"دروب الجحيم مرصوفة بالنيات الحسنة" (منسوبة للقديس برنارد)
سواء قصدت حماس ذلك أم لا، فإنّ هجوم 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 وفَّر لحكومة إسرائيل اليمينية المتطرّفة "لحظة ذهبية" لتسويق مشروع قديم: تدمير بنية غزّة التحتية، تغيير واقعها الديموغرافي قدر الإمكان، وتوسيع هامش استعمال القوة المفرطة في كلّ الجبهات المرتبطة بمحور المقاومة (غزّة، لبنان، سوريا، إيران) تحت عنوان الدفاع عن النفس في حرب وجودية.
في 7 أكتوبر شنّت حماس وفصائل أخرى هجومًا مباغتًا على جنوب إسرائيل، قُتل فيه أكثر من ألف مدني وعسكري، وأُخذ مئات الرهائن، في مشاهد صادمة نُقلت مباشرة إلى الرأي العام الغربي والعالمي. هذا الهجوم، كما شاهدنا، وفّر لإسرائيل في بدايات الأمر تعاطفًا دوليًا غير مسبوق منذ عقود، واعترافًا واسعًا بأنّ لها "حق الدفاع عن النفس" وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما ناقشت ذلك دراسات قانونية غربية عديدة بهذا الخصوص. كما أنها أمنت غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا مبدئيًا لدى الولايات المتحدة وأوروبا لتسليح إسرائيل وتغطية عملياتها العسكرية الواسعة في غزّة، رغم التحفظات اللاحقة على الحجم والتكلفة الإنسانية. وهذه التحفظات، كما خبرنا مرارًا وتكرارًا، لا تسمن ولا تغني، أي لا تبني حدودًا أخلاقية أو قانونية لردع الغلو الإسرائيلي في استعمال الرخصة للقتل والتدمير.
بهذا المعنى، الهجوم أتاح لحكومة نتنياهو، المحاصرة قبل ذلك بأزمات داخلية واحتجاجات شعبية، فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي تحت شعار "وحدة الجبهة في حرب وجودية".
قبل 7 أكتوبر، كان النقاش الدولي يدور حول حصار غزّة والاستيطان في الضفة واتهامات متزايدة لإسرائيل بممارسات فصل عنصري. لكن، بعد الهجوم، تغيّر الإطار السردي عند الحكومات الغربية، إلى أن إسرائيل تتعرّض لهجوم إرهابي غير مسبوق، ومن حقها أن تُسكت هذا الخطر بأي ثمن تقريبًا. هذا الإطار استخدمته إسرائيل لتبرير قصف كثيف وبقنابل ضخمة لأحياء مكتظّة بالمدنيين وتدمير واسع للبنية التحتية المدنية بشكل منهجي، غير مرتبط بالحاجات العسكرية في كثير من الأحيان. ومن ثم تهجير السكان داخل القطاع، والحديث صراحة في بعض الأوساط عن تشجيع خروج "طوعي" إلى سيناء أو دول أخرى.
كثير من الدراسات القانونية المستقلة خلصت إلى أن حجم الدمار والخسائر البشرية في غزّة، تجاوز مبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني، أي أن الردّ صار أكبر بكثير من الهدف العسكري المشروع المعلن، وهو تصفية حماس. فقد استثمرت الحكومة الإسرائيلية فكرة أن "غزّة مصدر دائم لهجوم مماثل لما حصل في 7 أكتوبر"، لتطرح عمليًا إنشاء مناطق أمنية عازلة داخل غزّة وعلى حدودها، وبقاء قوات إسرائيلية في أجزاء واسعة من القطاع إلى أجل غير مسمّى، بحجة منع عودة حماس أو أي تهديد مشابه.
هذه السياسات تصبّ بوضوح في اتجاه تفريغ أجزاء من غزّة أو منع عودة السكان إليها. ومن هنا الاتهامات بالتطهير العرقي أو التهجير القسري. وذلك من خلال سياسات تأسيسية للدولة الصهيونية بإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي بما يخدم التصوّر الأمني الإسرائيلي بعيد المدى، ومن ثم حماية الواقع الجديد بتوازن قوى مختل بشكل فاضح بين إسرائيل والآخرين.
بمعنى آخر، فإن الهجوم وفّر ذريعة قوية لتحريك مشروع كان مطروحًا في أوساط اليمين منذ سنوات، لكسر غزّة كدولة أمر واقع، وإعادتها إلى حالة حطام مفتّت، مع كانتونات سكانية مضغوطة ومحاصرة. يعني أن سعي حماس لتغيير الوقائع القائمة بالهجوم، تسبب بتدمير حتى الحالة التي سعت للحفاظ عليها منذ طرد السلطة الفلسطينية من غزة.
بالنسبة للبنان، بعد 7 أكتوبر، فتح حزب الله جبهة مساندة على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة بقصف مواقع عسكرية ومستعمرات حدودية. إسرائيل من جهتها قدّمت ذلك كجزء من حرب شاملة تقودها إيران عبر أذرعها: حماس في غزّة، حزب الله في لبنان، مليشيات في سوريا والعراق، الحوثيون في اليمن. النتيجة كانت، كما هو معروف، تسويغ ضربات جوية ومدفعية واسعة على الجنوب اللبناني، طالت بلدات وبنى تحتية مدنية، وأدّت إلى تهجير عشرات آلاف السكان. ووفق تبرير خطاب رسمي، مفاده أن إسرائيل تخوض الحرب لمنع 7 أكتوبر شمالي، أي منع تكرار السيناريو عبر حزب الله، ما يسمح بضرب عميق داخل الأراضي اللبنانية، والحديث عن مناطق آمنة أو أحزمة أمنية داخل لبنان، كما حصل تكرارًا في الماضي في 1978 و1982.
إذًا، هجوم حماس جعل من السهل على إسرائيل أن تقول للعالم "نحن لا نهاجم لبنان دولة وشعبًا، بل نحبط محاولة تكرار 7 أكتوبر على يد حزب الله".
في سوريا كانت إسرائيل تضرب أهدافًا إيرانية وحزبية في منذ سنوات قبل 7 أكتوبر. الجديد بعد الهجوم هو ربط كل الضربات بسردية واحدة بكونها حربًا استباقية ضد مشروع إيراني- حمساوي- حزبلاهي موحّد يستهدف وجود إسرائيل. من هنا تسويق الهجمات على مطارات، مخازن سلاح، قوافل، وقواعد في سوريا على أنها امتداد مباشر للرد على 7 أكتوبر، ومنع فتح جبهة سورية كاملة ضد إسرائيل.
إذًا، لقد منح الهجوم دفعًا لسياسة إسرائيل القديمة في سوريا، ومشروعية إضافية أمام الرأي العام الغربي، باعتبارها جزءًا من حرب الدفاع عن الذات في سياق واحد. وحتى بعد سقوط إيران وحزبها في سوريا مؤخرًا، بقي تسويغ الاعتداءات بحجج حماية الأقليات والحاجات الأمنية الاستباقية لإسرائيل.
بالنسبة لإيران، قبل 7 أكتوبر، كان الصراع مع إسرائيل في الغالب حرب ظل، تستند إلى الاغتيالات والهجمات السيبرانية وضربات محدودة، إضافة إلى صراع نفوذ في سوريا ولبنان واليمن. بعد 7 أكتوبر تزايد خطاب فحواه أن إيران هي الراعي الإستراتيجي للهجوم، عبر دعم حماس وحزب الله. هكذا برّرت إسرائيل ضرب أهداف مرتبطة بإيران في سوريا ولبنان، ولاحقًا تبادل ضربات مباشرة مع إيران نفسها، باعتبار ذلك على أنه المرحلة المتقدمة من الحرب التي بدأتها حماس في 7 أكتوبر.
هذا الربط مكّن إسرائيل من حشد دعم ضمني أو صريح من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، وعربي مضمر، ضد إيران، تحت شعار احتواء التهديد الإيراني الإقليمي ورفع سقف استعمال القوة من دون أن تُصنَّف إسرائيل مباشرة كدولة معتدية، بل كطرف يردّ على شبكة عسكرية إيرانية هجومية.
المهمّ هنا هو الفرق بين نوايا حماس ونتائج فعلها. من منظور حماس -حسب تصريحاتها وبعض التحليلات- كانت أهداف الهجوم كسر حالة الهدوء مقابل فك الحصار، وأسر جنود ومدنيين لفرض صفقة تبادل أسرى واسعة، وتوجيه ضربة ردعية للجيش الإسرائيلي، ومن ثم إعادة وضع القضية الفلسطينية في واجهة المشهد العالمي ،وعدم السماح لصفقات سلام على حساب الحق الفلسطيني. كما أن بعض التحليلات تقول إن حماس أرادت استدراج حلفائها بأجمعهم فيما يسمى معسكر الممانعة لفتح الجبهات بشكل متزامن على نحو يحرج إسرائيل عسكريًا.
لكن، من حيث النتائج الفعلية أعطى الهجوم لإسرائيل ذريعة قوية لتدمير غير مسبوق في غزّة، وتبرير تهجير واسع النطاق لإنشاء أو توسيع مناطق أمنية وسيطرة عسكرية دائمة. كما أن هذا الأمر فتح الباب لتوسيع الحرب إقليميًا تحت عنوان مواجهة محور واحد يقوده إيران، ما شرعن استخدام القوة المفرطة في لبنان وسوريا وضد أهداف إيرانية، من دون ردع دولي فعّال.
في الوقت نفسه، جعل إسرائيل نفسها تواجه اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم حرب وانتهاك مبدأ التناسب في الرد وبالتطهير العرقي أو حتى الإبادة الجماعية، بحسب دعاوى قُدِّمت في محاكم دولية وكتابات قانونيين. وكما هو معروف لم تسأل إسرائيل عن تلك الأمور لاستنادها إلى سياسة فرض الأمر الواقع والغطاء الأميركي.
إذًا، يمكن القول إنّ هجوم 7 أكتوبر خدم تكتيكيًا واستراتيجيًا حكومة اليمين الإسرائيلي في تبرير العنف المفرط، وإعادة هندسة الواقع في غزّة والمنطقة، لكنه في الوقت نفسه عمّق عزلة إسرائيل الأخلاقية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، إنما -وكما جرت العادة- قد يكون أمرًا مؤقتًا، وقد تأتي حوادث أخرى تنسي العالم.
بالمحصلة، فإن الدرس يجب أن يكون ألا تكرار للسابع من أكتوبر من جانب العرب، في حين أن إسرائيل ستبقى تبحث عن حدث مماثل لاستكمال سيطرتها.
