ممداني "الميداني" نموذجاً للانتخابات النيابية في لبنان؟

Image-1764185915
لا يوجد "مرشح سحري" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتصر زهران ممداني ومعه انتصرت فكرة، وهي ليست الاشتراكية. الفكرة المنتصرة هي الفرضية أنّ الناس "العاديين" يستطيعون منافسة رجال أعمال كبار وشركات ضخمة ودولة عميقة، في حال آمنوا بالتنظيم وقوة الجرأة و"الوقاحة" والمبادرة. ولكن سياق الانتصار هو نيويورك، المدينة الغنية بتناقضاتها السياسية وتاريخها الحافل بالمنافسة العقائدية والفكرية والطبقية. من هنا نبع زهران ممداني، ولكن اليسار الذي يشبهه أصبح موجوداً في كلّ أنحاء الكوكب، وخصوصاً في بيروت. 

 

ممداني هو "اشتراكي ديمقراطي"، ولكن خطّه العقائدي لم يحتكر شخصيته المرنة والمفتوحة على تعددية المدينة واختلافات سكانها. وحّد "أعداء المدينة" تحت سلّة واحدة جمعت بين غلاء المعيشة، إيجارات السكن، تقديم النقل المجاني، ومواجهة شخص دونالد ترامب نفسه. استبدل ممداني تشاؤم اليسار التقليدي بابتسامة مستمرّة أمام الخصم والصديق، حتى دونالد ترامب نفسه. نقض جدية "السياسي الممل" بالرقص والمرح والسخرية. وتعامل مع الملفات "الحساسة" أميركياً (فلسطين، مسائل جندرية، معاداة السامية) بحسم الموقف "الإيجابي" من دون المزايدة الأخلاقية المكلفة. جمع بين مجتمع الميم-عين، الفئة المسلمة المحافظة، والليبراليين واليساريين العقائديين تحت راية "الحرية" و"الحقوق والواجبات"، وتحديداً بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، من دون خوض النقاشات السامة المشجّعة لـ"ثقافة الإلغاء". 

نعم، نيويورك ليست بيروت، والولايات المتحدة ليست لبنان، ولكن تحديات زهران ممداني تشبه تحدياتنا، وسبل المواجهة، في الأدوات التقنية والفنية والروحية الخطابية العامة، تفضح تقاطعات مهمة في الفكر والممارسة بين سياقات متفاوتة. 

ولكن هل يحتاج لبنان إلى زهران ممداني؟ هل يحتاج إلى شخصية بشعبيته المجتمعية لتربح الانتخابات، خصوصاً في سياقنا الذي كرّس الطائفية كأداة مهمة في صنع حالة جماهيرية شعبية واسعة؟ الجواب: لا، لسنا بحاجة إلى زهران ممداني، بالرغم من الحاجة إلى أساليب تواصل سياسي جديدة. نحتاج إلى نوع مختلف من الشعبوية، تنقل الأحاديث والمشاعر والآلام والطموحات الخاصة من داخل البيوت وبين الأصدقاء إلى النطاق العام.

فلا يوجد زهران ممداني في لبنان، ولكن يوجد جزء من الشروط التي أنتجت روحية حملته: أكثر من 44% من المواطنين أصبحوا تحت خط الفقر؛ وفق البنك الدولي، ارتفاع خيالي بالأسعار؛ انقسام سياسي عمودي بكلّ معنى الكلمة. من هذه الناحية، قد نجد بعض الدروس المفيدة. 

 

"الحذر" مقتلنا: نحو رفض "المعتاد المريح"

الأزمة الأولى لكلّ "كتلة التغيير" هي غياب أطر حزبية جماهيرية تنظّم العلاقة مع الفئة "المستهدفة"، تلك التي تنسجم مع رؤيتها السياسية أو تقاطعاتها ومصالحها المادية والطبقية. لذلك، نرى في ما يسمّى "جو التغيير" حالة من الضياع من حيث تحديد السقف السياسي المطلوب. هذا السقف هو الذي يحدد "المعنى النضالي" لأي خلية، مما يشجّع المتطوعين (قبل المقترعين) الذين سيعملون من أجل هذا المشروع وتلك المصالح. الضياع هنا ينتج "الحذر" الانتخابي خوفاً من "خسارة" أصوات فئات واسعة في المجتمع. 

ولكن الحذر، في هذه الحالة، قد يكون مقتل الحركة كلها. في خريطة سياسية تستوجب "الحسم"، يصبح "الحذر" ناتجاً عن غياب الخط السياسي التقدمي المعلن تحت عنوان مزيّف "للبراغماتية" لشدّ جماهير لديها خياراتها "الأصلية" عند مرشحين ولوائح معروفة، تحديداً المحافظة منها. هذا الحذر يمنع تشكيل جسم حيوي من "المتطوعين المبدئيين" على الأرض، وبالتالي سيقتل فعالية الماكينة الانتخابية ككل. على سبيل المثال، توجد لوائح وزعامات بيروتية-سنية صغيرة تتنافس على المفاتيح والمخاتير عبر الرشوة الانتخابية "الصامتة المعروفة". تحويل "الخط التغييري الغامض" إلى "خط سني إصلاحي حذر" لن يزيد قدرته التنافسية في مواجهة تلك الحالات "الزعاماتية الصغرى"، وبل يعيق قدرة هذا الخط على تطوير "المعنى" الذي يضمن استدامته الشعبية. بذلك، لا نستطيع أن نتنافس مع "التقليديين" على "التقاليد". 

على عكس ذلك، المطلوب منا هو البحث عن قيمتنا المضافة كتقدميين علمانيين، ولكن من دون النخبوية "المعلنة" التي تعودنا عليها عند خسارتنا لقواعد مجتمعية كبيرة بعد انتخابات 2022. الحل؟ لنتحدّث لغة "العائلة الغاضبة" على أسعار المحروقات والروائح السامة والبطالة العارمة، كي نصبح مرتاحين مع لغتنا "الخاصة" في النطاق "العام". قد نحتاج إلى روحية تسيّس "الشتيمة الشعبية"، لطالما موجّهة إلى الأصحاب المصالح والامتيازات فقط. وفي حال الهزيمة الانتخابية آتية ولا مهرب منها، لنجعل من الانتخابات فرصة لبناء رصيد مستدام لدائرتنا السياسية بعيداً عن ثقافة "شراء الوقت" و"خوض الاستحقاق من أجل خوض الاستحقاق".

 

أي مرشّح نريد؟

ولا يمكن أن نغفل عن المشكلة التي ظهرت مع تراجع حزب الله سياسياً وعسكرياً، حيث برزت ظاهرة "المعارض الشيعي". الكل يريد أن يغتنم الفرصة ليصبح نائباً، من دون فهم شروط الفوز أو سبب خوض المعركة. فالنيابة ليست فقط موقفاً ضد حزب الله؛ بل هي إحدى أدوات المنافسة السياسية المستمرة لفئة تهدف للسلطة من أجل تحقيق وعود أيديولوجية أو للدفاع عن مصالح مادية.

فما هو المرشح المطلوب اليوم؟ في الواقع، لا يوجد مرشح "مثالي" محدد، والحل لا يتمحور حول وجه خاص بالأساس؛ بل حول مدرسة سياسية منتجة للأفراد والتكتيك والأدوات، بعيداً عن الاعتبارات الضيقة لكلّ فرد بحدّ ذاته. "زهران ممداني" ليس نتيجة سحرية لإرادة "شخص زهران ممداني". هو عضو في تنظيم سياسي (الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا) ذي جذر في مدن كبرى مختلفة، حصلت بالمجمل على أكثر من 200 مقعد في المجالس المحلية في عدد من الولايات. وعمل التنظيم، منذ عام 2019، على جذب فئات واسعة من الشباب في مختلف أحياء مدينة نيويورك. وشبّك مع جيل طلّابي حيوي في الجامعات عمل بقوّة على ملفات ككلفة التعليم واستثمار إدارات الجامعات (مثلاً، استثمارها في جرائم الحرب الإسرائيلية).

 من يريد أن يكون خياراً سياسياً جدياً، عليه أن يبني أُطراً تنظيمية تجعله خياراً مقنعاً لجهات فعلية في المجتمع ذات مصالح مادية ومعارك يومية. العناوين السياسية الكبرى في لبنان هي ضرورة لخوض أي معركة، ولكنها أصبحت مستهلكة ومنتجة للخيبات المتتالية أيضاً. إضافة إلى ذلك، لا توجد وصفة سحرية لترشيح شخص ما؛ بل يجب أن يكون هناك فريق سياسي قادر على التكيّف وتحويل بعض "الأقليات" السياسية والمنظّمة إلى قوّة قادرة على التأثير "من تحت". المرشّح هو من يشجّع العمل الميداني الشجاع والصريح، ويعمل على رفع نسبة المشاركة في الانتخابات. 

 

نحو شعبوية جديدة

أحسن زهران ممداني صنعاً في حملته الانتخابية، إذ أدّى دوراً سياسياً متكاملاً، وأظهر إمكانات جديدة في مقاربة "التواصل السياسي" (Political Communication). تمكّن من تقديم نفسه كمدافع عن الطبقة العاملة أولاً، وكمسلم أميركي مهتم بقضايا الأقليات ثانياً، يسعى إلى دمجهم في المجتمع الأميركي وجعلهم فاعلين في الحياة العامة في نيويورك. وقد أصبح بالفعل عميداً لمدينة نيويورك.

حين ينتقد الناس بعض الزعامات بسبب ما نعتبره شعبوية زائفة أو كاذبة، فإنهم لا يرفضون الشعبوية بحد ذاتها؛ بل يبحثون عن شعبوية متصلة بهمومهم اليومية ووعيهم الحياتي المباشر. يريدون سياسة تبدأ من الحي، من كل بيت، من كل شارع، وتصل إلى المنطقة فالمحافظة فالقضاء. السياسة ليست قائمة على شعارات؛ بل على ربط الشعار بالمدخل على قلوب المقترعين والمتطوعين، وهكذا فعل ممداني. اليوم لدينا في لبنان بعض الخيارات السياسية البديلة، وقد ظهرت هذه الخيارات في انتخابات عام 2022 في عدة المناطق، ولكنها في الواقع بقيت حملات "النخبة السياسية الثورية". وفي ذلك الظرف، بعد انتفاضة شعبية مشجّعة للنقاش السياسي الحاد والواضح، كان هذا الخيار منطقياً.

ولكن النقاش السائد في البلد اليوم ليس قائماً على الحقوق والتحوّل المجتمعي والسياسي: أصبحنا في زمن "العاطفة" و"الأخلاق" و"النبرة". وهنا، العمل يبدأ بتحديد متطلبات وشكل التمثيل وخريطة العمل للتواصل مع القاعدة، وليس حصر الحملة بالتلفاز والبرامج ومواقع التواصل الاجتماعي. من بعد استيفاء الشروط المذكورة أعلاه، ندخل في بزار الأسماء.

لذلك، لبنان بحاجة إلى "تجديد" في العمل السياسي، ومواجهة التجارب المهيمنة، وعلى رأسها حزب الله، يحتاج إلى "سياسة إيجابية" لا تتمحور أولاً على "النقيض"، بل على تصوّر بحدّ ذاته للبلد والمدن وحياة الناس. لذلك، لا يوجد "مرشّح سحري". لنبحثُ عن فريقٍ خلّاقٍ في السياسة، بعيداً عن النشاطية المتكررة والهزيلة. تحديد البوصلة، توسيع نطاق المشاركة، وتشجيع العمل الميداني الجريء والصريح.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث