هل سيتمكّن المعارضون الشيعة من خرق بلوك "الثنائي"؟

جورج حايكالجمعة 2025/11/28
304.jpg
تحقيق خرق واحد في البلوك الشيعي الحزبي ستكون له دلالات عديدة (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدأت تحضيرات المرشحين الشيعة المناهضين لمشروع "حزب الله" للانتخابات النيابية المقرّر إجراؤها في أيار 2026، وقد ارتفعت الآمال هذه المرة بتحقيق خرق في بلوك الثنائي الحزبي الشيعي المؤلّف من "الحزب" وحركة "أمل".

من الواضح أن المرشحين الشيعة المستقلين، كما يحبّون توصيف أنفسهم، ليسوا وحدهم في هذه المعركة، إذ تدعمهم قوى سياسية وأحزاب وتيارات سيادية تتكلّم لغتهم وتتطابق رؤيتها للبنان الدولة مع رؤيتهم. وهدف هذه القوى بلا شك تحقيق خرق ديمقراطي في بلوك "الثنائي" الموالي لإيران والذي يعمل وفق استراتيجيتها في المنطقة.

لا شكّ في أن كثيرين يتوقون إلى أن تصبح الطائفة الشيعية متنوّعة سياسيًا، أسوة بالطائفتين المسيحية والسنّية. غير أن هذه المهمة التي يخوضها المعارضون الشيعة ليست سهلة، إذ سيواجهون حربًا ضروسًا من "الثنائي"، الذي سيستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمنع أي إنجاز لهؤلاء الساعين إلى حجز مقاعد في المجلس النيابي المقبل.

ولا بدّ من الإقرار بأن تحقيق خرق واحد في البلوك الشيعي الحزبي ستكون له دلالات عديدة على مستوى التركيبة السياسية في لبنان. فهل هذا الاحتمال منطقي وواقعي؟

 

فحص:فكرة الخرق مهمة

يتطلّع الناشط السياسي الشيعي اللبناني مصطفى فحص إلى تحقيق هذا الهدف بجدّية كبيرة، ويعمل في الجنوب ليكون الأمر منطقيًا وواقعيًا، رغم أنه ليس مرشّحًا، بل يدعم مجموعة مرشحين هناك يتقاسم معهم الرؤية السياسية نفسها. ويؤكّد أن "فكرة الخرق مهمة وجوهريّة، لكن فكرة بناء كتلة ناخبة ثابتة داخل الطائفة الشيعية هي الأهم". ويتمنى فحص ذلك، إلا أنه يرى أن "التمنّي شيء والواقع شيء آخر، فالظروف والأرقام تشير إلى أن الخرق صعب، لكن هذا لا يمنع من خوض المعركة من أجل مراكمة كتلة ناخبة جديدة لدى الشيعة، وهي كتلة كانت تجاهر بالسؤال منذ فترة وأصبحت اليوم تجاهر بالنقد، وقد بات هذا النقد معلنًا ولو بنسبة ضئيلة".

يعمل فحص على الأرض في دوائر الجنوب، ويتحفّظ عن ذكر أسماء المرشحين لأسباب تكتيكية، إلا أنه يعتبر أنهم سيمضون في المعركة من دون أوهام، وخصوصًا أنهم مرشحون واقعيون. والمطلوب، وفق فحص، "عملية تراكم طويلة النفس وتهيئة المجتمع الشيعي والنخب والطبقة المتوسطة لصعود قوة موازية لمرحلة ما بعد الثنائي الشيعي، من دون تكابر ولا غرور، لأن الثنائي طالما تكابر بأنه لا بديل عنه، ومن الحكمة خوض هذه المواجهة بتروّ لتحقيق الإنجاز في الوقت المناسب".

 

خليفة: الخرق أصبح واقعيًا

من جهته، يؤكّد منسّق حركة "تحرّر" الدكتور علي خليفة، وهو مرشّح شيعي في دائرة جبيل، أن احتمال حصول خرق أصبح واقعيًا، وذلك عبر الدوائر التي تشكّل "خواصر رخوة" للثنائي الشيعي، كونها دوائر غير مفصّلة على قياسه، بل مختلطة، وتتيح تحالفاتها السياسية بلوغ الحاصل الانتخابي، وهذا ممكن على المدى القصير.

وعند سؤاله: لماذا على المدى القصير؟
يجيب: "لأن الخرق المستدام على المدى البعيد، الذي يسمح فعليًا بإصلاح المشاركة الشيعية في الحياة العامة ويتيح تبدّل الوجه الذي شوّهه "حزب الله" داخل الطائفة، يحتاج إلى وقت طويل".

ويقدّر خليفة أن الخرق الواقعي في الانتخابات المقبلة لا يمكن أن يتجاوز خمسة مقاعد في دوائر "الخواصر الرخوة" للثنائي، "وهي دوائر مختلطة طائفيًا، قابلة للخرق مع تركيب تحالفات سياسية ذكية، ونحن نسعى إلى ذلك".

من جهة أخرى، لن تكون طريق المرشحين الشيعة المستقلين مفروشة بالورود. ويرى خليفة أن تحرير الشيعة من بلوك "الثنائي" لا يعني الشيعة وحدهم، لأن تنويع التمثيل الشيعي يشكّل مكسبًا للموارنة والسنّة والشيعة والدروز على حدّ سواء، معتبرًا أنّ هذا مشروع تحرّر وطني بامتياز. لكنه يلفت إلى أن هذا المسار قد يواجه صعوبات لأن حسابات بعض القوى السياسية—وربما تكون مشروعة ديمقراطيًا—قد لا تضع الخرق ضمن أولوياتها، "لذلك علينا اتخاذ قرار حاسم والمضيّ به".

وليس سرًا أن أصوات المغتربين، إذا سُمح لهم بالتصويت لـ128 نائبًا، ستغيّر المشهد السياسي وتزيد من فرص الخرق شيعيًا. ويؤكّد فحص ذلك معتبرًا "أن معركة السماح للمغتربين بالتصويت لـ128 نائبًا كبيرة جدًا، لأن الثنائي لديه رهاب المغتربين، وخصوصًا مغتربي الجنوب الذين يعيشون ويعملون في أفريقيا وقد خسروا ودائعهم المصرفية بسبب سياسات الثنائي، علمًا أن الحزب فشل في حماية أرزاقهم وممتلكاتهم هناك". ويلفت فحص إلى أن "هناك احتمالًا كبيرًا أن يكون للمغتربين دور معيّن، وهو رهان نسبي، ونحن نعرف هموم الاغتراب ونتعاون معه لأننا نعرف أيضًا الجريمة التي ارتكبها الثنائي بحقه".

من جهته، يوضح خليفة: "لو لم تكن أصوات المغتربين مهمة ومنظّمة وستصبّ في مصلحة خيارات الفريق السيادي واستعادة دور الدولة، لما كان الرئيس نبيه برّي و"الحزب" قد استماتا لمنعها، أو ربما يسعيان لمقايضتها ضمن مساومات تُحاك تحت الطاولة".

أما بالنسبة إلى التهديدات من الثنائي الشيعي للمرشحين المنافسين، فيكشف فحص أن معظم المرشحين الذين يعمل معهم لا يشعرون بتهديد مباشر، لكن المضايقات موجودة بشكل محدود. ويشير إلى أن الثنائي يعمل على عزل خصومه وتشويه سمعتهم عبر ماكينته الحزبية والاجتماعية والخدماتية، بحيث لا تكون الأذية مباشرة، بل عبر "تطعيم" بيئته الحاضنة بأفكار معادية، لافتًا إلى أن هذه الممارسات تراجعت نسبيًا من دون أن تتوقف، لأن داخل البيئة الشيعية بات هناك سؤال، "ونحن نعمل على هذا السؤال في الطائفة عمومًا والجنوبيين خصوصًا، ومن هنا مدخلنا إلى تفكيك خطاب رفض الآخر الشيعي".

في المقابل، يعتبر خليفة أن "الثنائي يستخدم العنف الانتخابي ضد معارضيه. ونحن نعرف أن مشروعنا مناقض لمشروعه، وهو يتعامل معنا بلغة الإقصاء ومنطق الاغتيالات والعنف، وقد يكون هذا العنف أحيانًا معنويًا وربما يتطوّر إلى تصفية جسدية. فقد عانيت شخصيًا في الانتخابات السابقة من العنف المعنوي والتجريح الشخصي والاتهامات بالخيانة والعمالة وشيطنتي".

ولا يخفي خليفة أن مواقف المرشحين الشيعة المستقلين تحدد تحالفاتهم، وهي ليست تحالفات نفعيّة، بل يرى معظم هؤلاء أنهم منخرطون في مشروع واحد مع "القوات اللبنانية" و"الكتائب" وسائر القوى والشخصيات السيادية، ومحور هذا المشروع هو الانتماء إلى لبنان أولًا وأخيرًا وتكريس الهوية اللبنانية وسيادة الدولة كاملة على الصعد كافة: الدفاع، الأمن، الاقتصاد والمجتمع، فضلًا عن تحقيق السلام بدل الحروب العبثية.

 

مراد: لتحالف المستقلين

ومن المعارضين للثنائي يبرز اسم الدكتور هادي مراد، المرشّح في بعلبك، والذي يؤكّد أن أي خرق لبلوك الثنائي الحزبي الشيعي لا يمكن أن يتحقّق من دون تحالف المستقلين الشيعة مع القوى المسيحيّة والأطراف السنيّة، وهذا سيقتصر على بعض الدوائر المختلطة ومنها بعلبك.

ويرى مراد أن تركيبة التحالفات ليست واضحة ولا رؤية محدّدة حتى الآن، "لأن هناك مشاكل عديدة تحيط بالانتخابات، وليست هناك نية واضحة وحاسمة في خوضها. لكن لا شك أن هناك تقاربًا سياسيًا بيني وبين القوات اللبنانية".

وتشير تقديرات لقوى حزبية سيادية إلى أن الدوائر القابلة للخرق في جسم الثنائي الحزبي الشيعي، وفق استطلاعات الرأي، تشمل بيروت الثانية وبعبدا والبقاع الغربي وجبيل وزحلة ودائرة الجنوب الثالثة. وتؤكّد هذه القوى أن هذه الدوائر مختلطة إمّا بين المسيحيين والشيعة، أو بين المسيحيين والسنّة والشيعة، وأحيانًا الدروز، مثل دائرة بعبدا.

يستعدّ المرشحون الشيعة المستقلون لخوض مواجهة قوية وجريئة في الانتخابات النيابية المقبلة. ولا شيء مستحيلًا، فهناك تغييرٌ ما يتشكّل في المجتمع اللبناني، خصوصًا لدى قسم لا بأس به من أبناء الطائفة الشيعية الذين سئموا الحروب العبثية ويتوقون إلى الدولة. صحيح أنّ هذا التغيير قد يكون خجولًا، لكنه كافٍ ليدفع المرشحين الشيعة المستقلين إلى خوض المعركة بكل جدّية وإرادة صلبة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث