يَمُرُّ الشرق الأوسط في هٰذهِ المرحلةِ بِوَاحِدٍ مِن أَدَقِّ مَنعَطَفَاتِهِ، حَيثُ تَتَشابَكُ الأَزمَاتُ وَتَتَزاحَمُ الصّراعاتُ وَيَتَصدَّعُ النّسيجُ الاجتماعيُّ تَحتَ وَقعِ الحُروبِ وَالفَوضى. فِي مُقابِلِ هٰذا الانهيارِ يَرتَفِعُ صَوتٌ هادِئٌ آتٍ مِن العِراقِ يَحمِلُ نَبرةَ الحِرصِ الإنسانيِّ، وَهُوَ صَوتُ السيِّد السّيستاني الّذي نُقِلَت عنهُ رِسالةٌ تُحَذِّرُ مِن تَرْكِ المُجتَمَعِ اللّبنانيِّ لِقَدَرٍ قاسٍ قَدْ يَدفَعُهُ مُجدَّدًا إِلى التَّهجيرِ وَالضّياعِ، وَتَفَكُّكِ الضّماناتِ الأَولِيّةِ للحياةِ.
هٰذا الإحساسُ المُرتَفِعُ بالمسؤوليّةِ يَتَقاطَعُ مع رؤيةِ الإمامِ مُحمّدٍ مهدي شمسِ الدّينِ الّذي اعتَبَرَ أَنَّ لُبنانَ فِكرَةٌ نَبيلَة قَبلَ أَن يَكونَ وَطنًا، وَأَنَّ دَورَهُ يَتَجاوَزُ حدودَهُ الضيّقةَ لِيُصبِحَ حاجةً للمنطقةِ كُلِّها. فَشَمسُ الدّينِ أَعادَ تعريفَ الهُويّةِ اللّبنانيّةِ عَلى أَنَّها هُويّةٌ مُشترَكةٌ تَقومُ عَلى الدّولةِ العادِلةِ وَالمواطَنةِ الكامِلةِ، وَأَنَّ أَيَّ مُقاربةٍ تُحوِّلُ الطّوائفَ إِلى جُزرٍ مُنفصلةٍ تُهدِّدُ الكيانَ وَتَجرِفُ مَعَهُ مَعنى الوَحدةِ الوطنيّةِ.
بَينَ النّجفِ الّذي يَرتَفِعُ منهُ صَوتٌ يَرفُضُ زَجَّ المُجتمعاتِ في الحُروبِ، وَبيروتَ الّتي حَلِمَ بها شَمسُ الدّينِ دولةً عادِلةً، تَأتي رِسالةُ الفاتيكانِ الّذي لَم يَرَ فِي لُبنانَ يومًا بِلادًا صَغيرةً، بَل رِئةً روحيّةً لِلعالَمِ كُلِّهِ. فالبابا فرنسيس تَحدّثَ عَن لُبنانَ كَوَديعةٍ إنسانيّةٍ وَجسراً بينَ الثّقافاتِ، وَحَذَّرَ مرارًا مِن أَنَّ انهيارَهُ يَعني ضَياعَ نُموذجٍ فَريدٍ في العَيشِ المُشتَرَكِ لَا يُمكِنُ تَعويضُهُ. سبَقه البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، ويتابع المسيرة البابا لاوُن الرَّابع عشر، الذي يزور لبنان في رمزيَّة عميقة الدّلالات، توقيتًا ورسائل في كلّ الاتّجاهات تحت شعار السَّلام.
تَتَجَمَّعُ هٰذهِ الأصواتُ الثّلاثةُ في بوصلةٍ واحدةٍ تُعيدُ لُبنانَ إِلى جَوهرِ دَورِهِ. وَطنٌ يحكي الحُريَّة، ويُنتِجُ السّلامَ، وَيَحفَظُ العَدالةَ، وَيُثبِّتُ التَّعَدُّدَ، وَيَمنَعُ تَحويلَ الإنسانِ إِلى مادّةٍ تُستَهلكُ في صِراعاتِ الآخَرينَ. فالمجتمعُ اللّبنانيُّ الّذي يَعيشُ اليومَ ضَغطًا مُضاعَفًا يَحتاجُ إِلى مَن يُدافِعُ عَن حقِّهِ في الوجودِ الآمِنِ والعادِل، وَإِلى مَن يُذكِّرُ أَنَّ الدّولةَ تُبنى لِخدمةِ الإنسانِ لَا لِخدمةِ السّلاحِ وَالمَحاور الأيديولوجيَّةِ.
لُبنانُ يمتلكُ خبرةً أصيلَة في إدارةِ التنوّعِ، وَهٰذهِ الخبرةُ أَنتَجَت لِلمنطقةِ فُرصًا فَريدةً لِلحوارِ وَالتَّقارُبِ، وَجَعَلَت مِن بيروتَ مَنبرًا للأفكارِ وَاللقاءاتِ الحضاريَّة. لَم يَكن لُبنانُ يومًا مُجرَّدَ دولةٍ بل كان مِساحَةً لِلإلهامِ، قادِرًا عَلى جَمعِ المتناقِضينَ وَفتحِ الأبوابِ بَينَ الشّرقِ وَالغربِ، وَصُنعِ لغةٍ تُعيدُ بناءَ الجسورِ كُلَّما تَهَدَّمَت.
يَعودُ اليوم هذا الدَّورُ لِيُصبحَ غايةً وطنيّةً وَضرورةً إقليميّةً-دوليَّةً. فالعالَمُ الّذي يَبحثُ عَن مَرافِئَ أَمانٍ فِي ظِلِّ التَّصدُّعاتِ الكُبرى يَحتاجُ إِلى لُبنانَ حَيٍّ وَقَويٍّ وَحاضِرٍ. لَا لِأَنَّهُ كيانٌ سياسيٌّ مُهِمٌّ فَقط؛ بَل لِأَنَّهُ نُموذجٌ لِلتّعدديّةِ وَلِلسّلامِ العادلِ الّذي يُعطي الأديانَ وَالثّقافاتِ حَيِّزًا للحِوارِ بَدَلَاً من التّنافُرِ وَالصِّدامِ.عِندما يَستعيدُ لُبنانُ رسالتَهُ يَستعيدُ دَورَهُ العربيّ والدّوليَّ أيضًا. فالدّولُ الّتي تُبنَى عَلى الحرّيّةِ وَالمواطَنةِ وَاحترامِ الإنسانِ تُصبِحُ رافِعَةً لِلأمنِ وَالسّلامِ، وَتَمتلِكُ القُدرةَ عَلى المُساهمةِ في خَفضِ التَّوتُّرِ وَإِنتاجِ حُلولٍ لِلنِّزاعاتِ وَإِطلاقِ ديناميّاتٍ لِلمُصالَحةِ. وَهٰذا بالضَّبطِ ما يَجعلُ بقاءَ لُبنانَ حاجةً إقليميَّة-دوليّةً لَا مَحلِّيّةً فَقط.
الصّوتُ الّذي يَخرُجُ مِن النّجفِ اليومَ يُشَبِهُ الصّوتَ الّذي أطلقَهُ الإمام شَمسُ الدّينِ فِي لَحظاتٍ مِفصليّةٍ، وَيَلتقي مَع مَوقِفِ الفاتيكانِ الّذي يَرفَعُ لُبنانَ إِلى مَرتَبَةِ الرّمزِ. لَيسَ هٰذا التَّقاطُعُ تَرفًا فِكريًّا بَل ضَرورَةٌ لِإِيقافِ الانحدارِ، وَدَفعِ اللّبنانيّينَ/ات إِلى استعادَةِ دَورِهِم فِي صِناعةِ السّلامِ. لُبنانُ يَنتفِضُ اليَومَ فِي مَعناهُ قَبلَ سِياسَتِهِ. يَنتفِضُ لِأَنَّ دَورَهُ أَوسَعُ مِن أَزمَاتِهِ، وَرِسالَتَهُ أَجمَلُ مِن حُروبِهِ، وَقِيمَهُ أَسمى مِن صِراعاتِ الغَلَبَةِ. يَنتفِضُ لِيُؤَكِّدَ أَنَّ وَطَنًا يَقُومُ عَلى الحُرّيّةِ وَالعَدالَةِ وَالشّراكةِ يُمكِنُ أَنْ يَنهَضَ وَلَوْ تَكَسَّرَتْ أَجنِحَتُهُ. هٰذا هُوَ لُبنانُ الرّسالةِ، بَيْنَ السيّد السّيستاني والإمام شَمسِ الدّينِ وشيخ الأزهر وخلوات البيَّاضة وَالفاتيكانِ، لُبنانُ الّذي يَعودُ إِلى نَفسِهِ وَيَنهَضُ بِقُوَّةِ قِيمِهِ وَحَقيقَةِ دَورِهِ فِي إِنتاجِ السّلامِ وَصَونِ الإنسانيّةِ.
