بضع كلمات، صدرت عن الحرس الثوري الإيراني، كانت كافية لإعطاء الإشارة الدالة والمكثفة، عن حقيقة الموقف والواقع اللبناني، والى أين يمكن أن يتجه وكيف ستكون الأمور.
فإثر تمكّن إسرائيل من اغتيال القائد العسكري في حزب الله، هيثم علي الطبطبائي، في شقة في منطقة حارة حريك، في الضاحية الجنوبية.. وانشغال الرأي العام المهموم والمرعوب في البحث عن جواب شاف، لما يمكن أن يتطور إليه الوضع العسكري والسياسي، إثر هذه العملية.. وقبل أن يعلق حزب الله على ما جرى، ويقرر ماذا يمكن أن يفعل، وهل من الممكن أن يرد بالمثل.. سارع الحرس الثوري الإيراني، لإصدار بيان جاء فيه: "حق محور المقاومة وحزب الله في الثأر لدماء المجاهدين والقيادي في حزب الله هيثم الطبطبائي محفوظ، ورد ساحق في انتظار المعتدي في الوقت المناسب".
في الواقع، اختصرت هذه الكلمات القليلة حقيقة الأوضاع التي يعيشها لبنان وينغمس فيها حزب الله.
الأمر لم يقتصر على بيان الحرس الثوري، إذ تبعه بعد ساعات مستشارُ المرشد الأعلى في إيران، علي أكبر ولايتي، الذي قال: "إنّ وجود حزب الله بات بالنّسبة إلى لبنان أهمّ من الخبز اليوميّ".
وأضاف المستشار، إنّ "حزب الله كان منقذًا للشّعب اللّبنانيّ، وإنّ إيران ستواصل دعمه"، مضيفًا أنّ "اعتداءات إسرائيل تظهر النّتائج الكارثيّة لنزع سلاحه بالنّسبة إلى لبنان".
لم يعد هناك أي مجال للشك أو التحليل أو التقدير، فقد كشفت إيران مرة جديدة حقيقة تمسكها بورقة حزب الله، ونظرتها إليه وإلى لبنان، وقرارها بعدم ترك هذه الورقة من يدها، من دون استثمار واحتكار تحت أي ثمن، أو التنازل عنها أو تبديل دورها، أو إعادة دراسة هذا الدور في ضوء المتغيرات الجديدة التي نتجت عن الحرب والمواجهة الأخيرة.
فبالرغم من شبه الدمار الشامل، الذي لحق بالجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وتشريد وإهانة وقتل سكان وأهل وعائلات هذه المناطق، من الطائفة الشيعية في لبنان، فإن إيران تعتبر حسب مستشار المرشد، أن حزب الله هو أهم أمر في لبنان بل أهم من الخبز اليومي، حسب هذا "العبقري" المتفوق!
إذا كانت الرسالة الإيرانية بهذا الوضوح، كمرجعية مقررة بخصوص الاتجاهات الرئيسية لدى الطائفة الشيعية في لبنان، فإن الرسالة الأخرى التي وصلت للرأي العام اللبناني والشيعي بشكل خاص، بالتوازي مع الرسالة الأولى، هي رسالة المرجع الشيعي الكبير من النجف العراقي، السيد علي السيستاني، إلى القيادة الإيرانية، والتي طالبت بوقف إدخال شيعة لبنان في حروب جديدة، مما يشكل خطراً على دورهم وموقعهم.
ما يستدعي التوقف عنده بكثير من الانتباه، هو تقاطع رسالة السيستاني إلى إيران، مع زيارة المساعد السياسي للرئيس نبيه بري، النائب علي حسن خليل إلى طهران، واجتماعه بالمسؤولين هناك. وكما هو معروف، فإن حركة أمل والرئيس بري، هما حسب التقاليد والأعراف المذهبية الشيعية، من المقلدين للمرجع السيستاني. بمعنى، أنهم يتطابقون مع نهج المرجع السيستاني وطريقة تفكيره.
ويعد السيد السيستاني، حاليًا، المرجع الأعلى لدى ملايين الشيعة الاثني عشرية حول العالم، وليس في لبنان فقط. وهو في اتجاه وتفكير مختلف تماماً عن اتجاه المرجعية الشيعية في قم، والتي تقول وتؤمن بنظرية ولاية الفقيه التي أطلقها الإمام الخميني، بعد إسقاط شاه إيران، ويتمسك بها الآن الإمام علي خامنئي. وهي النظرية التي لم يتوافق عليها أو يقبلها كل المسلمين الشيعة في العالم، وخصوصاً مراجع شيعية لبنانية مهمة، كمثل المرجع الكبير المرحوم السيد محمد حسين فضل الله، والإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، الذي قال وتمسك وروج لنظرية معاكسة، بل مناقضة تماماً لنظريات المراجع المسيطرة على السلطة في إيران منذ سقوط الشاه.
الجدير ذكره هنا، أن المرجع السيستاني، هو أول من أطلق شعار ونظرية "حصر السلاح بيد الدولة" وسحبه من يد الميليشيات المسلحة في دول المنطقة، في موقف لافت له، قبل اعتماده من قبل العهد الحالي في لبنان، والمصادقة عليه من قبل الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام.
ما يجدر التوقف عنده، أن اغتيال الطبطبائي في حارة حريك، جاء بعد سنة بالتمام والكمال من إعلان اتفاق وقف النار، أو الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل. بعد أن سبق ذلك عمليات اغتيال واختراقات كبرى استهدفت حزب الله وجسمه التنظيمي وكادرات الصف الأول، مما يدل على أن الحزب ومعه الحرس الثوري، المشرف عليه، لم يتمكن من سد الثغرات والانكشافات الأمنية والتجسسية، التي ظهرت في بنية الحزب.
كان المفروض في حزب الله، المصمم على المواجهة مع إسرائيل، بالأسلوب وطريقة التفكير السابقة، أن يخبر الجمهور اللبناني والرأي العام والبيئة الشيعية المنكوبة، عن المراجعة التي أجراها ونتائجها، ومن تسبب بهذه الاختراقات الخطيرة التي جرت وأدت إلى اغتيال أمينين عامين وأغلب الصف القيادي العسكري.
المشكلة التي لا يظهر أن حزب الله قد استوعبها، وإيران كذلك، بالرغم من الخسائر الفادحة التي تلقتها الطائفة الشعية، والجمهورية اللبنانية المستقلة عن دولة الملالي في إيران، أن لبنان، كل لبنان، بأغلب أجياله وطوائفه، وشعبه المقهور والمنكوب بأكثر من نكبة، لم يعد قادراً على قبول واحتمال هذا الثمن المرتفع، من التدمير والتخريب وإعادة التدمير، من أجل أن تنجح إيران في إكمال وإنجاح مشروعها النووي وفي مفاوضاتها مع أميركا والدول الغربية.
طفح الكيل لبنانياً بسياسة استخدام لبنان صندوق بريد. فقد بات وأصبح الصندوق مهشماً ومخلعاً وغير قادر على تسلم واحتمال الرسائل واستقبالها.
