مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المحددة في أيار من العام 2026، يستمر الاشتباك السياسي حول قانون الانتخابات. الإصرار الذي تظهره مختلف القوى السياسية لناحية إجراء الاستحقاق في موعده، لا يعني أنّ الأمور سالكة في المسار الصحيح، أو أنّ التأجيل غير وارد، ولو لسبب تقني أو أمني أو ما شابه ذلك. لكن، حتّى هذه اللحظة، يبدو أنّ الجميع متفقون على أنّ الإجراء حتمي، لاعتبارات خارجية وداخلية. أمّا التفاهم حول قانون انتخابي يرضى به الجميع فيبدو ضربًا من الخيال. ولا بدّ من تقديم تنازلات هنا وهناك وصولًا إلى صيغة تنال موافقة القوى السياسية.
فالقانون المُرسَل من الحكومة إلى مجلس النواب، والذي وصل إلى اللجان، لن يكون وحيدًا، ولن يضع الثنائي ومن معه في مأزق، لأنهم في المقابل يقومون بما يُسمّى "اشتباكًا قانونيًا انتخابيًا"، من خلال طرح قوانين أخرى موازية لهذا القانون. فهم من أبرز المعارضين للقانون الحالي، لكنهم ساروا به إرضاءً للتوافق الذي حصل آنذاك، ولأن مسألة تعديل قانون الانتخابات مسألة قانونية دستورية بحتة تحتاج إلى التوافق، لا إلى منطق الغالب والمغلوب.
إذن، برز في مواجهة القانون المرسل من الحكومة، قانون مقدّم من عضو كتلة التنمية والتحرير النائب علي حسن خليل، يحمل مضامين صعبة التنفيذ، لكنه في الوقت نفسه حقّ مشروع، كما أنّ للآخرين حقّ التقدم بمشاريع قوانين. فما خفايا الأمر؟
قانون علي حسن خليل
عدد لا بأس به من القوانين قُدّمت. وتفيد معلومات "المدن" أن هناك قانونًا مقدمًا من النائب علي حسن خليل باسم كتلة التنمية والتحرير وموجودًا في اللجنة الفرعية، يقوم على إنشاء مجلس شيوخ ومجلس نواب خارج القيد الطائفي مع اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية. ويأتي ذلك تطبيقًا لاتفاق الطائف، وهو أبرز ما تنادي به حركة أمل.
غير أن هذا القانون يرفضه عدد من القوى لأسباب تتعلق بخلل التوازن السياسي، وما تملكه بعض الأحزاب من وسائل قوّة تجعل تأثيرها أكبر من أحزاب أخرى. وعلمت "المدن" أن هناك ثلاثة اقتراحات جديدة أضيفت في القانون الجديد لخليل، وتتوافق في رؤيتها مع القانون الذي قدّمه قبل خمس سنوات.
تشمل هذه الاقتراحات إعادة النظر في تقسيم الدوائر، مع الإشارة إلى اعتماد المحافظة كدائرة كبرى، وهذا ما يقلل عدد الدوائر المعمول بها حاليًا. كما يتضمن القانون خفض سن الاقتراع من 21 إلى 18 عامًا، وهو ما ستستفيد منه الطائفة الشيعية، خصوصًا ثنائي أمل وحزب الله، نظرًا لوجود عدد كبير من مناصريهم بين سن 18 و21 مقارنة ببقية الطوائف.
أما الاقتراح الثالث في القانون فهو اعتماد صوتين تفضيليين بدل الصوت التفضيلي الواحد في اللائحة. على سبيل المثال، في الدائرة التي يترشح فيها النائب خليل وهي الجنوب الثالثة – مرجعيون، بإمكان المقترعين التصويت للائحة، وإعطاء صوت إضافي لمرشح آخر من نفس التحالف، ما يزيد الحاصل الانتخابي للمرشح الفردي. هذا الأمر يصبّ أيضًا في مصلحة ثنائي أمل وحزب الله، بحيث يضمن دعمًا متبادلًا بين الجانبين وزيادة الأصوات التفضيلية، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان حدوث أي خرق أو مفاجأة انتخابية، خصوصًا في الدوائر التي تشهد سيطرة شعبية لهما.
التوافق والتحديات
وعلى الرغم من التعديلات الجديدة، فإن القانون المقدّم من حسن خليل يتوافق مع القانون السابق في ما خصّ خفض سن الاقتراع، ويختلف في ما يتعلّق بعدد الدوائر، من دائرة واحدة إلى عدة دوائر أكبر. إلا أن معلومات "المدن" تشير إلى أن خليل يرى القانون الأول هو الأنسب والأفضل للتمثيل، لكنه يدرك صعوبة قبول الأطراف الأخرى. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قُدّم؟
وفق المعلومات، فإن القانون المقدم من حسن خليل هو ضمن مجموعة قوانين أخرى تناقش في اللجان، وقُدِّم في إطار الضغط السياسي على الأطراف الأخرى، التي تطالب بتعديل قانون الانتخابات بالنسبة لتصويت المغتربين، بما يشمل إلغاء الدائرة السادسة عشرة؛ أي في إطار تحدٍ سياسي وديمقراطي بحت.
الواقع الإنتخابي
وعلمت "المدن" أن النائب حسن خليل عقد الاجتماع الأول للجنة الانتخابية المعنية بدائرته مرجعيون، وأكد أمام اللجنة ما تؤكده حركة أمل، بأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون النافذ. وفي حال عدم القدرة على تنظيم الدائرة السادسة عشرة لوجستيًا، فإن الانتخاب سيكون من الداخل، مع تمكين المغتربين من التصويت داخليًا، وهو ما يقطع الشك باليقين حول توجه الثنائي. فالنية ليست تعديل القانون، والوقت لا يسمح بذلك أساسًا، وإنما الهدف هو الرد بطريقة ديمقراطية على ما طُرح من الطرف الآخر.
دمج القوانين
في ما يتعلق بما يُحكى عن دمج مشاريع القوانين المقدمة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، فقد علمت "المدن" أن نية بري النهائية هي السير بالقانون الحالي، وكل ما عدا ذلك يعتبر "تضييع وقت". والاقتراحات موجودة في اللجان، وكل طرف له الحق في تقديم المشروع الذي يراه مناسبًا. ما قد يحصل، وهو الأقرب، هو الموافقة على إلغاء الدائرة 16 بحيث تصبح أصوات المغتربين من الداخل موزعة على 128 نائبًا، مع ملاحظة أن العدد المسجل خارج لبنان لا يتيح تأثيرًا كبيرًا خصوصًا مع التغيرات الحاصلة.
الجميع بات مقتنعاً
يضاف إلى قانون خليل عدد من القوانين الموجودة في اللجان، والتي تعكس رؤية كل حزب حول القانون المطلوب. فالتيار الوطني الحر يريد اعتماد ما يسمى "القانون الأرثوذكسي" كأساس للتمثيل الطائفي والمذهبي، بحيث تنتخب كل طائفة نوابها ضمن ذات الدائرة. كما تم طرح مشروع الدوائر الفردية، أي تقسيم لبنان إلى دوائر انتخابية صغيرة، بحيث ينتخب كل مرشح نائبًا واحدًا عن دائرته.
من جهة أخرى، طرحت القوات اللبنانية سابقًا قانونًا مختلطًا (مشروع لجنة فؤاد بطرس)، يقوم على: 64 نائبًا يُنتخبون على أساس دوائر فردية، و64 نائبًا على أساس النسبية.
المؤكد اليوم، وفق معلومات "المدن"، أن كل الأطراف مقتنعة بإلغاء الدائرة 16 وتصويت المغتربين من الداخل. ويقتصر الخلاف على رفع الصوت في إطار الكباش الانتخابي لا أكثر. السؤال يبقى: هل تؤجل الانتخابات تقنيًا حتّى صيف 2026، بحيث يستطيع المغتربون القدوم إلى لبنان على نحوٍ أكبر، أم أن الإصرار على إجرائها في موعدها سيُطبق من دون النظر لأي اعتبار آخر؟
