يحمل طلب الولايات المتحدة الأميركية من لبنان استرداد صاروخ GBU-39B غير المنفجر في هجوم الضاحية الجنوبية الأخير، الكثير من الأبعاد الاستخباراتية والعسكرية. في هذا الإطار، أفادت صحيفة "معاريف" أن الولايات المتحدة وجّهت طلباً عاجلاً إلى الحكومة اللبنانية لاستعادة قنبلة جوية إسرائيلية ذكية لم تنفجر بعد سقوطها في الضاحية الجنوبية خلال الغارة التي استهدفت القيادي في حزب الله هيثم علي طبطبائي. إذ بقيت القنبلة سليمة في موقع الهجوم، ما أثار مخاوف واشنطن وتل أبيب من أن تتمكن روسيا أو الصين من الوصول إليها والحصول على تقنيات عسكرية متقدمة مدمجة فيها.
وتُعد هذه القنبلة من أبرز الذخائر الدقيقة التي تصنّعها شركة بوينغ، وتتميّز برأس حربي فعّال قياساً إلى وزنها، إضافة إلى منظومات توجيه وتكنولوجيا لا تتوفر لدى موسكو أو بكين، وفق الصحيفة. لذلك تصرّ الولايات المتحدة على استعادتها سريعاً، معتبرة الأمر أولوية لمنع تسرب أي معلومات حساسة تتعلق بقدراتها العسكرية المتطورة.
الحوثيون يجهّزون ردّاً
وأبعد من ذلك، وفي ضوء التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، صرّحت مصادر أمنية إسرائيلية عن استعدادات متزايدة لردود فعل محتملة من قبل جماعة الحوثي، في سياق تصاعد التوترات بعد مقتل القيادي في الحرس الثوري الإيراني، هيثم علي الطبطبائي. وتكهنات الخبراء العسكريين تشير إلى أن الحوثيين قد يتبنون أسلوب الانتقام من خلال عمليات عسكرية على خلفية هذه الحادثة.
وفي تقديرات أخرى قدمتها الاستخبارات الإسرائيلية، تم تسليط الضوء على وضع حزب الله اللبناني، الذي يعاني من صعوبات في استعادة قوته بشكل كامل. وفقًا للتقييمات، لا يزال الحزب بعيدًا من التعافي بعد سلسلة من الهزائم والتحديات العسكرية والاقتصادية التي تعرض لها في السنوات الأخيرة.
ويؤكد الخبراء الإسرائيليون أن حزب الله، رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه من إيران، يعاني من اضطرابات داخلية ونقص في الموارد، وهو ما يعيق قدرته على القيام بعمليات واسعة النطاق في الوقت الحالي. وقد أدى ذلك إلى تراجع دوره في العديد من الجبهات الإقليمية، خاصة في سوريا ولبنان.
الاستخبارات الإسرائيلية لا تشيح نظرها عن الشمال
وفي تقرير نُشر في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية للكاتب يائير مارتون، أشار إلى أن "السؤال الحقيقي ليس هل ستقع مواجهة؟، وإنما كيف ستقع؟". وقال إنه "في إسرائيل، اعتادوا النظر إلى الجبهة الجنوبية كمؤشر لحرب وشيكة: عملية في غزة أو اشتباكات في غلاف القطاع تدفع الدولة إلى حالة استعداد. لكن مَن ينظر شمالاً يكتشف صورة أكثر تعقيداً: أعين المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تنحرف لحظة عن الساحة اللبنانية؛ فهناك، في صمت خادع، تجري عملية إعادة بناء حزب الله، الذي لم ينهَر، على الرغم من الضربات القاسية، إنما يتعافى ويرمم قدراته".
وتابع التقرير: "بعد حرب لبنان الثانية، شاع في إسرائيل الشعور بأن حزب الله تلقّى ضربة شالّة، لكن الوقت أثبت العكس؛ فمنذ ذلك الحين، يعمل التنظيم بصورة شبه متواترة: خطوط إمداد من سورية، ودعم إيراني، وعمل على ترسيخ قدراته في جنوب لبنان، وتعزيز قوة صاروخية قادرة على ضرب عمق إسرائيل.
ولا يقتصر الأمر على الصواريخ، بل أيضاً يشمل الاستخبارات، وهيكلاً عسكرياً-رسمياً، وقدرة على إدارة حرب طويلة. ومن جانبها، تمارس إسرائيل لعبة دقيقة: ضربات دقيقة، واغتيالات موضعية، ونشاط استخباراتي، وضبط مستوى الأذى بحيث لا يجر إلى حرب شاملة.
لكن هذه المعادلة تكبّد ثمناً؛ فهي تتيح لحزب الله أن يعيد تنظيم صفوفه، ويفهم أنماط العمل الإسرائيلية، والأهم، أن ينتظر اللحظة المناسبة".
وبحسب المقال فإنه "على الرغم من التحليلات الإعلامية، فإن إسرائيل لا تسعى لمواجهة شاملة في الشمال، فهي تدرك أن الثمن سيكون باهظاً –على الحدود، وفي الجبهة الداخلية، وفي الاقتصاد– وأن النصر ليس مضموناً. لكن ما دام حزب الله يضع صواريخه بين مناطق مدنية، ويبني بنية تحتية تحت الأرض، فإنه لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لهذا الواقع بأن يصبح "روتيناً استراتيجياً". وتابع: "إن خط التماس هش أكثر من أي وقت مضى، ويمكن لحدث واحد فقط -كاغتيال قيادي، أو هجوم يصل إلى وسط إسرائيل، أو ما شابه ذلك- أن يحول عملية محدودة إلى انفجار واسع. لهذا، فإن السؤال اليوم هو: مَن سيكون الطرف الذي لن يستطيع تحمُّل ضبط النفس أولاً؟ إسرائيل؟ أم حزب الله؟ أم ربما إيران، التي قد تفضّل حرباً تبعد 1800 كيلومتر عن أراضيها على مواجهة مباشرة مع الغرب؟
طالما هؤلاء اللاعبون الثلاثة هم الذين يحددون قواعد الساحة، فإن الحرب القادمة لن تكون سيناريو نظرياً، إنما إمكانية تنتظر الشرارة المناسبة".
قائد المنطقة الشمالية: جاهزون لأي تطورات
ميدانياً، الاعتداءات متواصلة، خصوصاً في المناطق الجنوبية. وأُفيد اليوم عن تعرض أطراف بلدة كفرشوبا لرشقات رشاشة مصدرها الموقع الإسرائيلي في رويسات العلم.
كما ألقت محلقة إسرائيلية قنبلة صوتية على بلدة كفركلا. وأُفيد أن الجيش الإسرائيليّ أطلق النار من مواقع الرادار والسماقة والرمثا على أطراف بلدتيّ شبعا وكفرشوبا.
وكان قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، رافي ميلو، قد زار أمس مواقع عسكرية على امتداد الحدود مع سوريا ولبنان، للاطلاع على تدريبات القوات وإجراء تقييمات ميدانية للجهوزية. وبحسب ما نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست"، اليوم، فإنّ ميلو أجرى سلسلة اجتماعات ميدانية خلص فيها إلى أنّ القوات المنتشرة "في مستوى عالٍ من التأهب دفاعيًا وميدانيًا، ومستعدة لأي تطورات محتملة في منطقتي سوريا ولبنان".
وقال ميلو إن الجيش "لن يسمح بترسّخ الإرهاب على الحدود"، مؤكدًا أن وحدات الجيش ستواصل العمل "بحزم وبمبادرة لإزالة التهديدات قبل تطورها".
