في ظلّ سجالٍ داخليٍّ متصاعدٍ حول قرار رئاسة الجمهوريّة تعيين السفير السّابق سيمون كرم رئيسًا للوفد اللّبناني في اجتماعات "الميكانيزم" الخاصّة بترتيبات وقف الأعمال العدائيّة على الجبهة الجنوبيّة، يتقدّم مشهدان متوازيان في السياسة اللّبنانيّة:
مشهدٌ يرحّب بالخطوة ويرى فيها محاولةً جريئةً لإعادة الإمساك بالقرار السيادي عبر مؤسّسات الدولة، ومشهدٌ آخر يحذّر من أيّ مسارٍ قد يفسّر على أنّه تنازلٌ أمام الضغوط والحروب المفروضة على لبنان والمنطقة.
في هذا السياق، دعا النائب حسن فضل الله إلى "تعاون الدّول العربيّة والإسلاميّة ونبذ الخلافات ووضع تراكمات الماضي جانبًا، وتعزيز التعاون بينها لما فيه مصلحة شعوبها"، مشيدًا بكلّ "تقاربٍ بين هذه الدول لأنّ الخطر الداهم يطال الجميع، وهو ما رأيناه في سلسلة الاعتداءات الإسرائيليّة على سيادة الدول وأمنها كما حصل ضدّ إيران وقطر وسوريا واليمن، والعدوان على لبنان وحرب الإبادة في غزّة". ورأى أنّ "المطلوب اليوم هو الصمود ومواجهة الحروب والضغوط التي تشنّ على دول المنطقة، وعدم السقوط أمام اللحظة الصعبة، لأنّ تقديم التنازلات لكيان الاحتلال يشجّعه أكثر على المضيّ في عدوانه، فمهما بلغت غطرسة المحتلّين فإنّ المستقبل هو للشعوب".
وقال فضل الله في الكلمة التي ألقاها خلال اجتماع اللجنة السياسيّة لـ"جمعية البرلمانات الآسيويّة" في مدينة مشهد الإيرانيّة، ممثّلًا مع النائب قاسم هاشم مجلس النواب اللّبناني: "أتينا من بلدنا نحمل جراحاته وعنفوانه وكرامته، ونحمل معنا آمال وآلام شعبنا وتجربته الفريدة والنموذجيّة رغم ما يتعرّض له من تهديدٍ يوميّ من آلة القتل الإسرائيليّة، لنشارك معكم في هذا الملتقى البرلماني الآسيوي المنعقد في هذه البقعة المقدّسة من أرض إيران، وهو الملتقى الذي كان مقرّرًا أن ينعقد قبل ستة أشهر من أجل أن نتداول معًا في شؤون بلداننا الآسيويّة، وكيفية النهوض بها، ودور مجالسنا النيابيّة المعنيّة بمختلف القضايا المشتركة في الأمن والسلام والنموّ وفي تعاون بلداننا، ولكنّ العدوان الإسرائيلي على الجمهوريّة الإسلاميّة أدّى إلى ترحيل هذا اللقاء ليلتئم اليوم في المكان نفسه".
وأضاف: "إنّ ما اقترفته حكومة الكيان الصهيوني يعكس المدى الذي بلغته العدوانيّة الإسرائيليّة في استهداف سيادة الدول واستقلالها وحريتها، ومحاولة تقويض الأمن والسّلم الدّوليّين، ومن منبر هذا الملتقى البرلماني نجدّد إدانتنا الشديدة للعدوان الإسرائيلي على الجمهوريّة الإسلاميّة، ونحيّي صمودها وممارستها لحقّها المشروع في الدفاع عن النفس وفق ما تنصّ عليه شرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدوليّة، وقد مارست إيران هذا الحقّ الطبيعي صونًا لسيادتها، ونشيد هنا بوعي شعبها ووحدته خلف قيادته دفاعًا عن وطنه وكرامته".
وتابع فضل الله: "إنّ هذه العدوانيّة الإسرائيليّة طالت دولًا أخرى في منطقتنا من بينها قطر واليمن، وهذا أيضًا محلّ إدانةٍ وشجبٍ، وكذلك فإنّ مواصلة كيان الاحتلال الاعتداءات على سوريا واحتلال جزءٍ من أرضها يأتي في سياق هذه الممارسات ضدّ سيادة الدول لفرض الهيمنة عليها، ظنًّا من هذا الكيان أنّ غطرسة القوّة والتسلّط يمكن أن تسمح له بإملاء شروطه وإخضاع الشعوب وتقويض سيادتها على دولها".
ودعا النائب في كتلة "الوفاء للمقاومة" "دولنا وشعوبنا، خصوصًا في عالمنا العربيّ والإسلاميّ، إلى مواجهة التحدّيات المصيريّة التي تواجهها، عبر نبذ الخلافات والتعاون فيما بينها، وعلى الأقل تجميد تراكمات الماضي لأنّ الخطر سيطال الجميع، فقوى الهيمنة والتسلّط تستغلّ اليوم حالة الانقسام بين دولنا من أجل إضعافها جميعًا"، مشيدًا "بكلّ محاولةٍ لتعزيز العلاقات بين الدول العربيّة والإسلاميّة لما فيه مصلحة شعوبنا".
وانتقل فضل الله إلى الوضع اللّبناني قائلًا: "إنّ حكومة نتنياهو تواصل نهجها العدوانيّ ضدّ بلدنا لبنان من خلال ممارسة أعمال القتل اليوميّة ضدّ المدنيّين والاعتداء على المنشآت المدنيّة وعلى أملاك المواطنين، فضلًا عن استمرار احتلالها لجزءٍ من أرضنا واحتجاز العديد من المواطنين اللّبنانيّين كأسرى في سجونها". وأوضح أنّ "الحكومة اللبنانيّة توصّلت إلى اتفاقٍ لوقف الأعمال العدائيّة، برعاية أميركيّة وفرنسيّة، ولكن منذ ذلك الوقت، أي منذ 27 تشرين الثاني 2024، وجيش الاحتلال الإسرائيلي يخرق هذا الاتفاق يوميًّا بشهادة الأمم المتحدة، فهو في موقع المعتدي الدائم الذي لا يلتزم بأيّ عهودٍ أو اتفاقات، بينما بلدنا ملتزمٌ بشكل كامل، أمّا الدول الراعية فلا تحرّك ساكنًا ولا تقوم بدورها المطلوب".
وأضاف: "إنّ حكومة نتنياهو تطلق في هذه الأيام ماكينةً سياسيّةً وإعلاميّةً لترهيب شعبنا من خلال حملة تهديداتٍ بفرض حربٍ جديدةٍ عليه أو القبول بالاستسلام لشروطه، ولكن كلّ هذه الضغوط لن تدفع شعبنا المضحي والمتمسّك بحقوقه المشروعة إلى الخضوع أو التخلي عن سيادته وعن أرضه، وإنّ اختلال موازين القوى في هذه المرحلة نتيجة الدعم الغربي الكبير للاحتلال لا يمكن أن يدوم، فإرادة الشعوب الحرّة لا يمكن لأيّ قوّةٍ مهما بلغت من تجبّر أن تلويها، لأنّها نابعةٌ من إرادة الحقّ، ومن كونها تعبّر عن أصحاب الأرض".
وأوضح: "إنّ مطلب بلدنا هو وقف العدوان، وتحرير أرضه، واستعادة الأسرى، وإعمار المناطق المتضرّرة من العدوان الإسرائيلي، وأن يعيش شعبه بحريّةٍ وكرامة، ويرفض الخضوع والاستسلام لإرادة المحتلّين وناهبي خيرات الشعوب. وإنّ تقديم التنازلات لكيان الاحتلال يشجّعه أكثر على المضيّ في عدوانه، بينما المطلوب اليوم هو الصمود وعدم السقوط أمام اللحظة الصعبة، فالمستقبل لن يكون إلّا لمصلحة شعوبنا".
وربط فضل الله بين العدوان على لبنان وحرب غزّة، فقال: "إنّ العدوان على بلدنا ترافق مع حرب الإبادة التي نفّذتْها حكومة الاحتلال ضدّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، ولا تزال إلى اليوم تمارس اعتداءاتها على هذا الشعب من أجل طرده من أرضه بعدما دمّرت الحجر وفتكت بالبشر، ودول العالم، باستثناء القليل منها، تتفرّج".
وختم بدعوة البرلمانيّين المشاركين "إلى حمل هذه القضايا إلى بلدانهم، والسعي لسنّ القوانين التي تجرّم المحتلّين وتلاحق مرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانيّة".
وعلى هامش الاجتماعات، التقى الوفد اللّبناني رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي افتتح الجلسة، ونقل إليه تحيّات رئيس مجلس النواب اللّبناني نبيه بري، وشكر له مواقفه الداعمة للبنان، فيما أكّد قاليباف من جهته "الموقف الثابت لإيران في دعم لبنان"، موجّهًا تحيّته لرئيس المجلس.
تعيين كرمٍ… خطوةٌ "جريئة" في نظر معوّض
في المقابل، تفاعل السّجال الداخلي حول تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني في اجتماعات "الميكانيزم"، إذ اعتبر رئيس حركة الاستقلال النائب ميشال معوّض، عبر حسابه على "أكس"، أنّ "تعيين رئيس الجمهوريّة، بالتعاون مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، السفير السابق سيمون كرم لترؤّس الوفد اللبناني في اجتماعات الميكانيزم خطوةٌ جريئةٌ في الاتجاه الصحيح، تشكّل محطةً أساسيةً في المسار الشاق لإخراج لبنان من حالة الحرب المفروضة عليه، ولاسترجاع الدولة مسؤوليتها الحصريّة في القرار السيادي".
وكتب معوّض وسمًا مواكبًا لموقفه هو "#طوبى_لصانعي_السلام".
الجميّل: مسار تفاوضٍ لاستعادة السيادة وحصر السلاح
من جهته، لفت رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، بعد لقائه رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، إلى أنّه هنّأ فخامته على "زيارة البابا لاوون الرابع عشر الموفّقة جدًّا والتي أعطت أملًا للبنانيّين ونفسًا كي ننظر إلى المرحلة المقبلة بإيجابيّة"، وقال: "كما نشكر البابا لاوون على الزيارة كأوّل زيارة في عهده، وهذا يدلّ على أهميّة لبنان الكبيرة رغم صغر مساحته وحجمه".
وأضاف الجميّل: "هنّأنا فخامة الرئيس بتعيين السفير سيمون كرم رأسًا للتفاوض اللبناني في الأزمة التي نمرّ بها، ونوجّه تحيّة إلى السفير أنطوان فتال الذي قام بمفاوضاتٍ شبيهة، وإلى الرئيس الجميّل الذي اتّخذ خطوةً مماثلة وفاوض ووصل إلى نتيجة، ولكن الظروف لم تسمح بالذهاب بها إلى النهاية".
ورأى أنّ الدولة، "بعد 43 سنة، سلكت المسار نفسه على أمل أن تنجح في تحقيق أهداف التفاوض، أي انسحاب الجيش الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وفرض الدولة سيادتها بشكلٍ يكون فيه الجيش وحده من يمتلك السلاح"، معتبرًا أنّ ذلك "يتطلّب أن تكون الدولة حازمةً في عمليّة فرض السيادة، وأن تقول الطائفة الشيعيّة كلمتها، وألا يكون حزب الله يتّخذ الجميع رهينة، ويترك لبنان في حالة خطر، ويعرقل مسار بناء الدولة، ويجعل أبناء الطائفة شهود زور، والمطلوب أن يقول الجميع كلمته".
وتساءل الجميّل: "هل نبقى في حالة صراعات ودوّامة اللااستقرار والدماء والدمار والحروب؟ علينا أن نطوي صفحةً من الألم ونفتح صفحة لبنان الاستقرار والازدهار برعاية الدولة، بشكلٍ يجذب الاستثمارات ويحيي الاقتصاد ونكبّر حجمه ونعيد الودائع. هذا كلّه يرتبط بعضه ببعض، ولن نستعيد الأموال إذا لم نستعد الاستقرار ونقفل جبهة الجنوب، وهذا لن يتحقّق إلّا بالتفاوض".
وشدّد على أنّه "على الجميع مواكبة خطوة الرئيس والوقوف إلى جانب الدولة، وأن نكون يدًا واحدةً لإنهاء حالة الحرب، فالحرب تعني اقتصاد حربٍ ولا استقرار ولا استثماراتٍ ولا معاشات".
وأكّد الجميّل أنّ "نقل لبنان إلى مرحلة جديدة يكون بإقفال جبهة الجنوب عبر مفاوضاتٍ يجب أن تثمر"، مشيرًا إلى أنّه "كان المطلوب رئيسًا لديه جرأة، والمطلوب الإسراع بحصر السلاح والبدء بالتفاوض، وخطوة الرئيس كبيرة، وقد تشاور فيها مع أكبر عددٍ من الفعاليّات، وهو أمرٌ طبيعي، فالرئيس لا يستفرد بالقرارات، وخطوته جيّدة، فهو بادر وأشرك الآخرين في القرارات، ومهمّته صعبة والتحدّيات أمامه صعبة، ولكن قلبه في المكان الصحيح وهدفه هدفنا".
وقال: "يجب أن نقف إلى جانب الرئيس عون ونشجّعه، والمهمّة شاقّة، والأهم ألّا نعرقل ونضع الحواجز في طريقه".
وردًّا على سؤالٍ عن الانتخابات النيابيّة، قال الجميّل إنّ "مجلس النواب سيقوم بما عليه إذا سمح له، وإذا لم ندع إلى جلسة فكيف سنقوم بعملنا؟ وإذا لم يوضع ملفّ الانتخابات فكيف سنقوم بعملنا؟ المشكلة أنّنا ممنوعون من أن نلعب دورنا لأنّ بري يرفض وضع البند على جدول أعمال الجلسة التشريعيّة، والأمر سيحاكم عليه التاريخ، لأنّ من حقّ المجلس ومن واجبه أن يعالج ملفّ الانتخابات، والمشكلة، ما البديل؟".
وأضاف متسائلًا: "هل عرقلة بري تعني أنّه لا يريد انتخابات؟ وهل سنذهب إلى حائطٍ مسدود؟ وإذا وصلنا إلى الاستحقاق والحكومة ليست مستعدّة لإجرائه على أساس 6 نوّاب في الاغتراب، فهي ستكون مخالفةً للقانون، وهي تقول إمّا بتوضيح القانون أو تغييره، وكأنّ المطلوب الوصول إلى حائطٍ مسدود ما يجعل الحكومة تخالف القانون أو تفتح بابًا لتأجيل الانتخابات، والسؤال: ماذا في خلفيّة بري؟ وما يحصل معيبٌ بحقّ العمل التشريعي في البلد؟".
من جهته، كتب رئيس الحزب التقدميّ الاشتراكيّ السابق وليد جنبلاط، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس":في السياسة طرق عديدة في المقاربة والتفاوض امر مشروع. وفي هذا المجال فان اختيار السفير سيمون كرم يشكل نقلة نوعية في مرحلة من ادق الظروف التي يمر فيها لبنان الذي يواجه تحديات مزدوجة في استعادة السيادة في الداخل وفي الجنوب المحتل لبنان..
