من نهاية عهد إلى بداية جديدة

عارف العبدالجمعة 2025/12/05
Image-1764879190
عهد جوزاف عون الذي انطلق قوياً وتعثر، عاد ليندفع الآن ببركة البابا لاوون (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن موفقاً، رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، في الطريقة، وفي اختيار التوقيت، لإعلان عتبه أو "زعله"، من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، لعدم دعوته إلى القصر الجمهوري في بعبدا، إلى حفل استقبال الحبر الأعظم لاوون الرابع عشر، في بداية زيارته التاريخية إلى لبنان.

 

إن حجم الزيارة، والحدث الاستثنائي الذي مثلته، والأجواء التي رافقتها، كان يقتضي التعالي عن جراح الترتيب أو الخطأ البروتوكولي في مثل هذه اللحظات، والانصراف إلى التفكير في أبعاد الزيارة المهمة جداً، ودعمها وتعظيم وتكبير النتائج والرموز والرسائل والمعاني التي مثلتها، والآثار التي تركتها في لبنان والمنطقة، بالنسبة للبنانيين عموماً والمسيحيين على وجه الخصوص.

الواقع أن الجمهور المتابع والمهتم بالزيارة وأبعادها، فوجىء بالكلام الذي صدر عن النائبة استريدا جعجع وانعكاساته، وما يمكن أن يحمله ويتسبب به راهناً ومستقبلاً.

في العادة، وضمن العائلات المتقاربة والواحدة، فإن الأحداث البسيطة المقصودة وغير المقصودة، تحدث وتقع وبكثرة خلال مناسبات تجمعهم، أما التعبير عن الانزعاج إزاء هكذا حوادث، فعادة ما يؤجل ويترك إلى ما بعد انقضاء المناسبة الجامعة والسعيدة، لإثارتها والبحث بها بطريقة هادئة وبعيداً عن الضوضاء بعد انتهاء الحدث، إلا إذا كان القصد "فتح مشكل" وشجار علني.

بطبيعة الحال، فإن من حق رئيس "أكبر كتلة نيابية مسيحية" حسب تعبير النائبة جعجع، أن "ياخد على خاطره" من عدم دعوته لاستقبال رئيس وصاحب أعلى وأكبر موقع روحي مسيحي في العالم، ألا وهو الحبر الأعظم، والحصول على بركته. لكن كان من الأفضل والأحسن والأكثر حكمة، أن يُترك العتاب والملاحظات لما بعد الزيارة، وأن تأتي إثارة الموضوع بطريقة مختلفة عما جرى، لكي لا تترك ندوباً وارتدادات ومضاعفات على الجمهور والمجتمع المسيحي المحلي و البيئة الفاتيكانية المهتمة بلبنان.

 

في الحديث عن الزيارة التاريخية للحبر الأعظم، فإنها مثلت نقطة تحول كبيرة وأساسية، وحملت رسائل متعددة، تعود أهميتها إلى بضعة نقاط لا يمكن تجاهلها والقفز عنها.

الأهمية الأولى؛ تمثلت بالكلام والشعار الذي رفعه البابا وأطلقه مع وخلال وقبل الزيارة وهو: " طوبى لفاعلي السلام". والأهم من كل ذلك، أنه وعلى عكس ما ادعى إعلاميون ومتحدثون كثر، لم يبدأ البابا زيارته الأولى خارج الفاتيكان بلبنان، بل بتركيا، التي تجاهل معانيها كثر، وهي بحد ذاتها مثلت أحد ابعد وأعمق المعاني الدقيقة للمرحلة الراهنة والمقبلة، والتي تؤشر إلى دور تركيا الجديد والراهن والمقبل في المنطقة. 

الواقع أن الاهتمام اليوم وراهناً، هو حول إعادة رسم الخرائط والأدوار من حولنا، والحبر الأعظم الأميركي الجنسية، والمطلع على ما يجري في المنطقة والعالم، لم يزر تركيا أولاً عن فراغ. بل إن زيارته تركيا أولاً قبل لبنان، ورفعه شعار "طوبى لفاعلي السلام"، هو المعنى بذاته، لما تلعبه وستلعبه تركيا الآن ومستقبلاً من دور في المنطقة ومن تأثير على لبنان ومحيطه. 

 

الأهمية الثانية؛ أنها قصدت البلد الذي يقف على رأسه مسيحي ماروني، في منطقة تعج وتضج بحركات الإسلام السياسي، الذي زلزل الأرض فيها، وقلب ترابها وطبقاتها ودمر مجتمعاتها. من انفجار وانتشار ظاهرة الأصولية الإسلامية المتوحشة، في مقدمتها ظاهرة داعش في العراق وسوريا، وما فعلته من ممارسات وارتكابات وفواحش وجرائم تجاه الأقليات المسيحية وغير المسيحية، إلى ما تعرض له لبنان والمجتمع المسيحي فيه، من فشل ونكبات وأضرار نتجت أبرزها على نحوٍ مباشر، عن انفجار مرفأ بيروت وما سبقه.

صحيح أن انفجار المرفأ، قد أصاب أغلب مناطق وأحياء العاصمة بيروت، لكن القسم الكبير من آثار هذا الانفجار الجريمة أصاب الأحياء المسيحية القريبة منه وسكانها أكثر من غيره. 

وقد كانت كلمات بعض المواطنين التي "قالت نحنا مش متروكين"، إثر لقاء البابا لاوون، خير دليل وتعبير عن شعور كثرة كاثرة من المسيحيين بالحاجة إلى دعم وحماية، نتيجة شعورهم بأحوالهم المتدهورة والمهددة بقوة، خصوصاً بعد تبخر الآمال، إثر فشل عهد العماد ميشال عون المريع والكارثي، والذي كان يعتبر بنظر كثر بمثابة المخلص.

أتت زيارة البابا إلى مقام ومرقد القديس شربل في عنايا، النقطة التي أفاضت كأس الماء المسيحي اللبناني والماروني بالمعاني في لبنان، ما شكل اعترافاً، علنياً وصريحاً، وتقديراً من قبل حاضرة الفاتيكان والحبر الأعظم، بالقديس اللبناني، المهم والمؤثر في محيطه كرمزية، لتعطيه وتمنحه بعداً عالمياً وروحياً كبيراً يرفع ويقدر من موقع المسيحيين والموارنة في لبنان. 

 

الأهمية الثالثة للزيارة؛ إضافة إلى الدعم الظاهر للمجتمع المسيحي، والدفع باتجاه استنهاضه وامتداحه وحثه على البقاء في أرض الأجداد، التي تشهد تناقصاً وتراجعاً لأعدادهم.. فإن الحبر الأعظم عاد واستخلص في ختام هذه الزيارة، الخلاصة الصلبة والقوية والمكثفة، التي قالها وابتكرها قبله يوحنا بولس الثاني، في زيارته المؤثرة  والمهمة في العام 1997، حين اعتبر أن "لبنان هو أكثر من وطن بل هو رسالة"، مما يعود ويؤكد على موقف الكنيسة المحلية والعالمي والفاتيكان تحديداً، تجاه لبنان وصيغته الفريدة للدولة الواحدة الراهنة البرلمانية الديمقراطية، في ظل الشراكة الراهنة والعيش المشترك الإسلامي المسيحي، الذي أصبح ضعيف الوجود في المنطقة والعالم، ولحماية ودعم هذه الصيغة في وجه طروحات وأفكار الانغلاق والدعوة إلى التقسيم والفدرالية، التي انتشرت مؤخراً وراجت في صفوف المسيحيين، وقد أتت زيارة البابا لاوون وما حملته من رسائل ومواقف، لتضرب هؤلاء كلهم بضربة قوية، سفهتهم وقطعت عليهم طريق النمو والتقدم، وسخفت أقوالهم وقطعت الطريق على أفكارهم ورهاناتهم.

 

في هذا الإنجاز الكبير، الذي أصاب لبنان ورصيد الدولة فيه، من زيارة البابا لاوون الرابع عشر، يسجل لمنظم وراعي هذه الزيارة الحدث، أي لرئيس الجمهورية جوزاف عون، وزوجته المندفعة، دوره وجهده. فهو منذ بداية عهده "مترس" إلى جانب الفاتيكان والبابا لاوون، وحجز مكانه إلى جانبه، تأكيداً على فكرة أنه مسيحي مؤمن ومتضرع أكثر من غيره "وسكر زيادة" في مسيحيته وإيمانه.

الأحداث التي سبقت زيارة البابا لاوون إلى لبنان، وفي مقدمها إلغاء زيارة قائد الجيش إلى أميركا، والسير المتمهل والمرتبك، في تطبيق خطة حصر السلاح بيد الدولة، كانت قد أشرت إلى مشكلة كان يعيشها العهد الحالي، من فقدان وتراجع ثقة ودعم كبير كان يحظى بهم.

إن زيارة البابا لاوون، الناجحة بقوة كبيرة، باعتراف الجميع، أعادت "تشريج بطاريات" العهد التي كانت ضعفت وباتت في حالة صعبة وحرجة، لتتاح له فرصة جديدة للانطلاق والانجاز، طبعاً بعد مراجعة إذا أراد.

صحيح أن الحبر الاعظم، لا يملك دبابات او طائرات، وفق سؤال جوزف ستالين الشهير، لكنه في هذه الأيام يملك الكثير ليقدمه إلى لبنان، والرئيس عون الذي لم يلتق دونالد ترامب حتى الآن، على أمل أن تفتح له الأبواب إلى واشنطن، يستبدل ويصرف الآن من بركة احتضان البابا المهمة والمؤثرة بالنسبة له ولمحيطه. 

 

عهد جوزاف عون الذي انطلق قوياً وعاد وتعثر، وكاد يتحطم، عاد ليندفع الآن ببركة البابا لاوون. 

إن قرار رئيس الجمهورية، تكليف السفير سيمون كرم المتعدد الأبعاد والمعاني برمزيته اللبنانية والمارونية والجنوبية، تمثيل لبنان في لجنة الميكانيزم، هو آخر قرار من القرارات، التي تحمل علامة "جيد جداً"، بعد مطبات وحوادث كادت تفقد السفينة توازنها وتهدد مصيرها.

فهل سيبقى العهد ورئيسه على مستوى رابح، رابح، كما هو الآن، أم سيعود إلى التأرجح بين اليقظة والدوخة و"البهورة" المتعجلة والمكلفة؟ 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث