتثبيته.
وتشير الأوساط إلى أنّ توقيت الزيارة مهم جداً ويحمل دلالات كبيرة، ولا بدّ أن تكون له ترجمة عمليّة. إلا أنّها تؤكّد أنّ البابا لا يتدخّل في التفاصيل، بل يكتفي بالعناوين العريضة. أما "القوات" فترى أنّ الفيدرالية أو اللامركزية الموسّعة تطوّر هذه التجربة التشاركيّة وتفكّ الاشتباك بين المكونات اللبنانية.
وبالنسبة إلى رسالة "حزب الله" إلى البابا، فكان موقف "القوات" واضحاً في الردّ عليها لأنها تضمّنت الكثير من التضليل. وتؤكّد الأوساط أنّ جواب البابا اللاحق كان مقتضباً ومعبّراً.
وتسأل: عن أيّ عيش مشترك يتحدّث "الحزب" وهو يسعى إلى إلحاق الطوائف الأخرى بمشروعه السياسي؟ وعن أي سيادة يتحدّث وهو متمسّك بسلاحه؟ وعن أي رفض للتدخل الخارجي يتكلّم في ظلّ تدخّل إيران؟ وعن أي ديموقراطية توافقية يحكي وهو يعطّل العمل الديموقراطي للدولة؟ وعن أي دعم للجيش يتكلّم وهو يصادر دوره؟ إنّها مجموعة مغالطات لا يمكن أن تقنع أحداً، فكيف بالبابا؟
الكتائب: زيارة "مافوق السياسة"
من جهتها، تعتبر مصادر "الكتائب" أنّ زيارة البابا إلى لبنان "ما فوق السياسة"، بل هي زيارة تاريخيّة كجميع زيارات البابوات السابقين. وتركّز المصادر على مفصلين أساسيين:
أولاً: التأكيد على الوجود المسيحي في لبنان.
ثانياً: التأكيد على ضرورة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.
وتشير مصادر "الكتائب" إلى أنّ الزيارة تخطّت الكباش السياسي الآني لما لها من أبعاد مهمة، إذ أتت في وقت يمرّ فيه لبنان بحالة حرب مع إسرائيل، في ظلّ مطالبات دولية ومحلية بإحلال السلام مرّة واحدة ونهائيّة على الحدود الجنوبية. وهذا ما أكّدته عظات البابا وكلماته، وقد جاء ردّه المقتضب على رسالة "الحزب" بالدعوة إلى إلقاء السلاح والبدء بالحوار ليضع الأمور في نصابها.
وتأمل المصادر أن تستثمر الزيارة ببعدَيها الروحي والوطني، وأن يُدرِك "حزب الله" معنى لبنان ورسالته. وترى أنّ أولى ثمار المناخ الجديد تتمثل في تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في اجتماعات "الميكانيزم". كما تتطلع إلى التقرير الشهري للجيش لتسريع وتيرة حصر السلاح وإبعاد شبح الحرب عن لبنان.
التيار الوطني: جرعة دعم وأمل للبنان
أما "التيار الوطني الحر" فيقرأ مفاعيل الزيارة من منظاره الخاص، وتؤكّد مصادره أنّ الزيارة بحدّ ذاتها تحمل قيمة معنويّة كبيرة، وقد قدّمت جرعة دعم وأمل للبنان وللمسيحيين.
وترى المصادر أنّ أهميتها الأساسية تكمن في تأكيد الفاتيكان على التجربة اللبنانية المميّزة في المشرق والعالم العربي، وهي تجربة التنوع والحريات والاعتراف بالآخر وترسيخ العيش المشترك في النظام السياسي.
وعلى صعيد المسيحيين، تشير المصادر إلى أنّ البابا أكّد دورهم في الشأن العام وبناء الدولة، وأن يكون لهم دور طليعي في مجتمعهم، بما يشكّل استمرارية للإرشادات الرسولية الصادرة سابقاً.
وتلاحظ مصادر "التيار" أنّ البابا ملمّ جداً بالوضع اللبناني، وقد مرّر إشارات إلى ضرورة وقف العنف في الجنوب وإحلال السلام، وتحدث عن هشاشة الوضع اللبناني والأزمة الاقتصادية الحادة.
وتشدّد على أنّ البابا لا يتدخل في الشؤون الداخلية ولا يعطي توجيهات سياسية، لكن على السلطات اللبنانية استثمار المشهديّة الجامعة التي رافقت الزيارة لتطبيق الخطط الإصلاحية وتعزيز العيش المشترك.
وكان "التيار" قد وجّه إلى البابا مذكرة سياسية أودعها في السفارة البابوية. وتشير المصادر إلى أنّ التحديات التي طرحها التيار فيها تتطابق إلى حدّ كبير مع رؤية البابا، خصوصاً في ما يتعلق بالسلام القائم على الحقوق والعدل وتحرير الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى ملفات كيانية مثل اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري وتداعياتهما، مع التشديد على المناصفة وأهميّة الوجود المسيحي الفاعل. كما يتمسّك "التيار" بالطائف وما نصّ عليه لجهة تطبيق اللامركزية الموسّعة.
وفي ما خصّ كلام البابا عن ضرورة إلقاء السلاح والذهاب إلى الحوار، تضعه مصادر "التيار" في خانة الإشارات الواضحة إلى أنّ السلام يتطلب وضعاً جديداً لجهة حصر السلاح بيد الدولة، شرط عدم التفريط بالحقوق.
قد تتفق معظم الأحزاب المسيحية على العناوين العامة لرسائل زيارة البابا إلى اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، إلا أنّ التفاصيل تكشف تباينات واضحة في الأولويات. ومع ذلك، تبقى الزيارة ومفاعيلها نقطة جامعة، وقد يستمر وهجها إلى وقت غير قصير، وخصوصاً إذا واصل الفاتيكان متابعة الوضع اللبناني عن كثب لاستثمار الزخم الوطني والسياسي الكبير الذي نتج عنها.
