نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة تقريرًا سياسيًّا موسّعًا ربطت فيه بين الضغوط الأميركيّة المتزايدة على حكومة بنيامين نتنياهو، وبين الحراك الدبلوماسي المستجدّ على الجبهة اللبنانيّة عبر تفعيل عمل لجنة الرقابة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، المعروفة بـ"الميكانيزم"، معتبرةً أنّ التطوّرات الأخيرة "قد تشكّل اختراقًا دبلوماسيًّا يجمِّد الاندفاع نحو مواجهة عسكريّة شاملة بين لبنان وإسرائيل".
وأشارت الصحيفة إلى أنّ التحوّل بدأ بعد "التحذير التوبيخي" الذي وجّهه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى نتنياهو ردًّا على تعقّد العمليّة العسكريّة في بلدة بيت جن في الجولان السوري، وتعليماته بأنّ "من المهمّ أن تجري إسرائيل حوارًا حقيقيًّا ومتينًا مع سورية، وألّا يحدث شيء قد يعرقل تطوّرها إلى دولة مزدهرة"، قبل أن يتجلّى، أمس الأربعاء، ما وصفته بـ"استعراض قوّة سياسي" من جانب الولايات المتحدة على الجبهة اللبنانيّة.
وفي هذا السياق، رأت "هآرتس" أنّ تعيين ممثّل مجلس الأمن القومي الأميركي أوري رزنك رئيسًا للوفد الإسرائيلي في لجنة الرقابة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تعيين الدبلوماسي اللبناني المخضرم السفير سيمون كرم لقيادة الوفد اللبناني، "يؤشِّر إلى اختراق دبلوماسي قد يبطئ، وربّما يجمِّد، الاندفاع نحو مواجهة عسكريّة بين الدولتين".
وبالنسبة إلى لبنان، اعتبرت الصحيفة أنّ الخطوة "ذات دلالات سياسيّة كبيرة"، إذ إنّ قيادة الدولة، وعلى رأسها رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، "رفضت حتّى الآن منح لجنة الرقابة، أو الميكانيزم، أي مظهر يوحي بأنّها إطار لمفاوضات سياسيّة يمكن تفسيرها كبداية مسار نحو التطبيع مع إسرائيل". وأوضحت أنّ عون "تحدّث كثيرًا في الأسابيع الأخيرة عن ضرورة التفاوض مع إسرائيل بصفته مسارًا لترتيبات أمنيّة، لكنّه تجنّب استخدام مصطلح مفاوضات مباشرة".
وتابعت الصحيفة أنّه "حتى بعد تعيين كرم، حرص رئيس الوزراء نواف سلام على التأكيد أنّ هذه ليست محادثات سلام، وأنّ أيّ تطبيع سيكون مرتبطًا بعمليّة سلام شاملة لا تزال بعيدة عن التحقّق"، لكنّه أضاف في المقابل أنّ "هناك استعدادًا لتفاوض ذي طابع عسكري".
ولفت التقرير إلى أنّ سلام لم يُوضِّح ما إذا كان لبنان سيقبل لاحقًا بـ"مفاوضات سياسيّة محدودة أو اتفاقات اقتصاديّة" كما لمح نتنياهو، غير أنّ "هآرتس" توقّفت عند ما قاله السفير سيمون كرم في تمّوز/يوليو الماضي خلال مؤتمر في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، إذ اتّهم، بحسب الصحيفة، "من وافقوا على وقف إطلاق النار مع إسرائيل"، في إشارةٍ إلى حزب الله، بأنّهم "يُطلقون الآن نارًا سياسيّة وأمنيّة كثيفة على الساحة الداخليّة في لبنان"، مشيرًا إلى أنّهم "يهاجمون الدولة لأنّها تبنّت الخيار الدبلوماسي، وهو الخيار الوحيد الممكن بعد الكارثة، ويهاجمون الجيش لعجزه عن حماية الدولة ومواطنيها، والقوّات الدوليّة لأنّها تسعى لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة"، قبل أن يختم بالقول إنّ "الخيار الدبلوماسي يعني قبول المفاوضات في ظلّ ميزان القوى الحالي، وهو الطريق الممكن الوحيد المتاح أمام الدولة".
ووفق التقرير، جاءت موافقة لبنان على الدخول في مفاوضات "ذات طابع سياسي، لا عسكري صرف"، بعد أن أصبح تهديد توسيع الحرب "ملموسًا وفوريًّا"، إلى جانب ضغط دبلوماسي كبير مارسته الولايات المتحدة على بيروت، مقابل ضغوط عربيّة على واشنطن لفرملة التصعيد الإسرائيلي، قادتها خصوصًا السعودية ومصر وقطر.
وأشارت "هآرتس" إلى أنّ الضغط الأميركي بدأ قبل أسابيع، حين أوضح المبعوث السابق توم باراك لقيادة لبنان أنّ "الولايات المتحدة لن تتدخّل بعد الآن في وضع تسيطر فيه منظّمة إرهابيّة أجنبيّة، هي حزب الله، ودولة فاشلة، هي لبنان، تملي الوتيرة وتطلب مزيدًا من الموارد والمال والمساعدات"، وهو كلام فُسِّر يومها بأنّه "ضوء أخضر لإسرائيل للتحرّك عسكريًّا وفق رؤيتها". وذكّرت كذلك بتصريح السفير الأميركي في لبنان ميشيل عيسى، الذي قال في مقابلة مع الصحيفة نفسها إنّ "إسرائيل ليست في حاجة إلى إذن من الولايات المتحدة لتدافع عن نفسها".
لكن باراك عاد، بحسب "هآرتس"، ليتحدّث عن إمكانيّة دعم مسار تفاوضي مباشر، قائلًا إنّه "إذا أراد اللبنانيّون دخول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، فسوف نساعدكم، سنضغط على إسرائيل لتكون عقلانيّة". وترى الصحيفة أنّ "ترجمة مفهوم العقلانيّة في القاموس الأميركي قد تعني الطلب من إسرائيل وقف إطلاق النار ما دامت المفاوضات مستمرّة، وما دام النقاش حول مراحل الانسحاب من النقاط الخمس التي سيطرت عليها في لبنان يجري بجدّية، وكذلك ملفّ ترسيم الحدود البرّية".
وبناءً عليه، تشير "هآرتس" إلى أنّ هذا المسار "سيتطلّب مفاوضات موازية مع سورية، التي تدّعي ملكيّة مزارع شبعا، وهي نقطة الخلاف الأكثر حساسيّة في ملفّ ترسيم الحدود"، لافتةً إلى أنّ سلوك إسرائيل في الأيّام المقبلة "سيكشف ما إذا كانت قد وافقت على التخلي عن مبدأ المفاوضات تحت النار"، فيما سيُطلَب من لبنان "إثبات عزمه وقدرته على تطهير جنوب البلاد من أسلحة حزب الله ومنشآته". أمّا تفكيك سلاح الحزب في الشمال، فـ"من المرجَّح أن يُمنح مهلة إضافيّة" يحاول خلالها الرئيس عون والرئيس سلام "التوصّل إلى تفاهمات مع حزب الله".
وهنا تبرز، بحسب التقرير، أهميّة تصريح سلام بأنّ "المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل تُجرى تحت مظلّة وطنيّة واضحة، وهذه الخطوة مُحصّنة سياسيًّا وتحظى بإجماع داخلي"، إذ ترى الصحيفة أنّ "النقاش العام والسياسي والإعلامي في لبنان بمعظمه يدعم الخطوة التي اتّخذتها الحكومة"، لكن كان من المهمّ، وفق تعبيرها، أن يُقال ذلك "بصوت عالٍ يُسمع ليس فقط في الضاحية، بل أيضًا في طهران".
وتضيف "هآرتس" أنّ حزب الله، "المتمسّك برفضه لنزع سلاحه"، أبقى موقفه من المفاوضات "ضبابيًّا"، إذ إنّ الأمين العام نعيم قاسم "لم يأتِ على ذكرها إطلاقًا في رسالته العلنيّة الأخيرة إلى الرؤساء الثلاثة، عون وسلام ورئيس البرلمان نبيه برّي، والتي عرض فيها سياسة الحزب".
وترى الصحيفة أنّ "اختبار سلوك حزب الله، الذي سبق أن وافق على اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، لن يكون على مستوى الموقف النظري من مبدأ التفاوض، بل عندما يبدأ الجيش اللبناني عمليّة منهجيّة لجمع سلاحه في شمال لبنان والبقاع". ومع اقتراب هذه المرحلة، تتوقّع أن "تسعى الولايات المتحدة إلى تزويد الحكومة اللبنانيّة بذخيرة سياسيّة ودبلوماسيّة تسهّل عليها بلوغ تفاهمات مع حزب الله، أو بالحصول على شرعيّة شعبيّة إذا اضطرت إلى مواجهته".
في المقابل، ترى "هآرتس" أنّه "يُتوقَّع من إسرائيل أيضًا أن تمنح لبنان مكاسب سياسيّة"، من بينها "الانسحاب من النقاط الخمس، وإطلاق سراح المعتقلين اللبنانيّين لديها، والسماح بعودة آلاف المواطنين اللبنانيّين، ومعظمهم من الشيعة الذين فرّوا من قراهم في جنوب لبنان ولم يعودوا بعد إلى منازلهم". وتعتبر الصحيفة أنّ هذه الخطوات "ضروريّة أيضًا لتمكين الجيش اللبناني من الانتشار على طول الحدود كما نصّ اتفاق وقف إطلاق النار، واستكمال بسط سيادة الدولة على المنطقة التي كانت لعقود خارج سيطرتها".
وتربط الصحيفة هذه التطوّرات بمعركة إعادة إعمار لبنان، التي "يتوقّع أن تتحوّل إلى ساحة الصراع السياسي المقبلة بين حزب الله والحكومة اللبنانيّة"، وخصوصًا في ظلّ توقّع إجراء انتخابات برلمانيّة بعد نحو ستّة أشهر، هي الأولى بعد الحرب، وتُعدّ "حاسمة بالنسبة إلى مكانة حزب الله الشعبيّة والسياسيّة، سواء أمام خصومه أو أمام شريكه نبيه برّي، الذي ينافسه على تمثيل الطائفة الشيعيّة".
وتخلص "هآرتس" إلى أنّ أهميّة سيطرة الحكومة على مشروع إعادة الإعمار "تكمن في قدرتها على حرمان حزب الله من أدوات النفوذ لدى سكّان الجنوب، ومن هناك على كامل الساحة السياسيّة اللبنانيّة"، داعيةً إسرائيل، التي "تشتكي من نشاط حزب الله وتقرّ بضعف الدولة اللبنانيّة"، إلى أن "تدرس الصراعات السياسيّة في لبنان ضمن رؤيتها الأمنيّة"، وأن تُعيد حساب "الفائدة التي تجنيها من استمرار سيطرتها على المواقع الخمس داخل لبنان، في مقابل الأضرار التي تلحقها هذه السيطرة بقدرة الحكومة اللبنانيّة على استثمار إعادة إعمار الجنوب كوسيلة لانتزاع القوّة من حزب الله".
