الخطاب اللبناني: ثبات العجز وديمومة الفوضى

أحمد جابرالسبت 2025/11/29
Image-1764347303
يدور "البلد" في دوامة العجز التكويني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يتبدّى عجز الخطاب في مقاربته الواقعية، ويظهر ثباته في تكرار المقاربة بعد تغيّر أحوال الواقع.

يدور "البلد" في دوامة العجز التكويني، ويسلك خطاً بيانياً تراجعيّاً على كل صعيد. على هذا الخط النازل، تنبتُ نظريّات هجينة، وعن هذه النظرة تصدر خطط وبرامج وسياسات، فيها القول ونقيضه، وفيها إزدواجية اليوم ونقض البارحة، وفيها فوضى الانتقال من راهن القول وفعله، إلى احتمال اللغة ومحمولاتها الواقعية في المستقبل المنشود.

يطال حديث الفوضى، في لبوس ازدواجيتها، كل الطيف اللبناني السياسي، ويجتمع بين سطوره محفل الاعتراض الذي تحفل بوجوهه وأحاديثه الشاشات. وسط هذا المشهد الازدواجي العام، يتميز كل فريق عن الآخر بازدواجيته الخاصة، فيلاقي نظيره المزدوج في محطة، ثم لا يلبث أن يفارقه في محطات. يطلق النظراء، المتشابهين وغير المتشابهين، على هذا الالتقاء – الافتراق، اسم الخاصيّة اللبنانية، وهذا في حدّ ذاته، يساوي "الافتراء" على الصفات الحميدة التي تلصق لصقاً برانيّاً، بهذه الخاصية.

نذهب إلى استعراض الإزدواجيات، فماذا نرى من خطاب حضورها؟ وكيف يقدّم هذا الحضور مقاصد الحاضرين فيه، والمنتسبين إليه؟

 

تتقدم الازدواجية الوطنية على ما عداها، بما هي سقف الازدواجيات الفئوية الخاصة، وبما هي حاصل جمعها، وبما هي خلاصات نتائج أدائها. محاور "الوطنية" هذه، تتشكل مما هو عام من كل كيانيّة بلغت سنّ النضج، ثم حَثّت تطورها صوب سنوات النضج الكياني، المتطور والمستدام.

على هذا الصعيد، ومن المحاور اللبنانية، يحشد الخطاب ما يربو على الحاجة، عندما يدور الحديث عن نهائية الكيان اللبناني، ثم يحشد ما يفيض عن الشرح من وقائع تدحض هذه النهائية. في ذات السياق، الذي يجمع التضادَّ بين الشرح وتطبيقه، تندرج مسمّيات الوحدة والسيادة والتعايش والمواطنة والاستقلالية... ومعها يندرج مسمّى التفاخر بالتجربة اللبنانية الفريدة.

ثمة ازدواج نفي وطني واضح بين النتيجة التي تُعطى اسم "لبنان الرسالة"، وبين ما يتدفق من بين سطور هذه الرسالة، من افتراق واقعي، ومن شروخ داخلية لم تفلح سنوات النشأة المديدة في معالجة تشققاتها.

تحت سقف ما هو وطني مفترق ومفارق، ماذا تقدم ازدواجيات الأهليّات، المقيمة اليوم على قلق مشترك، والموزَّعة على هواجس متداخلة، والمتراشقة بما ملكت أيمانها من مفردات الخصام؟

 

بالنظر إلى راهن الاشتباك الأهلي اللبناني الراهن، تتقدم ازدواجية الشيعية على ما عداها. نقرأ في خطاب الازدواجية معادلة الانتماء للداخل والتفاعل معه، مثلما نقرأ معادلة الخروج على الداخل، قولاً وعملاً.

يطالعنا طلب التفاعل المشترك مع سائر الأطياف اللبنانية، وتواجهنا "صنمية" الخطاب ووحدانيته.

نسمع تعداد ميزات "البيئة" الحاضنة، تعداداً واقعيّاً، ثم نسمع طلب الاستعانة على صعوبة الواقع بقوة "الغيبيات". نسمع الصوت الذي تسكنه الاستقلالية وصيانة الوحدة ورفض كل تبعية للخارج، ونسمع في ذات الوقت، جهاراً ومن دون التباس، صوت الالتحاق الصريح بمرجعية خارجية.

وفي معرض المأزق المصيري الذي يواجهه الكيان اليوم، يجتمع نفي الخسارة الواقعية التي لحقت بأداء الشيعية المقاتلة، مع الترويج مجدّداً لاستعادة عناصر القوة، ومن ثم التهديد باستخدامها، تعود هذه الازدواجية إلى الاندماج في "أحادية" الخطاب، عندما يشير هذا الأخير إلى الهواجس الوجودية التي تراود "الشيعية"، ولنقل إن الهواجس حقيقية، في زمن سيادة الازدواجيات، لكن ما هو غير حقيقي فيها، أو مناقض لحقيقتها، هو البحث الصامت عن ضمانات وجودية داخلية، ما زالت غائبة، بسبب من أداء الإزدواجيات اللبنانية الأخرى، وبسبب من أداء الشيعية ذاتها.

 

تواكب الازدواجية "المسيحية" رفيقتها الشيعية، فلا تتخلف عنها، ولعلها تسير وإيّاها على الإيقاع ذاته، وتعتمد وإياها الاتجاه الافتراقي نفسه، وتتبادل معها النبرات واللهجات، في صفاتها الهادئة، وفي صفاتها الصاخبة. على السويّة ذاتها، نقرأ في خطاب الازدواجية "المسيحية" حرصاً متنامياً على الكيان، مثلما نقرأ خطاب افتراق خطير عن طيف واسع من "مكوّناته".

تدعو الخطابية "المسيحية" إلى الاحتكام إلى الديمقراطية، المجلسية وغير المجلسية، ثم تسوّق لمشروع غلبة "قانونية" من هذا الباب، ولمشروع تعديل بنيوي مفارق للواقع، من تلك "النافذة". تحشد "المسيحية" كل عناصر الإدانة ضد الشيعية مثلاً، وتقارب "بأدب" لافت، العدوانية الإسرائيلية.

تتجاهل "المسيحية" نتائج مغامراتها السياسية المريرة، التي غطّت المساحة الأوسع من عمر الكيان، فتعود لاعتماد ذات السياسات التي تهدف إلى كسر الداخل بقوة الخارج، هذا في الوقت التي تعيب على خصومها سلوك درب الاستقواء، وفقاً لما هو متاح في الظرف السياسي الراهن.

 

توظف المسيحية بعض الأصوات المعترضة على الشيعية اليوم، وهي تعلم علم اليقين، أن الشيعية لا تؤخذ من خارجها، وحين يكون مطلوباً من هذه المسيحية إعادة قراءة اللوحة الشيعية، والتدقيق في قسماتها، تغادر إلى توظيف سياسي إعلامي غير فاعل، في أوساط البيئة المراد إعادة تشكيل انحيازها.

على ضفاف الإزدواجيتين المؤطرتين هاتين، تتحرك "السنيّة" فِرَقاً وجماعات. غابت المرجعية الشعبية مع "الحريرية" السياسية، وتركت المقعد خاوياً. الفراغ هذا لا يستطيع ملأه حالياً، الرئيس نواف سلام، هو القادم من رؤية مغايرة، ولن يستطيع ملأه في المدى المنظور عدد من "المتزعمين" الذين وَفَدُوا إلى السياسة السياسية، بماليّتهم السياسية.

قاعدة التمييز بين الازدواجيتين المسيحية والشيعية، والحالة السنيّة، غير الأحادية وغير الازدواجية، هي أن هذه الأخيرة، لا تستند إلى كتلة أهلية منظمة ومنتظمة في أطر معلومة، وبقيادة معروفة، وبإعلانات سياسية تحدّد أهدافها وتوجهاتها.

 

خلاصات اللوحة المرئية، والمتداولة والمعيشة، تشير إلى استعصاء حالي تغذّيه الازدواجيات حيثما هي موجودة، وتضيف إليه التجريبية والحيرة وقلة الكفاءة، حيث لا ازدواجية أو انفرادية واضحة.

يفاقم الاستعصاء السياسي، غياب الرؤى السليمة التي يسعى أصحابها إلى إعادة بناء إطار داخلي جمعي، يحاصر "الشواذ" الداخلي، حيث وجد، وينتج التفاهمات المشتركة حيث يجب، ويقدم "حزام الأمان" الأهلي حيث تُلحّ الضرورة.

ونختم القول، ونشرعه على استئنافه:

- ليس صحيحاً رفع شعار نزع سلاح حزب الله، من دون فهم أسباب تمسكه به، لأسباب مصيرية داخلية.

- ليس صحيحاً، مساواة رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، وحركة أمل، بحزب الله وبقيادته.

- ليس صحيحاً غياب القول الواضح ضد العدوان الإسرائيلي، وغياب القول الواضح، حول كل لائحة الحقوق اللبنانية. 

 

وعلى السويّة ذاتها، ليس صحيحاً أخذ الآخرين إلى حرب لا يريدونها، وليس صحيحاً ادعاء قوة مفقودة، ولا إعلان ولاءات مرفوضة. وليس من الوطنية في شيء سوق الاتهام إلى كل مختلف ومخالف، وليس من الواقعية المتواضعة إعلان الإمساك بمفاتيح السيادة والحكمة والحصانة، ثم التجاوز على "الدولة" التي يطالب بها كل اللبنانيين، تجاوزاً يعلن في معرض الاستقواء عليها، أو في معرض التهكّم على قدراتها. هذه القدرات التي ساهم كلٌّ بمقدار، في منع الدولة من امتلاكها.

على المفترق الخطير: مغادرة الازدواجية، بدافع من تقيّة أو بدافع من انتهازية، أو بدافع من جهل... مطلب وطنيّ عام، أي مطلب جمعي شامل. التقدم صوب واقعية حماية البلد، يسمح باستخدام كل الوسائل وكل الأساليب. ميزان القوى اليوم لا يسمح بأكثر من التفاوض، فليكن التفاوض مسلكاً وسلوكاً. هل تخاض معركة تحسين الشروط إذا كان ذلك ممكناً؟ نعم، تخاض، لكن هذه المعركة تفترض إدراك المشترطين لحقيقة ما هم عليه من أوضاع.

وعليه لا لكل مغامرة بالمصير اللبناني، ولا لكل معركة خاسرة، ولا لكل ما من شأنه أن يهدّد بتبعثر ما بقي من الكيانية اللبنانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث