منذ اليوم الذي بدأت فيه المصائب تَنهال على رؤوس اللَّبنانيّين، وكلّما سَحقت الأهوال اليوميّة التي يعيشونها معنويّاتهم، وهو ما يحدث مرارًا وتكرارًا في شبه دوّامةٍ سيزيفيّة، يَلجأ هؤلاء إلى اختراع "عُرسٍ وطنيّ" كفيل حتمًا بتخفيف وطأة كلّ ما جرى ويجري عن صدورهم. لذلك كانت زيارة البابا لاوون الرابع عشر هي هذا "العرس الوطنيّ" حتمًا. عُرسٌ مُغرِق في حميميّته، عرس شَغَل البلاد والعباد، عرسٌ عموميّ وإن كان مكتمل "البروتوكولات".
"بابا الفاتيكان" في بيروت
إنّها الرابعة مساءً يوم الأحد، اللحظة المنتظَرة. قبلها بدقائق دخلت طائرة البابا الأجواء اللَّبنانيّة. لا أحد فعليًّا يأبه بدخول طائرة إلى الأجواء اللَّبنانيّة، شقيقةً كانت أم عدوّة، لكنّ طائرة البابا هي التي دخلت، الطائرة التي كانت العيون كلّها متجهةً إليها. "وصل البابا"، ففرغت الشوارع من العابرين والسيّارات. "وصل البابا"، وحمل اللَّبنانيّون، رسميّون وعاديّون، مهمّة الاستقبال بعيونهم وابتساماتهم ودموعهم.
كانت التحضيرات لاستقبال "البابا" تجري على قدمٍ وساق، حتّى بدت بيروت وكأنّها تَنفض عنها غبار الموسم، لتستقبل البابا والشتاء معًا. ولأسبابٍ بالغة الرمزيّة، تمدّدت التحضيرات والمسؤوليّات لاستقبال الشخصيّة العالميّة حتّى إلى المواطنين أنفسهم، الذين التزموا بكلّ التدابير الأمنيّة من دون أيّ مخالفات. استفاقت المدينة للتحضير للزيارة الموعودة، الضيف الكريم الذي استقبله اللَّبنانيّون بحفاوة المُشتاق الغارق في الحبّ وشجونه.
رغم الهزائم والخسارات والويلات الكبرى الّتي مُنِيَ بها لبنان، ولأيّام سبقت الزيارة، تصرّفت بيروت كمدينة قرّرت فجأة أن تخجل من نفسها. وِرَشُ التنظيف، أعلام تُرفَع، شتائم تُمحى عن الجدران أو تُغطّى بعبارات "أهلًا وسهلًا بقداسة البابا". بدا وكأنّ العاصمة، المنهكة بانفجار المرفأ والانهيار الماليّ وانحلال الدولة، تريد أن تقول للعالم إنّنا ما زلنا قادرين على أن نكون "مدينة استقبال"، ولو في الشكل.
التحضيرات لم تقتصر على البروتوكول الرسميّ. هذه المرّة انزلقت المسؤوليّة إلى الناس أنفسِهم. أُقفِلت طرق، وامتدّت الحواجز، ورفعت القوى الأمنيّة مستوى الاستنفار، ومع ذلك التزم المواطنون، على غير عادتهم، بكلّ شيء تقريبًا، بلا تذمّر يُذكَر. كأنّ البلد وجد في زيارة البابا فرصةً نادرةً لارتداء قناع "الدولة المنضبطة"، دولةٍ يعرف الجميع أنّ بُنيانها في مكانٍ آخر يتداعى. في هذا اليوم اجتمع في المدينة موسمان، موسمُ شتاءٍ يلوّح من خلف الغيوم، وموسمُ زيارةٍ بابويّة تَعِد بمطرٍ من الكلمات عن السلام والرّجاء. ومن تحت هذا السقف الرمزيّ تصرّف اللَّبنانيّون كأصحاب "عُرسٍ وطنيّ"، ضيفُهم لا يُستقبَل فقط ببروتوكول رئاسيّ، بل أيضًا بروحيّة من يعلّق عليه أملًا في حمايةٍ ما من مزيد من الويلات.
موكب يكتب جغرافيّا سياسيّة على الإسفلت
من مطار رفيق الحريري أخذ الموكب الرسميّ يتحرّك ببطءٍ محسوب، كمن يرسم بخطٍّ أبيض طريقًا جديدًا على خريطة المدينة. عشرات المواكب الأخرى لسياسيّين ومسؤولين اندمجت في المشهد؛ صفّارات سيّارات الأمن، درّاجات قوى الأمن الداخليّ تفتح الطريق، حشود تصطفّ على جوانب الأوتوستراد، أعلام تُلوِّح، زغاريد متقطّعة، وتصفيق يعلو مع كلّ لقطة تلفزيونيّة لسيّارة البابا البيضاء.
لكنّ العنصر "غير الروتينيّ" في هذا السيناريو المكرَّر، موكبٌ رسميّ، ضيفٌ عالميّ، استقبالٌ رئاسيّ، كان المسارَ الذي اختير هذه المرّة. منذ عهد الرئيس ميشال سليمان اعتادت المواكب الرسميّة القادمة من المطار أن تسلك طريقًا واحدًا تقريبًا. أمّا موكب البابا لاوون الرابع عشر فقد سلك طريقًا آخر هو جادّة عماد مغنيّة على طريق المطار القديم، أي فوق الضاحية الجنوبيّة مباشرةً. فجأةً لم يعُد المسار مجرّد تفصيلٍ لوجستيّ، بل حدثًا سياسيًّا بامتياز.
مرور الموكب فوق الضاحية الجنوبيّة أعاد رسم المشهد. هنا، حيث كان الدمار الأخير للحرب الإسرائيليّة ما يزال طازجًا على الأبنية والوجوه، صار بإمكان البابا ووفدِه، وربّما للمرّة الأولى، أن يُطِلّوا على هذا "الحيّ السياسيّ" من نافذة الموكب، لا من تقارير التلفزة فقط. عند هذا المقطع من الطريق امتزجت أعلام لبنان برايات الفاتيكان وبأعلام "حزب الله". وجوه المناصرين تُلوِّح بصور أمينه العامّ الراحل حسن نصرالله، وهتافٌ واحد يتردّد، "لبّيك يا نصرالله". المشهد يبدو، للوهلة الأولى، متعارضًا؛ رمزٌ كونيّ للكنيسة الكاثوليكيّة في سيّارة بيضاء، يمرّ وسط جمهور يردّد شعار قيادة حزبٍ مقاتل، متَّهَم دوليًّا بـ"الإرهاب"، ومرفوع كبديل رمزيّ عن "الدولة" في هذه الرقعة من الجغرافيا.
لكنّ التناقض الظاهر يُخفي منطقًا سياسيًّا واضحًا. "حزب الله" أراد أن يقول، بصوتٍ عالٍ وواضح، أمام الكاميرات العالميّة، إنّه جزء من "المشهد اللَّبنانيّ" الذي يرحّب بالبابا، لا استثناء خارج الإجماع. استقبال فِرَق كشفيّة من "كشّافة المهدي" للموكب ليس تفصيلًا فولكلوريًّا؛ إنّه لغةٌ سياسيّةٌ ناعمة، تتوسّل الأطفالَ والطبولَ والأزياءَ الكشفيّة لتقول للفاتيكان والغرب والخصوم في الداخل إنّنا لسنا حزبًا معاديًا للمسيحيّين، ولسنا مجرّد "آلة حرب".
الكشافة كواجهة ناعمة
أفراد "كشّافة المهدي"، فتيانٌ وفتياتٌ يصطفّون على جانبي الطريق بلباسهم الكشفيّ وعلى إيقاع موسيقى منظَّمة، يشكّلون الواجهة المدنيّة للحزب. هم الوجه الذي يُقدَّم للعالم حين يكون المطلوب خطاب "تعايش" و"تسامح" و"اندماج في المجتمع". هذه الصورة ليست معزولة عن رسالةٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ كان وفدٌ من "المجلس السياسيّ" في الحزب قد حملها إلى السفارة البابويّة في بيروت، عشيّة الزيارة. مضمون الرسالة واضح؛ الحزب جزءٌ من النسيج اللَّبنانيّ المتعدّد الأديان، خلافاته مع القوى المسيحيّة في الداخل سياسيّة وليست عقَديّة، وهو يتقاطع معها حول قضيّةٍ مركزيّة هي العداء لإسرائيل.
بمعنى آخر أراد الحزب أن يستخدم لحظة العبور البابويّ فوق الضاحية ليضع نفسه ضمن "قوس الترحيب الوطنيّ" بالبابا، لا خارجه. أن يدخل في ترتيبٍ رمزيّ مفادُه أنّ من بعبدا إلى بكركي إلى الضاحية… الكلّ تحت سقف زيارةٍ واحدة، لكنّ كلَّ طرفٍ يخرج منها برسالةٍ تخصّه.
الضاحية كبديل من الجنوب..
تقدَّم مرور الموكب فوق الضاحية كنَوعٍ من "التعويض الرمزيّ" عن عدم زيارة البابا للجنوب. فالجنوب اليوم ليس فقط منطقة حربٍ سابقة، بل أيضًا جبهةٌ معلَّقةٌ على حافّة حربٍ جديدة، مع استمرار التوتّر والاشتباكات والتهديدات الإسرائيليّة بفتح "جولة أخرى" مع لبنان. أن يتوجّه البابا إلى هناك كان سيضع الفاتيكان في قلب مشهدٍ عسكريّ أمنيّ عالِيَ الحساسيّة.
من هنا يقدّم العبور فوق الضاحية حلًّا وسطًا؛ البابا لا يذهب إلى الجبهة، لكنّ موكِبَه يمرّ فوق منطقةٍ تحمل آثار الحرب الأخيرة وتُعتبَر امتدادًا رمزيًّا للجنوب. الإعلام الأجنبيّ يلتقط صورًا لمبانٍ مدمَّرة، طرقاتٍ محفَّرة، ولافتات "الصمود". الضاحية تصبح، للحظات، جزءًا من "قصّة لبنان" التي ينقلها المراسلون إلى العالم، لا فقط كعنوانٍ في بيانات "حزب الله".
خطبة بعبدا بين لاهوت الرجاء وواقعيّة الانهيار
ومن قصر بعبدا تحدّث البابا لاوون الرابع عشر إلى اللَّبنانيّين بوصفهم "فاعلي سلامٍ" محتملين في زمنٍ يُغلِّفه الظلام، من أزماتٍ سياسيّةٍ متراكمة، وانهيارٍ اقتصاديّ، وحربٍ في الجنوب، وانقسامٍ أهليٍّ مزمن. دعاهم إلى أن يبقوا "بلد الرسالة"، المساحة التي تلتقي فيها الأديان بدل أن تتقاتل، وأعاد التذكير بأنّ لبنان، رغم جراحه، ما زال قادرًا على النهوض، وعلى حمل رَجاءٍ جديدٍ للمشرق.
الكلمات، كما العادة في خطابات الباباوات، مُشبَعةٌ بالأمل. لكنّها في لبنان تصطدم فورًا بواقعيّةٍ خشِنة؛ طبقةٌ سياسيّةٌ مترسِّخة لا تنوي الإصلاح، واقتصادٌ منهار، وسلاحٌ خارج الدولة، وقضاءٌ مُكَبَّل. هنا يتحوّل الخطاب البابويّ إلى ما يُشبه "نصًّا فوق سياسيّ"، لا هو قادرٌ على تغيير موازين القوى، ولا هو محضُ كلامٍ إنشائيّ يُنسى في اليوم التالي. إنّه أشبه بجردةِ قِيَمٍ أخلاقيّةٍ تُوضَع أمام اللَّبنانيّين ليقيسوا بها أنفسهم، إنْ أرادوا.
مع حلول الليل تُعاد الصور على الشاشات؛ لحظةُ دخول الطائرة الأجواء، والموكبُ البطيء على أوتوستراد الحازميّة، وجادّةُ عماد مغنيّة تحت عجلات سيّارات البابا، وأعلامُ لبنان والفاتيكان و"حزب الله" على رقعةٍ واحدةٍ من الإسفلت.
بعد أيّام ستعود الشوارع إلى فوضاها. سيُترَك الدمار في الضاحية لمزيدٍ من الانتظار، وستعود التهديدات الإسرائيليّة إلى نشرات الأخبار. لكنّ شيئًا ما قد يكون تغيّر في الرمزيّة؛ الضاحية دخلت مسار الموكب البابويّ، ولو لِدقائق. لم تَعُد فقط عنوانًا للحرب أو لعقيدة "المقاومة"، بل أيضًا محطّةً في سرديّة بلدٍ يستقبل رأسَ الكنيسة الكاثوليكيّة. "حزب الله" استثمر، بطريقته، في هذه الرمزيّة. الدولة حاولت أن تستعيد هيبتها عبر تنظيمها. الناسُ استثمروا عواطفهم وأملَهم الأخير في كلمات رجلٍ جاء من روما ليقول لهم إنّ في هذا البلد ما يَستحقّ أن يُنقَذ.
