خلال الزيارة الأخيرة للبابا إلى بيروت، بدا الهواء مثقلاً بسؤال أكبر من الاحتفاء الروحي. بدا كأن لبنان، بكل أزماته المتراكمة، يقف أمام لحظة محاسبة وجودية: ماذا يبقى من وطن حين تتهشّم بناه السياسية؟ وما الذي يبقى من جماعة حين تتعرّض هويتها للاهتزاز؟ جاءت الزيارة كجرس يوقظ الذاكرة، ويحثّ المسيحيين -والموارنة خصوصاً- على إعادة النظر في موقعهم ودورهم داخل وطن لم يعد يشبه الصورة التي حملوها عنه يومًا.
لبنان ليس بلدًا يسير في خطّ مستقيم. إنه وطن يولد كلما سقط، كأن أزماته جزءٌ من طريقة تشكّله. كيان يعيش بين ما كان وما يمكن أن يكون، بين خوف الجماعات ورغبتها في البقاء. وفي هذه المساحة المعلّقة، كان حضور المسيحيين تاريخيًا أشبه ببوصلة تُشير إلى معنى -الدولة، الحرية، التعليم، الانفتاح- أكثر مما تشير إلى حدود جغرافية. لم يكن دورهم وليد مصادفة، بل نتيجة اختيار وجودي: أن يحملوا الفكرة قبل الخريطة. أن يحلموا بلبنان لا كمساحة تُسكن، بل كمشروع يُعاش. لذلك أرادوه وطنًا يكون فيه الإنسان أثمن من الأرض، والعقل أقوى من الغريزة، والحرية أعمق من الخوف. في مؤسساتهم وتعليمهم وحضورهم العالمي، لم يكن المسيحيون يبنون نظامًا، بل يبنون معنى لحضورهم. وكأن الجبل نفسه كان مساحة للتفكير: هل نختبئ فيه؟ أم نجعله نافذتنا إلى العالم؟ اختاروا الثانية، فصار الجبل منصة انطلاق لا عزلة.
لكن السياسة لا ترحم مَن يتجاهل قوانينها. وقد تعلّم المسيحيون، خلال السنوات الصعبة، أن القوة قد تعمي، وأن الخوف قد يقود إلى خيارات قصيرة النظر، وأن الانكفاء داخل الطائفة لا يحمي أحدًا في بلد قائم على التعدد. انخرطوا أحيانًا في تحالفات فرضتها اللحظة، فخسروا القدرة على التأثير. وفي أحيان أخرى، حاولوا حماية حضورهم بدل حماية مشروع الدولة، فوجدوا أنفسهم أمام تراجع مزدوج: في النفوذ، وفي الفكرة.
اليوم، لا يكمن التحدي في ما خسره المسيحيون، بل في ما يمكنهم المساهمة به في إعادة بناء لبنان سياسيًا وفكريًا. فالأدوار لا تموت، بل تتغيّر طبيعتها، لا تُستعاد كما هي، بل يُعاد تشكيلها وفق حاجات اللحظة. والمسيحيون لا يزالون قادرون على إعادة وصل ما انقطع بين الجماعات، لا بوصفهم طائفة، بل بوصفهم طرفًا راكم خبرة طويلة في تخيّل الدولة كحاضنة وحيدة لقلق الجماعات الوجودي. وذلك عبر إعادة لبنان لدوره الطبيعي: بيئة تستمد قوتها من قدرتها على إحياء التنوّع، وعبر بناء تحالفات وطنية واسعة تتجاوز الطوائف، لأن الضمانة الوحيدة للمستقبل تُصنع بين الجماعات، لا داخل كل جماعة بمفردها.
لبنان هذا الكيان الذي يتشكّل ولا يكتمل، يحتاج اليوم إلى من يوازن بين عمق الفكرة وواقعية السياسة، بين سؤال الوجود ومتطلبات الدولة. يحتاج إلى من يعيد صياغة سبل النجاة، لا كترفٍ مجازي، بل كضرورة سياسية.والمسيحيون، كما خطّوا الصفحة الأولى من الحكاية، قادرون اليوم على المساهمة في رسم بدايتها الجديدة…
