في اليوم الثّاني من زيارته الرّسوليّة إلى لبنان، التقى البابا لاوون الرابع عشر مساء الإثنين الشّباب اللبنانيّ في ساحة البطريركيّة المارونيّة في بكركي، في لقاءٍ حاشدٍ طغت عليه أجواء الفرح والرجاء رغم الأزمات التي يعيشها البلد.
وجاء اللّقاء ضمن برنامج حجّه إلى لبنان، بمناسبة مرور ألف وسبعمئة سنة على انعقاد المجمع المسكوني الأوّل في نيقية، حيث احتشد آلاف الفتيات والفتيان من مختلف المناطق والطوائف، إلى جانب مجموعاتٍ شبابيّةٍ قادمةٍ من سوريا والعراق وبلدانٍ أخرى في المنطقة.
البابا للشباب: أنتم إخوةٌ يجمعكم إله المحبّة
استهلّ البابا كلمته بتحيّةٍ مباشرةٍ إلى الشباب، قائلًا: "أعزّائي شباب لبنان، السّلام لكم، أنتم شابّاتٌ وشبّانٌ يجمعكم إله المحبّة، ويوحّدكم إيمانٌ واحدٌ، وإن اختلفت وجوهه وتقاليده".
وشكر قداسته الشبيبة على حضورهم واستقبالهم "على حفاوةٍ ودفءٍ كبيرين"، موجّهًا تحيّةً خاصّةً إلى من قدموا من بلدانٍ مجاورة، ولا سيّما من سوريا والعراق، ومؤكّدًا أنّ هذا التجمّع "علامةٌ رجاءٍ في منطقةٍ أرهقتها الحروب والانقسامات".
وتوقّف البابا لاوون عند معاناة الجيل الجديد في بلدٍ يرزح تحت أزماتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ خانقة، فقال إنّ التاريخ الوطنيّ للبنان "مليءٌ بالصّفحات المجيدة، لكنّه يحمل أيضًا جراحًا عميقةً يصعب شفاء آثارها"، وأنّ هذه الجراح "تتجاوز حدود البلد لتمسّ العالم كلّه".
وأضاف أنّ شباب لبنان "يشعرون بالألم وربّما بالإحباط أمام واقعٍ معقّد"، لكنّه شدّد في المقابل على أنّ شهاداتهم تشبه "نجومًا متلألئةً في ليل الحرب والفشل"، لأنّهم يواصلون السعي إلى "سلامٍ دائمٍ لا يقصي أحدًا".
أنتم الحاضر والمستقبل: لا تتخلّوا عن دوركم
وخاطب الحبر الأعظم الشبيبة قائلًا إنّ الكبار قد يظنّون أحيانًا أنّ "المستقبل يتكوّن من دونهم"، لكنّ الحقيقة أنّ "الحاضر والمستقبل يكتبان بأيدي الشباب"، داعيًا إيّاهم إلى ألا يستسلموا لليأس أو للامبالاة، بل إلى أن يكونوا "قوّةً حيّةً لتغيير مجرى التاريخ نحو الخير".
وقال: "أنتم لستم متفرّجين على ما يجري حولكم، بل أنتم دفْعة التغيير، أنتم من يستطيع أن يحوّل الألم إلى تعاضد، والظلم إلى نضالٍ سلميّ، والأنانيّة إلى خدمةٍ ومحبّة".
واستعاد البابا صورة الأرز اللبنانيّ، معتبرًا إيّاه "رمزًا لوحدة الشّعب وقوّة رجائه"، وقال للشباب: "كونوا مثل شجرة الأرز، قوّتكم في جذوركم، في تاريخكم العريق، في إيمانكم، وفي العلاقات المتينة التي تبنونها في المجتمع. لبنان، بكم أنتم، يزهر من جديد، ويصبح وطنًا جميلًا وقويًّا بالفروع الكثيرة الّتي تمتدّ لتظلّل الجميع".
ولفت إلى أنّ كلّ عمل خيرٍ، ولو كان صغيرًا ومتواضعًا، يشبه "فرعًا جديدًا ينمو من جذورٍ صالحة"، وأنّ كلّ مبادرة تضامنٍ ومساعدةٍ صادقة "تضيف حلقةً جديدةً في سلسلة بناء العدالة والسّلام".
سلامٌ حقيقيّ أساسه المسيح والرّحمة والغفران
توقّف البابا لاوون عند معنى السّلام، مذكّرًا بكلمات القدّيس أوغسطينس والقدّيس بولس، ومؤكّدًا أنّ السّلام الحقيقي "ليس مجرّد غيابٍ للحرب، ولا ثمرة توازن قوى، بل هو ثمرة رحمةٍ معاشة، وعدالةٍ حقيقيّة، ومصالحةٍ شجاعة".
وأشار إلى أنّ "المغفرة هي الطريق إلى العدالة، ولا عدالة من دون غفران"، مستشهدًا بتعاليم الكنيسة ورسائلها حول اليوم العالميّ للسّلام، ومعتبرًا أنّ الشابّ أو الشابّة يكون "صادقًا في إيمانه عندما يفعل للآخر ما يتمنّى أن يفعله الآخر له".
حذّر البابا من علاقاتٍ سطحيّةٍ يحكمها منطق المنفعة والأنانيّة، حيث يكون "الـأنا" محور كلّ شيء، فيتحوّل الآخر إلى وسيلة، ويصبح الحبّ مجرّد شعورٍ عابر.
في المقابل، دعا الشباب إلى بناء صداقاتٍ حقيقيّة "مبنيّةٍ على الاحترام والمحبّة"، وقال إنّ الإنسان لا يحبّ حقًّا "إذا طالب دائمًا بتلبية رغباته فقط"، بل عندما يقول للآخر "أنت"، وعندما تتحوّل العلاقة من "أنا" و"أنت" إلى "نحن"، فتصبح "مرآةً للجمال الإلهيّ المحفور في قلب كلّ إنسان".
شجّع البابا الشباب على النظر إلى قدّيسين شبابٍ معاصرين، مثل كارلو أكوتيس وبيير جورجيو فرسّاتي وغيرهما، "الذين عاشوا سنواتٍ قليلةً لكنّهم تركوا أثرًا عميقًا في خدمة الفقراء والمرضى والمهمّشين".
وتوقّف خصوصًا عند شخصيّة القدّيس شربل مخلوف، أحد أبرز وجوه القداسة في لبنان والعالم، مشيرًا إلى صوره التي "تظهره بعينين مغمضتين كأنّه يحمل في داخله سرًّا كبيرًا من نور الله"، وقال إنّ هذا النور "يضيء عيوننا نحن أيضًا، ويدعونا إلى أن نرى العالم بنظرة محبّةٍ ورجاءٍ رغم كلّ الظلال".
الصلاة والصمت الداخليّ، طريق صداقةٍ مع يسوع
ودعا البابا لاوون الشباب إلى تخصيص وقتٍ يوميّ للصلاة، في عالمٍ يزداد صخبًا وسرعةً وضغطًا، وقال إنّه من الجميل أن "نغلق أعيننا كلّ يومٍ للحظات، ونرفع قلوبنا إلى الله في صلاةٍ بسيطةٍ وصادقة"، عبر قراءة الكتاب المقدّس، والمشاركة في القدّاس، وأوقات السجود، وممارسة التأمّل الداخليّ.
واستشهد بما قاله البابا بندكتس السادس عشر عن ضرورة أن "يبقى المسيحيّ مرتبطًا بيسوع باستمرار بقوّة الصلاة"، معتبرًا أنّ الصداقة الحقيقيّة مع المسيح "هي الينبوع الذي يفيض منه السلام الداخليّ والشجاعة لمواجهة التحدّيات".
وفي ختام كلمته، وجّه البابا أنظار الشباب إلى مريم العذراء، سيّدة لبنان، التي تنظر من أعالي حريصا "إلى هذا الجبل المكلوم وإلى هذا البلد الباحث عن قيامة جديدة"، ودعاهم إلى أن "يرفعوا عيونهم إلى قلب مريم"، وأن يضعوا تحت حمايتها "مستقبل لبنان، ومستقبل الشبيبة، ومستقبل العائلات والكنيسة والمجتمع".
ثمّ تلا صلاةً منسوبةً للقدّيس فرنسيس الأسيزي، يسأل فيها الربّ أن يجعل من كلّ مؤمن "أداةً لسلامه، يزرع المحبّة حيث البغض، والوحدة حيث الانقسام، والرجاء حيث اليأس، والنور حيث الظلمة، والفرح حيث الحزن"، مؤكدًا أنّ الرجاء "فضيلةٌ ثمنها باهظ، لكنّها قادرةٌ أن تفتح الأبواب الموصدة، عندما يسكن الله قلب الإنسان".
وختم البابا لاوون الرابع عشر بالتأكيد للشباب اللبنانيّ أنّ الكنيسة "حاضرةٌ معهم وفي صفّهم"، وأنّ يسوع "لن يتخلّى عنهم أبدًا في لحظات القرارات المصيريّة"، داعيًا إيّاهم لأن يكونوا، مثل أرز لبنان الراسخ، "شهودًا للرّجاء، يزهرون من جديد، ويجعلون العالم يرى أنّ لبنان أرض رسالةٍ لا تموت".
استقبال حارّ
وكان قد وصل البابا لاوون الرابع عشر إلى ساحة الصرح البطريركي في بكركي، ملقِّيًا التحيّة على الحشود الكثيفة التي غصّت بها الساحات الداخلية والخارجية. وفاجأ قداستُه الجميع بتجوّله بين المؤمنين على متن آليّة مكشوفة من دون زجاجٍ عازل، وسط تصفيقٍ حارّ وهتافات الترحاب ورفرفة الأعلام البابوية واللبنانية.
وبعد مباركة الحشد الكبير في باحة الصرح البطريركي، اعتلى قداسةُ البابا المنصّة المخصّصة لكرسيّه، وإلى يمينه البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، حيث تسلّم عددًا من الهدايا الرمزية التي تجسّد لبنان وأهله على تنوّعهم. ووعدَ مقدِّمو الهدايا قداستَه بأن يبقى لبنانُ داعيًا إلى السلام وحاملًا لرسالته. ثم منحَ البابا لاوون البركةَ الرسولية للبنان وشعبه.
كلمة الراعي
وألقى البطريرك الراعي كلمة ترحيبية قال فيها، "أهلًا بكم في لبنانَ، هذا البلدِ الصغيرِ بمساحتِه، الكبيرِ برسالتِه". وأضاف، "اليومَ يستقبلكم لبنانُ، لا ببهرجةِ القصور، بل برهافةِ جراحِه. يقدّم لكم أثمنَ ما يملك، دموعَه وقد صارت لآلئَ رجاءٍ، وجبالَه وقد غدت مذابحَ تضرّعٍ وصلاة".
وتابع الراعي، "شبابُنا يتطلّعون إلى بناءِ لبنانَ جديدٍ، لبنانَ يحتضنُ تعدّدَ انتماءاتِه الدينيّةِ والثقافيّة، ويثمّرُها في روحِ الأخوّةِ والوئام. يريدونَ وطنًا يكونُ فيه الإيمانُ قوّةً فاعلةً لا انطواءً، ويكونُ فيه التنوّعُ غِنىً لا انقسامًا، والسلامُ فيه غلبةً على البغضاءِ وإخاءً مستدامًا".
دعاة السلام
وكانت ساحاتُ الصرحِ البطريركي الخارجية في بكركي قد امتلأت بالآلاف من الأشخاص، من مختلف المناطق اللبنانية ومن عدد من دول العالم، ومن فئاتٍ عمريّةٍ متنوّعة، غلبت عليها الفئةُ الشبابية التي رفعت الأعلام البابوية واللبنانية، استعدادًا لاستقبال قداسة البابا المرتقَب دخوله أبواب الصرح. وتوزّعت على الساحات شاشاتٌ عملاقة نقلت مباشرةً التحضيرات والاستعدادات من لوحاتٍ ترنيميةٍ وإيحائيةٍ خاصّة بالمناسبة، إلى دعواتٍ متكرّرة للتعبير أمام قداسته عن أنّ الحشدَ الموجود هو من دعاة السلام.
وأشارت الجهاتُ المنظِّمة إلى أنّ عدد المشاركين من الشباب فاق التوقّعات، وسط نداءاتٍ متكرّرة بإفساح المجال أمام الذين ما زالوا يدخلون الساحة، في وقتٍ كان أكثرُ من ثلاثةِ آلافِ شخصٍ ينتظرون خارج بوّابة الصرح. كما امتلأت الطرقاتُ المؤدية إلى ساحة بكركي بالمواطنين الذين توافدوا بكثافةٍ لإلقاء التحيّة على موكب البابا لاوون، وسط إجراءاتٍ تنظيمية اتّخذتها الجهاتُ المعنية لتسهيل حركة المرور وضمان انسيابية الوصول إلى الساحة. وعلى وقع قرع أجراس الصرح البطريركي، صدحت الترانيم الدينية والأغاني الخاصة بزيارة قداسة البابا بأصوات الجوقة المسكونية، يرافقها عرضُ لوحاتٍ تعبيريّةٍ للشبيبة.
وحضرت عقيلةُ رئيسِ الجمهورية، السيّدةُ الأولى نعمت عون، إلى مكان لقاء الشبيبة في لبنان في بكركي، حيث شاركت الحضور استقبال قداسة البابا ومتابعة فقرات الاحتفال. وفي إطار اللقاء الشبابي مع قداسته، أُضيئت المساحة التي ترسو فيها السيارة العريقة التي استقلّها البابا بولس السادس خلال زيارته الرسولية للأردن، والتي قدّمها الملك حسين إلى البطريركية المارونية، في إشارةٍ رمزيةٍ إلى استمرارية رسالة الكنيسة وتواصل الزيارات الرسولية إلى الشرق.
تحضيرات واستعدادات
وكان الصرحُ البطريركي في بكركي قد استعدّ منذ ساعاتٍ لاستقبال قداسة البابا للقاء شباب لبنان والعالم في الباحة الخارجية، في احتفالٍ نظّمه مكتب اللجنة الوطنية لراعوية الشبيبة التابع لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، بالتعاون مع مكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية في بكركي. وقد تسجّل أكثرُ من اثني عشر ألفًا وثمانمائة شخص عبر منصّة اللقاء، من مختلف الطوائف والكنائس، المارونية والأرثوذكسية والبروتستانتية واللاتينية والإنجيلية، إضافةً إلى ممثلين عن الطوائف الإسلامية، إلى جانب مجموعاتٍ تتعاون مع مكتب راعوية الشبيبة في إطار لقاءات اللجنة المسكونية ولجنة العلاقات مع الأديان الأخرى.
ولفت المشرفُ على مكتب راعوية الشبيبة في بكركي، الخوري جورج يرق، إلى قدوم عددٍ كبير من أبناء رعايا أبرشيّات الانتشار المارونية إلى لبنان للمشاركة في هذا اللقاء، ولا سيّما من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وكندا وأستراليا وأفريقيا وسوريا والعراق والأردن، مشيرًا إلى أنّ أكثر من ألفٍ وخمسمئة متطوّع من شبيبة الكنيسة سيكونون في خدمة المشاركين، بعد نحو ثلاثة أشهر من التحضير والاستعداد لهذا الحدث الكنسيّ الشبابي.
وعما يميّز هذا اللقاء عن سواه من لقاءات البابوات مع الشبيبة في لبنان، أشار يرق إلى أنّ البابا لاوون، الذي يعوّل كثيرًا على دور الشباب، أدرج في كلمته خلاصةَ ما استنتجه عن أوضاع الشبيبة ولبنان، بعد قراءته نحو مئة رسالةٍ وسؤالٍ وجّهها إليه الشبابُ اللبناني قبيل الإعلان عن زيارته إلى لبنان، إصرارًا منه على التعمّق في هموم هذه الشبيبة وتطلّعاتها.
ورأى الخوري يرق أنّ كلمة قداسته قد تتضمّن مفاجأةً للشباب، سيقدّمها لهم البابا لاوون، الذي لطالما شدّد الوفدُ البابوي على أهمية الشبيبة بالنسبة إليه، وهو الذي أصرّ، وبطلبٍ خاص منه، على الاستماع إلى ثلاث شهاداتِ حياةٍ خلال اللقاء بدل اثنتين، كما أوضحت الأخت ميشلين منصور، عضو مكتب الشبيبة في بكركي، إحداها تتعلّق بالمسيحية، والثانية بالإسلام، والثالثة بالتعايش المشترك.
