لم يختر ممثلو الدول الأعضاء في مجلس الأمن إجراء مباحثات في بيروت بالتزامن مع قرار تعيين شخصية مدنية في لجنة الميكانيزم، فقد كانت المواعيد مجدوَلة منذ حوالى الشهر. إلا أن الاستجابة للمساعي الأميركية شكّلت دفعاً أساسياً لدى المجتمع الدولي لمساندة لبنان في مساعيه لإرساء الاستقرار وتقديم الدعم للدولة اللبنانية.
عون: حصر السلاح متّخذ بقرار لبناني
تلقى لبنان رسائل واضحة من دول أوروبية وعربية بأن إسرائيل تنوي توجيه ضربة قاسية إلى لبنان تتجاوز القرى الحدودية في عمق الجنوب وبيروت، من دون تحييد المرافق العامة والبنى التحتية. ومن هنا كان القرار بتكليف السفير سيمون كرم بترؤس الوفد المشارك في لجنة الميكنيزم، وتأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال جلسة مجلس الوزراء، وفي لقائه بممثلي مجلس الأمن صباح الجمعة، أنه تم تكليف سفير سابق لترؤس الوفد لتجنيب البلاد جولة عنف جديدة، ولقناعته بأن الحروب لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج أيجابية.
في اللقاءات من بعبدا إلى عين التينة فالسراي ووزارة الخارجية، كان الوفد الدبلوماسي مصغياً وداعماً أكثر مما هو مقدّمّاً للاقتراحات. كلُّ من السفراء طرح أسئلته على المسؤولين اللبنانيين الذي قدّموا توجّهاً واحداً، وهو أن لبنان ماضٍ في خطة بسط سلطة الجيش على كامل أراضيه، وأن انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلّة يتطلّب ضغطا دوليّاً.
رئيس الجمهورية أكّد للوفد أن قرار حصر السلاح قد اتّخذ، ولا تراجع عنه، لأن ما يقوم به لبنان إنّما يفعله من أجل مصلحته، وليس لأنه مطلوب من أي جهة، وأن الجيش اللبناني يقوم بجهد كبير سيظهر في المعاينة الميدانية، التي من المفترض أن يجريها الوفد يوم السبت في الناقورة. وطالب الرئيس عون المجتمع الدولي بدعم الجيش. لكنه أكد أن المؤسسة العسكرية ماضية في مهامّها بمعزلٍ عن أي مساعدة. في هذا المجال لفتت الموفدة الأميركية مورغان اورتاغوس التي كانت في عداد الوفد كممثلة لبلدها، إلى مساع تبذل لعقد مؤتمر دعم الجيش، بالتعاون بين فرنسا والمملكة العربية السعودية والولايات المتّحدة خلال العام المقبل.
الوفد الدولي متفهم للتحدّيات التي تواجه الجيش
وفي ما خصّ المفاوضات، رهن عون نجاحها بطريقة تعاطي إسرائيل معها. أمّا رئيس مجلس النواب نبيه بري فشدّد على أنه لا يجوز التفاوض تحت النار. وفي معلومات "المدن" أن برّي شرح كل المحاذير اللبنانية لناحية تطبيق القرارين 1701 واتفاق 27 تشرين الثاني 2024 حول وقف الأعمال العدائية من قبل الجانب الإسرائيلي.
الوفد، ووفق المعلومات، أبدى تفهماً لهذه الشروحات وللتحدّيات التي يواجهها الجيش في تنفيذ خطة حصر السلاح واستكمال المرحلة الثانية التي قد تستغرق وقتاً أطول من المرحلة الأولى. أمّا الجانب اللبناني فكان مرتاحاً لإصغاء الوفد إليه بإيجابية، فيما وصف سفير باناما "اللقاء مع أحد اللاعبين السياسيين في الساحة اللبنانية" بالإيجابي والملفت، وبأنه غني بالمعلومات.
أورتاغوس وعراقجي نجما وزارة الخارجية
بعد لقاء عين التينة والسراي الحكومي، انتقل الوفد إلى وزارة الخارجية، ولكن من دون حضور أورتاغوس، وهذا ما ترك علامات استفهام، إلى أن تبيّن أن الموفدة الأميركية تعقد خلوة سياسية مع رئيس الحكومة نواف سلام بعيداً عن اللقاء الدبلوماسي الموسّع. مضمون الخلوة بقي قيد الكتمان. وعندما سئلت أورتاغوس من قبل الصحافيين أثناء صعودها سلالم الخارجية عن سبب الخلوة مع سلام، كان جوابها ممازحة: "لأننا أفضل الأصدقاء" “Because we are best friends” "، مكتفية بهذا القدر.
الضيفة الأميركية الدائمة، كانت بوصف كل من التقاها "إيجابية إلى أقصى حد". وهو ما تكشّف أيضاً بترحيبها بتعيين السفير كرم، واصفة إياه بال “impressive ومعتبرة أن عمل لجنة الميكانيزم سيتحسّن بسبب تعيين مدنيين. فمشاركة المدنيين تسمح من وجهة النظر الأميركية بفتح الباب أمام المفاوضات السياسية، لا البحث في التقنيات فحسب والتوصّل إلى حلول. علماً أن رئيس الجمهورية أعاد رسم هدف لبنان من التفاوض أمام الوفد الدبلوماسي، حاصراً إياه بالترتيبات الأمنية على عكس ما سوّق له مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عندما تحدث عن العمل على تعزيز التعاون الإقتصادي.
لكن الترحيب بالتفاوض المدني – المدني لا يعني فرملة أو تجميداً لخطة حصر السلاح، إذ أكدت الموفدة الأميركية، بحسب المصادر، ضرورة مواصلة العمل لتجريد حزب الله من سلاحه وبسط سلطة الجيش على كامل أراضيه. وفي هذا الإطار أشار أكثر من مصدر إلى أن موافقة لبنان على تكليف السفير سيمون كرم ساعدت في امتصاص التهديدات الإسرائيلية، وإبعاد شبح الحرب حالياً، على حد قول الرئيس عون، فيما لم تتمكن أي جهة من تقديم ضمانات حول ما قد تقوم به إسرائيل في وقت لاحق.
في وزارة الخارجية، أبت أورتاغوس أن تغادر لبنان من دون الإطمئنان حول ما إذا كان الوزير يوسف رجي سيلبي دعوة نظيره الإيراني إلى طهران. فأجاب رجّي بأنه وجه دعوة إلى الوزير عباس عراقجي ضمن برنامج تلفزيوني للتفاوض في دولة محايدة، وعليه تلقى دعوة من عرقجي عبر إكس لزيارة طهران، ومن ثم وفقاً للأصول البدلوماسية في كتاب خطي وصل إلى وزارة الخارجية عبر السفير الإيراني في بيروت. وأضاف رجي في ردّه على اورتاغوس إنه "منفتح على كل الدول ونريد أفضل العلاقات معها، لكن مشكلتنا هي مع الدول التي تتدخل بشؤوننا الداخلية". وبما أن الظروف اليوم ليست مناسبة لزيارة طهران، فانني مستعد للتواصل مع نظيري الإيراني من أجل اللقاء في أي بلد آخر"، فابتسمت أورتاغوس..
وكرّر رجي أمامها أن انسحاب الإحتلال الإسرائيلي هو أمر ملحّ، لكن حصر السلاح بيد الجيش هو كذلك، وأنّ لبنان يطبق خطة الجيش لأجل لبنان لا إرضاء لأي جهة خارجية.
