ليس ما يجري اليوم حول السلاح الفلسطيني في لبنان تفصيلاً أمنيًا أو إجراءً عابرًا، بل هو فصل من خطة إقليمية تقوم على تجريد كل فصيل مسلّح من خارج أدوات الدول الأمنية من سلاحه. وهو إعلان هادئ عن نهاية مرحلة تاريخية امتدّت من عام 1969 إلى اليوم، كانت المخيمات الفلسطينية في لبنان طرفها الأساس. لكنه إعلان يحتاج في تطبيقه إلى نضوج ورويّة وحزم وحكمة في آن معًا. فقد دخل الإقليم برمّته مرحلة جديدة فرضتها تداعيات "طوفان الأقصى"، الذي جاء -بحسب إجماع المحللين- لتعطيل مسار التطبيع مع إسرائيل الذي تبنّته دول عربية عدة عبر اتفاقات أبراهام خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى، والسعي لاحقًا لضمّ ما تبقّى من دول المنطقة إلى هذا المسار وإنهاء القضية الفلسطينية برمّتها. وفي هذه الحدود نجح الطوفان في تعطيل عملية التطبيع، وباتت المبادرة العربية-الإسلامية التي تم تبنّيها في مؤتمري القمّتين في المملكة العربية السعودية عامي 2023 و2024 -أي ضمان مسار جدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة- المسار الوحيد للسلام مع إسرائيل. وهذا ما ظهر بوضوح في مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارتهما لواشنطن ولقائهما الرئيس ترامب.
طوفانٌ قلب الموازين وفرض متغيّرات عميقة، أبرزها اندلاع حرب الإبادة في غزة التي دمّرت القطاع وأدّت إلى سقوط ما يقارب المئة ألف شهيد إذا احتسبنا الجثث التي لم تُنتشَل، ومحاولة تهجير أهل غزة إلى مصر، ثم الاستفراد المنهجي بفلسطينيّي الضفة ومحاولة تهجيرهم إلى الأردن، وعمليات "البيجر"، واغتيال السيد حسن نصرالله ورفاقه المؤسسين، ثم سقوط نظام بشار الأسد الذي قطع الطريق الإيراني إلى المشرق وقلب الموازين الإقليمية كلها. سلسلة من المتغيرات القاسية فرضت نفسها على مسار صراع طويل مع عدوّ يقتل بلا حساب ويحتلّ ويقمع عبر منظومة فصل عنصري واضحة. ومعها باتت نتائج المعركة الأخيرة تُحتم طيّ صفحة استنفدت أدواتها التي أثبتت تفوّق العدو فيها، وفتح صفحة جديدة لمقاومة الاحتلال بأدوات مختلفة وأساليب مبتكرة. ولعلّ السلاح الفلسطيني في لبنان قد انتهت وظيفته وفقد بيئته وغطاءه وتراجعت الحاضنة التي كانت تبرّر وجوده فوق أرض لبنان.
وهكذا وجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد: هل يبقى أسير معادلات مضت، أم يدخل مرحلة تعالج جذور الخلل وتعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسلاح؟
لبنان بعد حرب الأسناد
الانتقال التاريخي الذي تشهده الساحة الفلسطينية عمومًا وفي لبنان خصوصًا يضع الدولة أمام مسؤوليات جديدة فرضتها الحرب الأخيرة و"حرب الإسناد" التي أعادت رسم حدود القوة داخليًا وإقليميًا. فلبنان يحتاج اليوم إلى ورشة استراتيجية -عسكرية وأمنية ودبلوماسية وثقافية- تعيد تعريف دوره وترميم حدوده وحمايتها، وتعزيز قدرته على صيانة وحدته وفرادته.
وقد تلقّى لبنان خلال عام 2024 ضربات متتابعة أضعفت قدرات حزب الله وقلّصت قبضته على ملف السلاح الفلسطيني الذي حظي لعقود بغطاء سوري مباشر عبر فصائل مثل “فتح الانتفاضة” و“القيادة العامة”. ثم تعزّز دور السلاح بحضور الجهاد الإسلامي وحماس إلى أن دخلت المقاومة الفلسطينية مرحلة جديدة مع اغتيال صالح العاروري داخل شقة كانت تُعد "آمنة" في الضاحية، وبدأت الحركة التفكير بحماية قادتها من خلال سفرهم إلى دول أكثر أمنًا وأقل تعرضًا للعدوان من لبنان.
وفي الحساب العسكري، حققت إسرائيل جزءًا من أهدافها عبر العمليات النوعية المتلاحقة ضد الحزب، وحققت نصرًا سياسيًا ومعنويًا عبر قتل قادة الصف الأول وفي مقدمهم الرجل الأكثر تأثيرًا في الإمساك بالأرض والناس: السيد حسن نصر الله.
أما لبنان كدولة وشعب فخرج من المعركة منهكًا ومستنزفًا وغير قادر على تحمّل أي حرب جديدة، وفُرضت عليه شروط أبرزها عدم السماح بأي سلاح خارج الدولة. هذه ليست قراءة سياسية، بل خلاصة فرضها الميدان والجغرافيا والمجتمع.
الموقف اللبناني محسوم… بلا غموض
ليس جديدًا طرح ملف السلاح الفلسطيني. فقد جرى ذلك في حوار عين التينة عام 2005، وعلى طاولة بعبدا عام 2006، وفي زيارات محمود عباس المتكررة، وخلال عهد الرئيس ميشال سليمان. لكن التنفيذ كان يتعطّل تحت وطأة النفوذ السوري، والغطاء الفصائلي، وضعف الدولة، واعتراض حزب الله. اليوم فقط بات التنفيذ ممكنًا: لأن الغطاء السوري تراجع، وقبضة حزب الله وهنت، والفصائلية تشققت، والمشهد الإقليمي تبدّل، ولبنان بات في وضع لا يحتمل استمرار هذا الواقع.
للمرة الأولى منذ 2005 يتكوّن موقف لبناني شبه جامع تجاه السلاح الفلسطيني، ولو بقي أقل إجماعًا حول سلاح حزب الله. لا أحد يريد مواجهة داخلية، لكن القناعة راسخة بأن استمرار السلاح داخل المخيمات لم يعد ممكنًا، وأن البيئة الإقليمية التي كانت تغطي الفوضى تلاشت، ومعها القدرة على استخدام لبنان كساحة مفتوحة.
وخلال زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة إلى بيروت في 21 أيار 2025، جرى الاتفاق على بدء عملية التسليم من مخيمات بيروت. وقد بدأ ذلك في آب 2025 ولو ببطء. الاتجاه أصبح واضحًا: تعزيز سيادة الدولة ووضع خريطة طريق تنهي السلاح غير الشرعي وتعيد الملف الفلسطيني إلى مساره المؤسسي.
رؤية أبو مازن: أربع نقاط تغيّر قواعد اللعبة
قدّم الرئيس محمود عباس رؤية مختصرة تقوم على توحيد المرجعية الفلسطينية تحت غطاء واحد هو السلطة الفلسطينية؛ وإنهاء وجود السلاح داخل المخيمات وخارجها؛ وتنظيم العلاقة مع لبنان على قاعدة دولة–دولة؛ وإسناد الأمن داخل المخيمات لجهاز الأمن الوطني الفلسطيني بالتنسيق مع الدولة اللبنانية. لكن الرؤية تفتقد لأدوات فاعلة لتنفيذها في ظل الانقسامات التي وصلت إلى داخل فتح نفسها.
وفي المقابل، قدّم تيار الإصلاح الديمقراطي في فتح (جناح محمد دحلان) مبادرة من سبع نقاط تستكمل هذا الاتجاه: تسليم السلاح الثقيل، وتنظيم السلاح المتوسط والخفيف، وإقرار ميثاق وطني–إسلامي، وتفعيل اللجان الشعبية، ومعالجة ملف المطلوبين، وتفكيك بيئة المخدرات، وتعزيز التعاون مع الأونروا. وتنتهي المبادرة بالتشديد على أن إنهاء التوتر وبناء الثقة يشكّلان الأساس لشراكة تحفظ الكرامة والاستقرار. ومن المعروف ان تيار الإصلاح يشكل مع حماس والجهاد والجبهة الشعبية كما مع قوى التحالف والمجموعات الإسلامية، اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني. فحتى لو جاءت مبادرته ذاتية غير ان التشاور بها مع اركان اللقاء متاح.
التحديات
العملية الحالية ليست تقنية، بل سياسية–أمنية بامتياز. ونجاحها يعتمد على تفاهمات مع الفصائل التي لم تنخرط بعد -ولا سيما حماس- وعلى القدرة على الانتقال إلى محطات حساسة مثل عين الحلوة، المخيم الأكثر عددًا وتعقيدًا. وقد فسّر كثيرون الضربة الإسرائيلية التي استهدفت شبانًا يافعين باعتبارها رسالة بالدم إلى أبناء المخيم.
وقد جمع الجيش اللبناني عدة شاحنات من الأسلحة من مختلف المخيمات، ومن ضمنها عين الحلوة، لكن الإنجاز يبقى رمزيًا أمام ضخامة المخزون وتعقيد الواقع داخلها. فمن الصعب على الفلسطيني، الذي عاش مجازر تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وحروب التسعينيات، أن يسلّم سلاحه من دون ضمانات حماية ومن دون رؤية واضحة لمستقبل قضيته.
وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة: نزع السلاح من جهة، وصون حقوق الفلسطينيين من جهة أخرى. فالسياسة اللبنانية -كما تؤكد البيانات الوزارية منذ الطائف- تقوم على رفض التوطين، ودعم حق العودة، وتأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي تمنع الانفجار وتحمي الاستقرار. ومنح الفلسطيني حقوق العمل والتنقل ورفع بعض القيود على التملك لا يشكّل خروجًا عن الثوابت، بل ترجمة لها.
ويبقى نجاح المسار مرهونًا بقدرة الدولة على جمع كل الفصائل حول طاولة واحدة لضمان نزع شامل للسلاح وإعادة الاعتبار إليها كمرجعية أمنية وحيدة. ولجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني إطار جدي لهذا المسار.
بين نزع السلاح وحماية المخيم: مقاربة واقعية
لا يجب النظر إلى عملية تسليم سلاح المخيمات كأنها انتصار على الفلسطينيين، بل تحريرًا لهم من عبء أثقل المخيم قبل لبنان. فالسلاح الذي كان يُنظر إليه كضمانة، تحوّل إلى عبء يُستخدم في الاقتتال الداخلي وفي اقتصاد ظلّ يقوم على الممنوعات وشبكات تهريب.
لكن المخاوف الفلسطينية مشروعة: رمزية المخيم، وضع اللاجئ، مصير الأونروا، وحق العودة. وهذه مخاوف يجب احترامها وتطمينها. أما حزب الله فلن يمنع المسار، لكنه لن يقوده، وسيتركه يتقدّم بحدوده الطبيعية.
ومن هنا تبرز ثلاثية ضرورية: نزع تدريجي ومنظّم للسلاح تحت سلطة الدولة؛ حماية جدية لأبناء المخيم؛ تعزيز التعاون اللبناني–الفلسطيني بما يحفظ الاستقرار ويدعم الأونروا ويفصل بين نزع السلاح وكل طرح للتوطين
إنّ ما يجب ان يحصل اليوم ليس مجرّد مصادرة سلاح، بل إعادة تنظيم علاقة معقّدة بين لبنان والفلسطينيين ضمن توازنات إقليمية جديدة. والنجاح في هذا المسار يتطلّب شرطان واضحان: دولة قادرة على فرض سلطتها بالتدرج لا بالمواجهة؛ رؤية موحدة للفصائل الفلسطينية كافة في مقاربة الأمن داخل المخيمات؛
هذه لحظة سياسية نادرة قد لا تتكرر. وإذا أحسن الطرفان إدارتها، يمكن للبنان أن يستعيد سيادته، وللفلسطيني أن يعيش بكرامة، وللقضية أن تنتقل إلى مرحلة جديدة من الصراع المشروع مع العدو بلا سلاح متفلّت ولا ساحات مستباحة. أما الفشل فثمنه سيكون عودة الفوضى إلى المخيمات وإلى لبنان كلّه.
