زيارة البابا إلى لبنان: طهارةٌ في وجه الفساد

محمد حلاويالأحد 2025/11/30
Image-1764405407
يحمل البابا في زيارته دعوةً صادقة إلى السلام (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكُتَّبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! فَإِنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً…" (إنجيل متّى 23:27)

 

في زيارةٍ استثنائيةٍ هي الأولى له خارج الفاتيكان، يخصّ البابا لاون الرابع عشر لبنان بقدومه، حاملاً رسالةَ سلامٍ ورجاءٍ إلى شعبٍ أنهكته الأزمات، وتكالب عليه الفسادُ حتى كاد يخنق أنفاسه. زيارةٌ تضع هذا البلد الصغير مجدداً في قلب العالم، لا لثرائه المادي؛ بل لعمق جراحه الإنسانية ولإيمانه الذي لم ينطفئ بالرغم من كلّ الخيبات.

 

طهارة البابا في أرضٍ دنّسها الفساد

يأتي البابا إلى لبنان الطاهرِ بروحه، الموجوعِ بجسده، إلى وطنٍ يئنّ تحت وطأة الطائفية والانقسام. سيجد في استقباله شعباً مؤمناً بسيطاً لا يزال يتمسّك بالرجاء بالرغم من العتمة، كما سيجد وجوهاً اعتادت الجلوس في الصفوف الأمامية، تتزيّن بالوقار وتخفي وراء ملامحها تاريخاً من الفتن والنهب والتسلّط.

طهارةُ البابا وعفّتُه لن تُبدّل قلوبَ الذين جعلوا من المال والسلطة معبوداً، ولا ستعيد الإيمان إلى من باعوا ضمائرهم في سوق المصالح، إن كانت شخصية او مصالح لدول خارجية.

فقد سبق أن حمل أسلافه، البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بنديكتوس السادس عشر، رسائلَ محبةٍ ومصالحةٍ إلى لبنان، دعا فيها الكرسي الرسولي إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقية وهدمِ جدران الخوف. لكنّ الرسائل ضاعت بين الشعارات الجوفاء والخطب الخاوية، ولم تلامس ضمائر من اعتادوا أن يسمعوا ولا يصغوا.

 

صلاة على جراح المرفأ

في مرفأ بيروت، حيث امتزج غبار الردم بدماء الأبرياء، سيقف البابا ليُصلّي. هناك، عند مسرح المأساة التي دمّرت العاصمة وقتلت المئات، سيقرأ صلاة الرحمة والغفران، لكنّها في جوهرها ستكون صلاةَ إدانةٍ للمتقاعسين، وللذين أداروا وجوههم عن الحقيقة، وتركوا العدالة تتيه في دهاليز السياسة.

إنها لحظةُ تذكيرٍ بأنّ الألمَ الذي أصاب بيروت ليس قدراً؛ بل جريمةٌ صنعها الإهمال والفساد، جريمةٌ ارتكبها من لا يزالون يعتلون المنابر ويتحدثون عن "الإصلاح" بوجوهٍ لا تعرف الخجل.

 

رسالة إلى البابا… وشعبٌ على قيد الرجاء

أيها البابا، جئتَ إلى وطنٍ جريحٍ ما زال أبناؤه يحلمون بعدالةٍ مؤجلة، وسلامٍ مفقود. جئتَ إلى شعبٍ سُرقت ودائعُه، وهُجّر شبابُه، وانطفأت أحلامُه بين جدران المصارف ومطارات الرحيل.

لا تصافح من تاجروا بدماء الناس، ولا تمنح البركة لمن جعلوا من السلطةِ عرشاً للهيمنة، ومن الوطنِ غنيمةً توزَّع على الطوائف والمصالح. فالبركةُ، كما تعرفها الكنيسة، تُعطى للمنكسرين والرحماء، لا للمتسلّطين الذين دنّسوا الهيكل وحوّلوه إلى مغارةٍ للّصوص.

 

لبنان يستحقّ أفضل من حكّامه

شعب لبنان وحده من يستقبلك بقلوبٍ بيضاء، وبعيونٍ تتطلّع إلى بارقة نورٍ تخرج من صلاتك. نحن نتطلع ان تخص بصلاتك العهد الجديد كي لا يكون مثل العهود السابقة، نحن نؤمن أن زيارتك ليست مجرّد محطةٍ دبلوماسية؛ بل نفحةُ قداسةٍ في أرضٍ عطشى إلى العدالة.

نرجو أن تكون صلاتك في هذه الأرض بركةَ سلامٍ تُعيد إلى اللبنانيين شيئاً من كرامتهم المسلوبة، وأن تُذكّر العالم بأنّ لبنان، رغم ضعفه، لا يزال جديراً بالحياة، وأنّ الطهارةَ لا تموت في وطنٍ يرزح تحت خطايا حكّامه.

خلاصة القول، زيارة البابا إلى لبنان ليست حدثاً بروتوكولياً؛ بل صرخةُ ضميرٍ في وجه سلطةٍ تلطّخت بالفساد. إنّ الحبر الأعظم، وهو يرفع صلاته على تراب بيروت، سيذكّر الجميع بأنّ الله لا يبارك من شيّد عرشه على أنين الفقراء، وأنّ العدالة الإلهية، مهما تأخّرت، قادمة.

في بلدٍ شوهه حكّامه، تأتي زيارة البابا لتقول إنّ النور لا يُطفئه الفساد، وإنّ الطهارةَ، ولو وُوجهت بالقسوة، تبقى أقوى من العار.

 

من هو البابا لاون الرابع عشر؟

البابا لاون او ليو الرابع عشر هو الحبر الأعظم الجديد للفاتيكان، المعروف بتواضعه العميق وقربه من الناس، وبمواقفه الحازمة ضدّ الظلم الاجتماعي والفساد السياسي. اختار أن تكون زيارته الأولى خارج أسوار الفاتيكان إلى لبنان، في إشارةٍ رمزيةٍ إلى مكانة هذا البلد في قلب الكنيسة الكاثوليكية، وإيماناً منه بأنّ لبنان، بالرغم من أزماته، لا يزال "رسالةَ حريةٍ وعيشٍ مشترك" للعالم بأسره.

يحمل البابا في زيارته دعوةً صادقة إلى السلام، وإلى مصالحةٍ داخليةٍ تُعيد للبنان وجهه الإنساني المشرق. غير أنّ هذه الزيارة، بكلّ رمزيتها الروحية، ستبقى أيضاً مرآةً تُظهر التناقض بين طهارة الإيمان وفساد السلطة، وبين قداسة الرسالة وخطيئة الحكّام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث