طوبى لفاعلي السلام: ورقة مسيحية تحاكي دعوة البابا

غادة حلاويالأربعاء 2025/12/03
Image-1764583227
موضوع السلام سيفتح على مصراعيه بعدما أمن البابا المظلة التي ستستظل بها القوى السياسية (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكد طائرةُ البابا لاوون الرابع عشر تقلع من مطار بيروت الدولي باتجاه روما، حتى سُمِع صوتُ المُسَيَّرة الإسرائيلية يحلّق في سماء ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب. هدوءٌ نسبي رافق زيارة البابا، فتراجعت حدّةُ العدوان الإسرائيلي وبقيت تهديداته بوتيرة متصاعدة . أما وقد غادر فقد عاد القلق من توسيعٍ محتمل للضربات على لبنان.

زيارةٌ دينية حملت في يومها الأخير رسائل سياسية ودعوات للسلام: «لِتَتَوَقَّف الهجمات والأعمال العدائية»، قال البابا ، وتابع: «لا يظُنَّ أحدٌ بعد الآن أنّ القتالَ المسلّحَ يَجلِبُ أَيَّةَ فائِدَة. فالأسلحةُ تقتل، أمّا التفاوض والوساطةُ والحوارُ فتَبني. لِنَختَرْ جميعًا السّلامَ، وليَكُنِ السّلامُ طريقَنا لا هدفًا فقط!».

 

لم يسمِّ البابا الأشياء بأسمائها ، فالجنوب «يعيش بصورةٍ خاصّة حالةً من الصراع وعدم الاستقرار»، وبهذا استعاض عن مصطلح الحرب بعبارتي «الصراع وعدم الاستقرار»، ودعا إلى وقف الهجمات والأعمال العدائية دون أن يحدّد من المعتدي ومن المعتدى عليه. ضبابيّةٌ متعمّدة لامس فيها البابا الواقع من دون أن يُنصف المعتدى عليه.

 

خلفيات مواقف البابا

غير أنّ كلام البابا العمومي فسّره في حديثٍ صحافي على متن الطائرة التي أقلّته إلى روما، فأعلن «أن تحقيق السلام المستدام ممكن»، وأنه بدأ «بالفعل، ولو بخطوات صغيرة» لتحقيق ذلك، ومن خلال «بعض المحادثات مع عدد من القادة»، واعداً بالقول: «سأواصل القيام بذلك، لأن لدينا علاقات دبلوماسية مع مختلف البلدان في المنطقة». كما كشف عن اقتراحٍ من الكنيسة لحزب الله «بأن يتركوا السلاح ويسعَوا إلى الحوار».

 

وبذلك يكون البابا قد ردّ على الكتاب الذي وجّهه حزب الله إلى السفارة البابوية عشية وصوله، وعلى الرسالة التي تسلّمها من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وفيها: «إننا لسنا من هواة حمل السلاح والتضحية بأبنائنا، ونضع قضية لبنان بين أيديكم لعلّ العالم يساعد بلدنا على الخلاص من الأزمات المتراكمة وفي طليعتها العدوان الإسرائيلي».

 

وإذا كان البابا قد أوصى الجميع بالسلام واعداً بالعمل على تحقيقه لأجل لبنان بالطرق الدبلوماسية، فإن ثمة في لبنان من تلقّف الرسالة فور إعلانها وينوي العمل بوصايا البابا. وتكشف مصادر سياسية مطلعة عن توجّه لدى فئة من القوى الحزبية المسيحية للشروع في تطبيق وصايا البابا في موضوع السلاح وإعداد وثيقة تعزّز الدعوة للسلام والعمل على تحقيقه، خصوصاً وأن الجو العام في المنطقة يميل في هذا الاتجاه.

 

وقبل وصول البابا، كان البطريرك الراعي قد بادر إلى القول إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ضرورة، من دون أن يعني ذلك التطبيع. والمناخ التفاوضي استُكمل بخطوة تنفيذية بتسمية رئيس الجمهورية،  تسمية شخصية سياسية لتمثيل لبنان لدى "الميكانيزم".

 

موضوع السلام سيفتح على مصراعيه

وتقول المصادر المتابعة إن موضوع السلام سيفتح على مصراعيه بعدما أمّن البابا المظلّة التي ستستظلّ بها القوى السياسية للعمل على ذلك، رافعةً شعاره: "طوبى لفاعلي السلام".

 

يأتي هذا كله بالتزامن مع ضغطٍ أميركي–إسرائيلي متصاعد لدفع لبنان نحو مسار تفاوض سياسي مباشر، وهو ما أعاد إلى الواجهة فكرة "السلام" في بعض الأوساط المسيحية، وإن بقيت هامشية مقارنة بالموقف الرسمي الذي لا يزال بعيداً عن أي اندفاعة تطبيعية.

 

في الأساس، ينقسم الموقف المسيحي حيال فكرة السلام إلى أكثر من رأي:

 

1. بكركي

توازن بين سيادة الدولة والانفتاح المشروط. فالتقليد السياسي للبطريركية المارونية يميل دائماً إلى الموقع السيادي: حدود واضحة، دولة موحّدة، وحصرية السلاح. ومع ذلك ظهرت في السنوات الأخيرة إشارات إلى قبول "مبدأ التفاوض" إذا خدم استقرار لبنان وحمى حدوده، شرط أن يتم ذلك في الإطار الدستوري وتحت سقف المصلحة الوطنية.

 

2. الأحزاب المسيحية الكبرى ولها مقاربات مختلفة:

 

أ. اتجاه براغماتي – تحوّطي (القوات اللبنانية ، الكتائب وشخصيات مستقلة)

لا يرى الحوار مع إسرائيل محرّماً نظرياً، بل مشروطاً بإطار رسمي شامل يحفظ السيادة اللبنانية ويعالج قضايا أساسية كالحدود واللاجئين والاعتداءات المتكررة. يستعمل لغة هادئة: لا يطرح «سلاماً» بالمعنى التطبيعي، لكنه لا يرفض التفاوض إذا كان جزءاً من استراتيجية أمن لبناني شامل.

 

ب. اتجاه سيادي -متحفّظ (التيار الوطني الحر ، المردة وشخصيات رئاسية سابقة)

يتحدث عن السلام من بعيد، ويربطه بـ"شروط موضوعية" غير متوافرة حالياً: حلّ ملف الحدود البرية، وقف الخروقات، استعادة الحقوق، ووجود دولة قادرة على التفاوض من موقع قوة.

 

ج. اتجاه رافض صريح لأي خطوة سياسية مباشرة

يرى أن أي تفاوض سياسي مباشر سيُقرأ كتطبيع مجاني، ويُضعف ورقة لبنان التفاوضية، ويُقحم البيئة المسيحية في صدام داخلي لا ضرورة له. هذا التيار، رغم صوته العالي، ليس الأغلبية لكنه جزء ثابت من المشهد.

 

هل ينجح البابا؟

وبالرغم من تنوّع المواقف الداعية أو غير المعارضة، يبقى الحذر لصيقاً بالدعوات إلى السلام والتطبيع لاحقاً، لأسباب أبرزها: الخوف من الانقسام الداخلي، إدراك أنّ السلام ليس مسألة مسيحية بل لبنانية–إقليمية، وأن أي تفاوض مباشر من دون توافق وطني شامل قد ينسف التوازنات الداخلية. والأهم، الخشية من تحميل المسيحيين مسؤولية خيار بهذا الحجم.

ترى بعض القوى المسيحية في الضغط الأميركي فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة وتقوية الجيش، فيما ترى أخرى أنه ضغط غير متوازن يمهّد لتسوية على حساب لبنان.

هنا يبرز الفارق: جزء يقرأ التفاوض كنافذة لإنهاء حالة استنزاف طويلة، وجزء يراه مشروع تفكيك لما تبقى من الردع اللبناني. وحتى اليوم لم يقدّم أحد صيغة "سلام مباشر" جاهزة أو علنية؛ كل المواقف تتحدث عن تفاوض مشروط، مدروس، يسبق التطبيع ولا يساويه. أما الوجدان المسيحي فلا يعادي فكرة السلام نظرياً، لكنه لا يراها قابلة للحياة قبل قيام دولة قوية، وحلّ القضية الفلسطينية، وإطار إقليمي مستقر.

 

ليس في لبنان "وهم سلام مسيحي" ولا "جبهة تطبيع"؛ بل مجموعة قراءات سياسية تختلف في الأسلوب وتتقاطع في النتيجة:

لا سلام من دون دولة، ولا تفاوض من دون شروط، ولا مبادرة أحادية من دون إجماع وطني. وبذلك، يبقى موقع المسيحيين في هذا الملف أقرب إلى مقاربة لبنانية للدولة منه إلى مقاربة طائفية، مع إدراكٍ واضح بأن أي اتفاق لا يصدر عن الدولة اللبنانية ككل لن يُكتب له الاستمرار.

 

فهل ينجح البابا لاوون الرابع عشر في فتح باب السلام بعد وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان؟ وما الجدوى من أي دعوة مسيحية للسلام ما دام لبنان كرّر مراراً على لسان رئيسه استعداده للتفاوض، ولم يلقَ جواباً واضحاً من الأميركي أو الإسرائيلي، بل إن إسرائيل تلوّح بالعدوان على مرأى ومسمع الولايات المتحدة وفرنسا والبابا لاوون، من دون أن تسمع لوماً أو تجد من يوقفها عند حدّها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث