لا يحتاج اللبنانيون إلى خيال واسع كي يفهموا ماذا يعني أن تقوم ورشة تزفيت وصيانة وتأهيل الطرق قبل ساعاتٍ من زيارة قداسة بابا الفاتيكان. يعرفون جيدًا أن هذا البلد لا «يستيقظ» فجأة من سباته العميق لتنشيط السياحة، ولا احترامًا للمغتربين الذين تُنهب أموالهم بلا خجل، ولا حرصًا على هيبة الدولة في عيون الزوار المهمين، وعلى رأسهم الحبر الأعظم.
يعرفون أنّ هذا «الحراك الإنمائي الخاطف» ليس سوى نسخة جديدة من قاموس طويل في الغشّ والخداع والضحك على الناس. فالمشهد نفسه يتكرر منذ عقود: دولة تهبّ لنفض الغبار عن وجهها في اللحظة الأخيرة فقط، كي «تبيع نظافة مصطنعة» أمام الكاميرات، قبل أن تعود إلى غرَقها المستدام: حروب ودمار، خروج عن القانون، فساد معمَّم، انهيار شامل، عجز واضمحلال.
وسط ذلك، قد تبدو ورشة الزفت تفصيلًا بسيطًا، لكنه يعكس، مرة جديدة، أزمةً أعمق من مشاريع صيانة آنية: أزمة إدارة، وأزمة أولويات، وربما قبل كل شيء، أزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها.
فالزفت الذي سال على طرقات استقبال البابا ليس إلا طلاء رقيقًا فوق بُنىً متهالكة. تخفي تحته الدولة مراوغة خطيرة في ملفّات لا تُقارن بالحُفَر الغارقة في الإهمال وسوء الإدارة، ولا ببقع الإسفلت الذي رقَّعها. مراوغةٌ تتعلق بأمن البلد ومستقبله ووجوده، وبالحفرة العميقة التي يقبع فيها وينتظرُ من حكومته إخراجه منها كما وعَدَت.
فبينما تنشغل الحكومة بتقديم صورة زائفة عن انتظام المرافق، تواجه البلاد لحظة سياسية دقيقة تتطلّب مقاربة مختلفة تمامًا، تبدأ من الملف السيادي، وتمتد إلى الإصلاحات المالية والإدارية، وصولًا إلى الاستحقاق الانتخابي المنتظر في ربيع 2026.
تباطؤ مدروس؟
منذ تشكيل الحكومة الراهنة، كان تنفيذ القرار 1701 ومندرجاته في صلب التزاماتها الداخلية والخارجية. فالقرار ليس مجرد صيغة تفاوضية بقدر ما هو التزام سيادي، يُفترَض أن يعيد للدولة دورها الكامل في السيطرة. فهو بوضوح، ومهما اختلفت العبارات والترجمات والملاحق، يدعو إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وتسلُّم منشآته ومخازن أسلحته وصواريخه والخنادق والأنفاق، في جنوب نهر الليطاني كمرحلة أولى، ثم توسيع ذلك ليشمل باقي لبنان تدريجيًا، ولكن ضمن خطة واضحة، استجابةً لتعهّد الدولة باستعادة قرار الحرب والسلم، من أجل حماية لبنان مستقبلًا من أي مغامرات تدميرية جديدة تنتظرها إسرائيل «الجديدة» عل أحرّ من الجمر.
لكن المتابعة الدقيقة للمشهد تُظهر أن التقدم على هذا المحور يكاد يكون محدودًا، ودون الطموحات. فقيادة الحزب ليس فقط لم تسلّم خرائط المنشآت إلى الجيش اللبناني حتى يتجنّب خسائر في أرواح جنوده، إنما تُجاهر ليلَ نهار أنها لن تسلّم سلاحها للجيش، وأنها «تتعافى» وتعيد بناء قطعاتها العسكرية والتنظيمية. وقد هدّدت في وقت سابق رئيس الحكومة شخصيًا لإصراره، قولًا، على تنفيذ بيان حكومته، التي للمفارقة يشارك فيها الحزب إلى جانب «أخيه الأكبر» بكافة المقاعد المخصَّصة للطائفة الشيعية.
في المقابل تكثر تصريحات رئيسَي الجمهورية والحكومة «الإيجابية» تجاهه. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة أو رغبتها، أو كلتيهما، على الانتقال من مرحلة التطمينات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ولكن التباطؤ ليس صدفة. إنه نهج سياسي متكامل: اللعب على الوقت، انتظار تبدّل الرياح، توزيع الوعود على المجتمع الدولي، وبيع «النوايا الحسنة» للعواصم المعنية، مع احترام الخطوط الحمراء التي رسمها الحزب وفرَضها على الدولة.
اللعب على الحافة
يتزامن هذا التباطؤ مع معطيات إقليمية متزايدة التعقيد، ومع رسائل واضحة من إسرائيل بأنها متجهة إلى تصعيد عسكري كبير مع لبنان، وأن أي حرب قادمة قد لا تستثني مؤسسات حكومية، كَون الدولة اللبنانية، بكافة أجنحتها، تتبنّى، بحسب زعمها، سردية الحزب في أغلب الأحيان.
اللافت أن واشنطن، عبر سفيرها الجديد في لبنان، لم تُخفِ احتمال امتناعها هذه المرة عن لجم إسرائيل إذا قررت توسيع دائرة العمليات، وهو تطور بالغ الدلالة، خصوصًا أنه يعكس نفاد صبر دولي من كلام الحكومة المعسول.
في الشارع اللبناني، يسهل رصد قلق كبير من أن تكون زيارة البابا بمثابة «مهلة أخيرة». فالناس لا تكفّ عن التساؤل: الآن وقد غادر قداسته متى تبدأ الحرب من جديد؟
لم تعُد المخاطر نظرية. والمعادلة أصبحت واضحة: كلما تأخرت الدولة في تثبيت سلطتها، ازدادت احتمالات أن تجد نفسها في قلب مواجهة لا تملك لا إدارتها ولا تبعاتها.
فأخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس الحرب بحد ذاتها، بل غياب الدولة عن قرار السلم والحرب، الذي ادّعت استرداده. في حين تتحمل هي والشعب اللبناني كله نتائج أي ضربة، لأنها هي الجهة التي التزمت أمام العالم، ولأن «العالم» منهمكٌ في ترتيباته للمنطقة ولن يدع لبنان أو حزبًا فيه يخرّبها أو حتى يعيقها.
«احتواء السلاح»… آخر صيحات الابتكار السياسي
بدلاً من تنفيذ اتفاق الطائف والقرارات الدولية، وخطاب القَسَم والبيان الوزاري، ابتكرت الحكومة مؤخرًا موّالا جديدًا: «احتواء السلاح شمال الليطاني». بمعنى آخر: سندفن رأسنا في التراب، نُخفي المشكلة، لا نحلّها، ونطلب من العالم التصفيق لبراعتنا.
هذا خطاب خطير لسبب بسيط: إنه يعترف ضمنيًا بشرعية سلاح الميليشيا، وباستمراره، وبحقه في الوجود خارج سلطة الدولة، شرط أن لا يظهر أمام الكاميرات! كأن المشكلة في الصورة، وليس في الواقع. كأن السيادة مسرحية، يكفي أن نُطفئ الضوء على السلاح حتى يتبخر.
هكذا تتحول الحكومة، عن قصدٍ أو عن عجز، إلى شريك مباشر في تجميد الدولة، وتثبيت واقع السلاح الموازي، وإعادة تدوير الذرائع القديمة التي دمّرت لبنان على مدى 30 عامًا.
هذا الطرح لا يشكّل مَخرجًا حقيقيًا، بل يؤجل المشكلة ويقلل من جدية التعهدات الرسمية أمام المجتمعَين الدولي والعربي. إذ إن أي معالجة جزئية أو تجميلية للملف لن تكون مقنعة، لا داخليًا ولا خارجيًا، ولن تخفّف من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عنيفة مفتوحة.
وهنا نسارع إلى القول أن المطلوب من الحكومة ليس إرسال الجيش للصدام مع الميليشيا «الباليستية»، المتسلّحة أيضًا بسواتر «أهلية». ولكن أقلّه الاعتراف بعجزها عن إتمام تعهّداتها، والطلب من الحزب، المُصرّ على التمثّل فيها إلى جانب شريكته حركة أمل، الانصياع لما وقّع عليه والتحضّر لمرحلة ما بعد السلاح بدّل الاستمرار في إطلاق تهديداته يمنة ويسارًا.. ولكن بالتأكيد ليس جنوبًا.
فالتنصّل من تلكؤ الحزب وعدم تغطيته قد يشجّع الحزب على لبننة قراره والانخراط في خطة قد تحفظ له دورًا سياسيًا مستقبلًا. بينما سياسة الاحتواء ستؤدي إلى مزيدٍ من غطرسة الحزب وسقوطه وسقوط الدولة معه.
خلاصة الأمر: لبنان اليوم يحتاج إلى مقاربة شاملة ومباشرة لهذا الملف، لا إلى حلول وسط تُبقي الوضع معلّقًا وتزيد اعتماد البلاد على تفاهمات مؤقتة تؤجّل فعليًا وعمليًا كل خطط النهوض والتعافي التي تأمّل اللبنانيون أنها وُضعَت على السكّة بعد طول انتظار.
إصلاحات سلحفاتية
لا يقتصر التباطؤ على الجانب السيادي. فالملفات الإصلاحية التي شكّلت أساسًا لثقة المجتمَعين الدولي والعربي، وثقة صندوق النقد، ما تزال تتحرك بوتيرة بطيئة جدًا.
صحيح أن بعض الخطوات القانونية والإجرائية قد أُنجزت، لكن المشهد العام لا يزال بعيدًا عن إعطاء اللبنانيين، والخارج، الانطباع بأن البلاد تتجه فعلًا نحو خطة تعافٍ شاملة. الصورة العامة لدى معظم اللبنانيين واضحة: إننا نراوح مكاننا.
كانت الحكومة واعدة نسبةً للحكومات السابقة. ولكننا اكتشفنا أننا ما زلنا أمام المزيد من الشيء نفسه. جرِّبوا المقارنة في أي قطاع وأي وزارة: مالية، كهرباء، ماء، أشغال، داخلية، خارجية، صحة، ثقافة، صحة، تربية، عمل، زراعة، اقتصاد، إعلام، اتصالات، الخ.. لا داعي للتفصيل وزيادة سطور المقال: إنجازات تقارب الصفر!
تنفخ صدرها عوض التشمير عن سواعدها
قد تبدو ورشة تزفيت الطرقات حدثًا ثانويًا، لكنها تكشف الكثير عن أسلوب عمل الدولة: الاستجابة السريعة للمتطلبات الشكلية، مقابل بطء أو تردد أو تلكؤ في الملفات الأساسية التي تُحدّد مصير البلاد في السنوات المقبلة.
لبنان يقف اليوم أمام استحقاق سيادي لا يحتمل التأجيل، واستحقاق إصلاحي لم يعد ممكنًا تجزئته، ومن ضمنه استحقاق انتخابي يحتاج إلى جرأة سياسية كي يكون شفافًا وعادلًا وفعّالًا.
الانجاز الحقيقي لا يكون في تلميع صورة الدولة أمام زائر كبير، ولو كان رأس الكنيسة في العالم. بل في العمل المتواصل، كما كرّر قداسته على مسامعها، لتجنيب البلاد حربًا جديدة مدمّرة باتت طبولها تصُمُّ الآذان، فيما نكبات الحرب السابقة وكوارثها ما زالت جاثمة أمامنا. وفي انتشالها من حفرة الفساد واللصوصية والمحسوبية والانهيار المالي والاقتصادي المبرمَج التي تدفع خيرة الشباب إلى الهجرة.
فلبنان لا يحتاج إلى دولة تنفخ صدرها بل إلى دولة تشمِّر عن ساعديها!
