استفاق اللبنانيون اليوم على خبرٍ مفاده «"بيانٌ مهم يصدر بعد قليل عن رئاسة الجمهورية"، ليتّضح لاحقًا ارتباط هذا البيان بملف المفاوضات ولجنة "الميكانزيم"، بعدما تَقَرَّر تكليفُ السفير السابق، المحامي سيمون كرم، ترؤسَ الوفد اللبناني إلى اجتماعات اللجنة نفسها، وقيل إن القرار اتُّخذ بالتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام.
وقد أثار البيان موجةً من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مناصري حزب الله، وكان اللافت فيه وضعُ عبارة "التشاور مع الرئيس بري"، ومن المعروف أن موقف بري واضح: تفاوضٌ غير مباشر، مبني على ضرورة انسحاب إسرائيل ووقف العدوان وتحرير الأسرى.
فهل فُسّر البيان بطريقة خاطئة؟ وما دور عين التينة، وهي الجهة التي إن تكلّمت اليوم، كأن شيعة لبنان تتكلّم؟ فهل هناك رضا عن خطوة الرئاسة الأولى؟
موقف الرئاسة الثانية
مصادر في أجواء الرئاسة الثانية قالت لـ"المدن" إن القرار اتُّخذ من السلطة التنفيذية، وليس من السلطة التشريعية، ورئيس الجمهورية هو الذي أصدره وليس الرئيس نبيه بري، وما طُرح عن التشاور وكأنه قبولٌ من بري ليس دقيقًا. إلا أن المصادر تؤكد أنه لن يكون هناك أخذٌ وردّ مع الرئاسة الأولى في هذا الأمر، ولا استباق للأمور في الوقت الحالي.
وتضيف المصادر أن رئيس مجلس النواب كان قد قال في لقاءات صحافية سابقة إنه لا يمانع توسّع الميكانيزم لتضمّ تقنيين إذا ما كان الموضوع يحتاج إلى ذلك، وذلك بطلب من الجيش اللبناني، دون أن يعني ذلك أي مبادرة نحو الذهاب إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل، أو خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات معها وفتح مجالات تعاون اقتصادي، كما حاول أن يروّج رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عبر مكتبه.
لذا تنظر عين التينة إلى المسألة من نية حسنة تهدف إلى تهدئة الأوضاع، دون الذهاب إلى أي شكل من أشكال التطبيع المرفوض كليًا. وتضيف المصادر، "وعلى شكل تأكيد المؤكّد"، إن فكرة تطبيع العلاقات والتفاوض المباشر مرفوضة بشكل كامل، نظرًا لما يمثّله الرئيس بري من دور مقاوم باعتباره رئيسًا لحركة أمل التي أسّسها الإمام موسى الصدر، ووضع في أولى أولوياتها العداء مع إسرائيل باعتبارها شرًا مطلقًا والتعامل معها حرامًا.
وفيما يتعلّق بما حاول البعض ترويجه عن تنازل من قبل الرئيس بري نظرًا لتعقيد الأوضاع، تؤكد المصادر أن بري، وفي ظل الاحتلال سابقًا ووقوف الجميع في وجه المقاومة، وقف وواجه التطبيع وأسقطه، وهنا الإشارة تعود إلى اتفاق 17 أيار.
وبالتالي، لا حاجة للرد، وعلينا عدم استباق الأمور والتروي لتبيان حقيقة الاتجاهات التي ستسلكها التطورات. فالهمّ الأساسي للرئيس بري هو وقف العدوان، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار، وعودة الجنوبيين إلى قراهم، والمحافظة على كلّ الأراضي اللبنانية دون أي قبول بالتنازل أو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
تجربة ترسيم الحدود البحرية
وتستشهد المصادر بما حصل في عهد الرئيس ميشال عون خلال ترسيم الحدود البحرية، إذ شارك كل من وسام شباط ونجيب مسيحي كشخصيتين مدنيتين تقنيتين احتاجت إليهما المفاوضات، دون أن يعني ذلك أي قبول بمبدأ التطبيع. وإذا كان البعض يعتبرها خطوة أولى باتجاه هذا الأمر، فهو مخطئ.
تعميم مسرب!
وكان لافتًا بيانٌ تمّ تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي صادر عن المكتب السياسي في حركة أمل، ومضمونه: "الأخوات والإخوة الأعزاء… تحية أمل وبعد… بناءً على توجيه دولة الأخ الرئيس نبيه بري يُطلب إلى الجميع عدم التعليق مطلقًا على البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية والمتعلّق بتعيين السفير السابق سيمون كرم رئيسًا لبنانيًا إلى لجنة الميكانزيم".
وفي هذا الإطار، علمت "المدن" أن هذا لم يكن بيانًا موجّهًا للإعلام أو للرأي العام، بل تعميمًا داخليًا مخصّصًا للمنظمين في حركة أمل، لعدم فتح أي سجال عبر مواقع التواصل حول موضوع تعيين مدني في لجنة الميكانيزم، كي لا يُعدّ موقفًا صادرًا عن الحركة، سواء لناحية الرفض أو القبول، ولعدم فتح باب الجدالات والنقاشات مع الرئاسة الأولى التي يمثّلها الرئيس جوزاف عون.
وقد جمع الأخير بالرئيس بري موقف طريف يوم أمس، دون أن يعني ذلك توافقًا مطلقًا في كل الآراء. وبالتالي، فإن التعميم المسرّب يعكس توجّه الحركة ومن خلفها الرئيس بري بعدم فتح أي باب للنقاش في الوقت الحالي، لا سلبًا ولا إيجابًا، بانتظار اتضاح مسار الأمور.
وكان اعتراض البعض على الاسم وليس على المبدأ، باعتبار أن الشخصية المعيّنة لا تتوافق، وفق رأيهم، مع خيارات المقاومة وتميل إلى الجانب الآخر داخليًا. إلا أن ذلك لا يعني أن بإمكان أي شخصية التصرف وفق أهوائها في التفاوض، بل وفقًا للمصلحة اللبنانية العليا والضوابط الموضوعة.
التعقيدات الإقليمية… والموقف الرافض للتطبيع
نعم، الأمور تتغير، والأوضاع معقدة، والتهديد بتصعيد محتمل مع لبنان قائم. لكن ذلك، برأي مكوّن أساسي في البلد، لا يمكن أن يجرّ الوطن نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
فمن يفكّر اليوم في هذا الأمر، وهناك أراضٍ محتلة، ودماء شهداء لم تبرد، وآلام جرحى لم تُشفَ، وأسرى لم يعودوا بعد إلى تراب بلادهم؟
