سؤال أساسيّ يُطرح في الآونة الأخيرة، هل ما يشهده مجال مكافحة تجارة المخدرات من مداهمات وكشف عمليات تهريب كبرى مجرد عمليات عابرة أم أنه قرار سياسي بشن حربٍ غير معلنة على تجار المخدرات ومعامل صناعتها؟
ليس من الصعب التكهن بالإجابة. فما يحصل منذ أشهر على هذا الصعيد يؤكد أن الدولة اللبنانية اتخذت قراراً بإعلان "الحرب" على تجارة المخدرات. لم يكن ممكناً تصوير مقطع الفيديو ذي الثواني المعدودة لقوة من الجيش وهي تلقي القبض على "بارون المخدرات" نوح زعيتر، قبل عامٍ من اليوم.
كذلك لم يكن في الوارد أن نتابع خبرًا يفيد باستهداف "امبراطورَيْ الكوكايين" علي منذر زعيتر، الملقب بـ"أبو سلّة" وشريكه عباس علي سعدون زعيتر.
لكن ذلك حصل بالفعل، ومردّه إلى ظروفٍ سياسية جديدة وعقل جديد يحكم دائرة القرار السياسي في لبنان. أرخت المتغيرات في المنطقة، وفي مقدمها تهاوي نظام بشار الأسد في سوريا، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، ظلالها على دفع السلطات اللبنانية إلى اتخاذ قرارها بملاحقة شبكات تصنيع وتجارة المخدرات العابرة للحدود.
تنسيق إقليمي
بحسب معلومات "المدن" فإن تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية اللبنانية مع الأجهزة الأمنية في المملكة العربية السعودية وسوريا والعراق، ساهمت بشكلٍ كبير في ضربِ هذه الشبكات. إذ أسفر التنسيق اللبناني السعودي عن إحباط العديد من محاولات تهريب حبوب الكبتاغون إلى منطقة الخليج العربي. كثيرٌ من هذه العمليات لم يتم الكشف عنه إعلاميًا لاعتبارات تتعلّق بملاحقة الشبكات الكبرى.
لكن المصادر تؤكد أن ما صادرته الأجهزة المعنية في لبنان من جيش وقوى أمن وأمن الدولة يُقدر بمئات الملايين من حبوب الكبتاغون المخدرة، بالإضافة إلى تفكيك ما يُعرف بـ"سكك التهريب" عبر المعابر البرية مع سوريا ومطار رفيق الحريري الدولي ومرفأي بيروت وطرابلس.
واحدة من العمليات البارزة كانت إحباط الشرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي محاولة تهريب 8 ملايين حبة كبتاغون في منتصف تشرين الثاني الماضي. تمت هذه العملية على إثر توافر معلومات لدى وزارة الداخلية السعودية أبلغتها إلى مكتب مكافحة المخدرات في الشرطة القضائية، وأسفرت بعد التحقيق عن توقيف المتورط الأساسي بهذه الشحنة في منطقة الضنية شمال لبنان.
كذلك أسفرَ التنسيق اللبناني - الإقليمي عن ضرب وتفكيك العدد الأكبر من معامل التصنيع الأساسية في منطقة البقاع، وتحديدًا في سهل بوداي ومحيطه، وبعض مناطق البقاع الشرقي. وساهم تبادل المعلومات اللبناني – السوري عن تفكيك معامل كبتاغون في بلدات وقرى القلمون السوري وريف القصير وبعض أحياء الساحل وحمص.
كان تفكيك المعامل وضربها نتيجة تنسيق أمني لبناني – عراقي، عبر المخابرات العراقية وجهاز أمن الدولة اللبناني ومديرية المخابرات في الجيش. كذلك زود الجانب السوري لبنان بمعلومات وافرة حول المصانع بعد توقيف عدد من المتورطين بتجارة المخدرات في سوريا من المقربين من بشار وماهر الأسد.
العراب ماهر الأسد
تلك المعامل التي كان النظام السابق، وتحديدًا الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس المخلوع، تستعملها بالتنسيق والتعاون مع تجار ومهربين لبنانيين وسوريين من أجل تحصيل ما يسمّى بالـ"EASY MONEY". كما كان نظام الأسد يستعملها التهريب كأداة ابتزازٍ سياسي لدول المنطقة.
وفي سوريا أيضاً، أدى تبادل المعلومات بين بيروت ودمشق خلال الأشهر الأخيرة إلى اعتقال أحد أبرز تجار المخدرات السوريين، وهو وسيم الأسد، ابن عم بشار الأسد، وذلك في شهر حزيران الماضي بعدما وقع في كمين لقوات الأمن العام السوري في منطقة تلكلخ الحدودية بين لبنان وسوريا.
هكذا قلب سقوط الأسد موازين "لعبة المخدرات" في لبنان وسوريا، بعدما تحولت سوريا في السابق إلى ملاذٍ آمن لتجّار المخدرات اللبنانيين، الذين كانوا يلوذون إلى الداخل السوري في كل مرة يشعرون فيها بإمكان سقوط أحدهم في لبنان. وكان ماهر الأسد يستضيفهم في منزله في منطقة يعفور في ريف دمشق. وكان بعضهم يجول علنًا بسلاحه الظاهر في أحياء العاصمة دمشق، ما يؤكد عمق العلاقة التي أقامها آل الأسد مع تجار المخدرات.
وبعد سقوط الأسد، لم يعد باستطاعة هؤلاء التجار ومصنعي حبوب الكبتاغون والمهربين أن يلوذوا إلى داخل سوريا. إذ بدأ الحكم الجديد من الساعات الأولى لسقوط بشار الأسد بمداهمة مواقع الفرقة الرابعة حيث عثر على مئات الملايين من حبوب الكبتاغون ومئات الكيلوغرامات من الكوكايين وأطنان الحشيشة التي كان النظام يعدها للتصدير إلى دول المنطقة.
التعاون يفك الحظر
وظهرت أولى نتائج التعاطي اللبناني الجدّي مع مكافحة المخدرات من خلال ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤول سعودي قوله إنّ "المملكة عازمةٌ على تعزيز العلاقات التجارية مع لبنان في أقرب وقت، وتذليل العقبات التي تُعطل الصادرات اللبنانية إلى المملكة، بعدما أثبتت السلطات اللبنانية كفاية في الحد من تهريب المخدرات إلى المملكة خلال الأشهر الماضية". إذ ليس سرًّا أن تدفق المخدرات نحو المملكة ودول الخليج العربي كان السبب الأساسي لقرار الرياض بتقييد بعض الصادرات اللبنانية إلى الداخل السعودي.
فقد كان تجار المخدرات يعمدون إلى إخفاء حبوب الكبتاغون في الصادرات اللبنانية، مثل ما حصل أكثر من مرة، أكان في العام 2021 حين ضبطت شحنة كبتاغون معبأة في فاكهة الرمان وأخرى في البرتقال المصدر، وكان من أبرزها إحباط تهريب أكثر من 60 مليون حبة كبتاغون عبر شحنة مفروشات وأثاث، أوقف على إثرها تاجر المخدرات الشهير حسن دقو.
