حتى لا تَدفُن المادة 84 حقَّ الاقتراع في مكان السكن!

نزيه درويشالخميس 2025/11/27
عدم اكتمال النصاب في جلسة مجلس النواب(مصطفى جمال الدين)
النقاش حول خيارات البطاقات مفتوح ومشوَش بالكامل(مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

منذ إقرار قانون الانتخابات الرقم 44/2017 في 17 حزيران 2017، بقيت المادة 84  لغزًا معلّقًا في النص، كعنوان إصلاحي جذّاب، أكثر مما هي مشروعٌ قابلٌ للتنفيذ. لقد أرادت الأسباب الموجبة للقانون تطبيق واحد من أكثر الإصلاحات المطلوبة شعبيًا، وهو السماح للناخب اللبناني بالتصويت في مكان سكنه من دون الاضطرار للانتقال إلى مكان قيده الأصلي. 

ولتحقيق هذا الهدف، نصّ القانون على اعتماد بطاقة انتخابية، سمّاها المشرّع حينها «ممغنطة»، من دون تحديد خصائصها. وتجنّب القانون، الذي حمّل البطاقة مهمة محورية، وضع أي آلية تطبيقية لها، ولم يحدّد لها أي مواصفات تقنية، ولم يشرح آلية عملها. والأسوأ أنّه ترك دقائق تنفيذها رهنًا «بمرسوم يُتَّخذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثُلثين بناءً على اقتراح  وزير الداخلية والبلديات»! 

لكنّ ثماني سنوات مضت، جرت خلالها انتخابات 2018 ثم 2022، من دون أن ترى البطاقة النور، ومن دون أن تُطبق المادة 84. جرى تعليق العمل بها بذريعة “عدم الجهوزية التقنية”. لكنّ الحقيقة أن تعليقها عطّل الهدف الإصلاحي الأساسي: تيسيرُ اقتراع الناخب وتحريره من سطوة قوى الأمر الواقع، وفتحُ الباب أمام مشاركة انتخابية "أكثر تفلّتًا" من الضغوط المادية والمعنوية، وبالتالي رفع نِسَب المشاركة؛ أي إنّ القانون وضع الهدف، وسمح بتعليق الوسيلة. 

وهذا ما يجعل النقاش حول خيارات «البطاقات» اليوم مفتوحًا ومشوَّشًا بالكامل، من حيث نوعها، والتكلفة، والتقنية، والزمن، والعدالة، وشفافية التنفيذ. وتدور الخيارات حول:

  1. البطاقة الممغنطة كما وردت في القانون.

  2. بطاقة QR Code كما يقترح وزير العدل.

  3. بطاقة الكترونية ذكية smart card أو تطوير بطاقة الهوية البيومترية.

  4.  الذهاب نحو مراكز اقتراع كبرى (ميغاسنترز) مع آلية تسجيل مُسبَق.

لكنّ النقاش في جوهره ليس تقنيًا. بل هو صراع سياسي على حرية الناخب. فهناك قوى سياسية، وفي طليعتها «الثنائي الشيعي»، تدرك تمامًا أن إعطاء الناخب حرية الاقتراع في مكان سكنه، بواسطة بطاقة أو في ميغاسنتر محايد، يعني كسر حلقة السيطرة التي ما زالت قائمة في مناطق نفوذها. ولذلك تعرقل أي حلّ يسمح بتحقيق الأسباب الموجبة للقانون.

هذا المقال يعيد تفكيك هذا المشهد عبر ثلاثة مفاصل:

1) ما الذي يفرضه القانون فعليًا؟ وما هي تحديات تطبيقه؟
2) لماذا البطاقة الممغنطة أو البيومترية أو QR غير قابلة للتنفيذ قبل 2026؟
3) لماذا الميغاسنترز هي الحلّ الوحيد الواقعي، والأكثر إلحاحًا سياسيًا؟

 

أولًا : عمّ نتحدث؟

الهدف من البطاقة الانتخابية هو أولًا التعريف بالناخب بطريقة سريعة وآمنة ومضمونة. وذلك يكون بربط قارئ البطاقة بقاعدة بيانات محدَّثة (أونلاين أو أوفلاين) تحتوي على بيانات قيده وقلم اقتراعه (سجل الناخبين). وثانيًا، منع الناخب من الاقتراع أكثر من مرّة في دورة الانتخابات نفسها؛ أي ما يُعرف بالانتخاب المتكرّر أو المزدوج  double voting. وذلك بالاتصال اللحظي بقاعدة البيانات المركزية.

سنعرض هنا الخيارات التقنية كما يجري تداولها اليوم، مع تعريف موجز لكل منها، وأبرز التحديات لتطبيقها قبل أيار 2026.

1) «البطاقة الممغنطة» كما وردت في القانون

«البطاقة الممغنطة» هي بطاقة بلاستيكية تقليدية تحوي شريطًا مغناطيسيًا يُخزّن قدرًا محدودًا من البيانات (مثل اسم ورقم الناخب)، وتتطلب أجهزة قراءة ثابتة في أقلام الاقتراع. تشبه بطاقات المصارف القديمة من حيث البنية التكنولوجية، ولا تملك نظام تشفير قوياً.

المشكلة أن هذا النوع من البطاقات بدائي تقنيًا مقارنة بالخيارات الحديثة، ولا يوفر آلية تحقق ذاتي من التصويت المتكرّر. ولمنع هذا النوع من التلاعب، يصبح من الضروري ربط كل قلم اقتراع بخادم مركزي وإجراء تحقق إلكتروني آنيّ. وهذا يتطلب باختصار:

  • طباعة عدة ملايين من البطاقات، وتوزيعها بشفافية ضمن المهلة القصيرة، وضمان عدم تزويرها.
  • شبكة إنترنت سريعة ومحمية في كل قلم (حوالى 6720 قلمًا).
  • أجهزة قراءة ثابتة مع حواسيب أو ألواح في كل قلم.
  • تحديث كامل لسجل الناخبين ودمجه بمنصة تحقّق معمّمة.
  • تدريب آلاف رؤساء الأقلام والكتبة.

هذه العملية وحدها تحتاج إلى كلفة ضخمة (تقدير: 8-10 مليون دولار) وإلى زمن تنفيذي لا يقل عن 18 شهرًا. ونحن على بعد أقل من سنة عن موعد الانتخابات. 

الخلاصة: البطاقة التي سمّاها القانون «الكترونية ممغنطة» غير قابلة للتنفيذ ضمن المهلة ولا يُنصح بها بتاتًا.

 

2) بطاقة الـQR 

بطاقة QR هي بطاقة مطبوعة تحمل رمزًا ثنائيًا غير قابل للتكرار (Unique QR Code) يمكن مسحه ضوئيًا للتحقق من هوية الناخب ومكان تسجيله. هذه البطاقة خفيفة، رخيصة، ولا تتطلب سوى ماسحات ضوئية وتطبيق للتحقق اللحظي عبر اتصال بقاعدة بيانات. 

نظريًا، يمكن لبطاقة الـQR أن تُطبع وتوزَّع بسرعة (عبر الهاتف مثلا)، وتُقرأ بسهولة، وأن يثبت استخدامها لمنع التصويت المتكرّر. لكن عمليًا، يتطلب الأمر الخطوات نفسها تقريبًا التي تتطلّبها البطاقة الممغنطة.

حتى لو صُمّمت بطاقة الـQR  لتُشير تلقائياً إلى أنها «استُعملت»، فإن هذه الآلية تحتاج إلى قاعدة بيانات مركزية تتلقى تحديثًا لحظيًا لمنع إعادة استخدامها في قلم آخر.

خلاصة: الـ QR لا يلغي الحاجة إلى البنية الرقمية بل يبسّطها قليلاً فقط. (كلفة تقديرية: 3-4 مليون دولار)

3) بطاقة الهوية البيومترية (خيار إضافي محتمل)

ينام في جوارير المديرية العامة للأحوال الشخصية مشروع تحديث الهوية الوطنية لتصبح بيومترية بالكامل على غرار جواز السفر البيومتري. توقفت دراسة هذا المشروع سنة 2019 في إثر الأزمات الاقتصادية والسياسية، ولا ندري إن كان تحرّك من ضمن مشروع التحوّل الرقمي الذي باشرته الحكومة الحالية.

هو عبارة عن بطاقة هوية تحتوي على شريحة ذكية Smart Chip تخزّن بيانات بيومترية (صورة الوجه، قزحية العين، البصمة…) وتوفر نظام تحقق تلقائياً قوياً. تحتاج إلى قارئات خاصة، وبرمجيات تحقق، وربط مباشر بسجل الناخبين المركزي.

في 2021، قدّرت جمعية متخصصة (SMEXكلفة المشروع بما يقارب134 مليون دولار؛ أي إنها أغلى الخيارات. كما أنها تتطلّب بنية تقنية أكثر تطورًا من التي تحدّثنا عنها آنفًا، مع فارق أن لها استخدامات مستقبلية أوسع بكثير، عندما تستبدل بطاقات الهوية الحالية المتهالكة: توحيد كل بيانات المواطنين في بطاقة رقمية واحدة. وهو هدف نهائي أساسي للتحوّل الرقمي المنشود.

 

خلاصة: البطاقة البيومترية خيار متقدّم جداً… ولكنه غير قابل للتنفيذ قبل انتخابات 2026.

ثانيًا: تحديات اعتماد أي بطاقة – ولو كانت مثالية تقنيًا

إذا تجاوزنا العقبات السياسية، تبقى أمام البطاقات تحديات عملية وتنظيمية خطيرة:

  1. كيفية توزيع البطاقات بعدالة وبسرعة؟ تجارب لبنان السابقة مع بطاقات «غير إلكترونية»، خصوصًا في انتخابات 2000، أظهرت إمكانية احتكار القوى النافذة لعملية التوزيع وأحيانًا «حجز» البطاقات.

  2. انعدام الثقة في المؤسسات: فوزارة الداخلية والبلديات لا تزال الجهة الوحيدة التي تدير الانتخابات، في غياب هيئة مستقلة وذات مصداقية، وضعف وضيق ذات يد هيئة الاشراف على الانتخابات. ومعروف مستوى ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية عمومًا.

  3. البنية التحتية الرقمية غير مكتملة: الربط بين 6720 قلم اقتراع خلال يوم واحد ليس مهمة تقنية بسيطة. هو مشروع دولة رقمية.

  4. ضيق الوقت: إصدار بطاقات، توزيعها، مناقصات شراء الأجهزة، تدريب الكوادر… يحتاج إلى أشهر طويلة لا نملكها.

  5. التكلفة العالية: سواء كانت بطاقة ممغنطة أو QR أو بيومترية، المشروع يتجاوز بسهولة عشرات ملايين الدولارات.

     

ثالثًا: ميغاسنترز هو الخيار العملي الوحيد قبل 2026 

هنا نصل إلى السؤال المركزي: هل يمكن تحقيق هدف المادة 84 (الاقتراع في مكان السكن) بلا بطاقات؟ الجواب: نعم، عبر الميغاسنترز مع التسجيل المُسبَق.

لماذا هذا الخيار هو الأنسب؟

  1. أسهل تقنيًا: عند التسجيل المُسبَق، يُشطب اسم الناخب من لائحة قيده الأصلية، تمامًا كما يحصل مع الناخبين في الخارج، فلا حاجة لأي بطاقة وقارئ وإتصالات إنترنت بقاعدة البيانات المركزية لمنع التصويت المزدوج.

  2. أوفر بكثير: لا حاجة لطباعة وتوزيع بطاقات، ولا لشراء آلاف الأجهزة للأقلام. (كلفة تقديرية 100-200 ألف دولار).

  3. قابل للتنفيذ قبل 2026: تجهيز 7–10 ميغاسنترز هو عمل لوجستي بحت، وليس مشروع دولة رقمية معقّدًا.

  4. يحقق الهدف مباشرة: الناخب يستطيع التصويت في المدينة التي يسكن فيها، ولا حاجة لتكبّد عناء الانتقال إلى مكان قيده الأصلي.

  5. يقلّل من تأثير القوى المسيطرة محليًا: هو إصلاح جوهري يحدّ فعليًا من القدرة على الضغط على الناخبين والمندوبين وعلى موظفي الأقلام ماديًا ومعنويًا.

     

رابعًا: مخارج قانونية

يمكن من الناحية التشريعية:

  1. تعليق العمل بالمادة 84 كما حصل في 2018 و2022 (لكنّ هذا يعلّق أيضاً الهدف الإصلاحي).

  2. أو إصدار بطاقة بديلة أبسط تقنياً (QR) أو بيومترية، مع كلّ التحدّيات المذكورة.

  3. أو إقرار مادة جديدة تُجيز إنشاء ميغاسنترز مع تسجيل مُسبَق، من دون الحاجة إلى تعديل بقية القانون.

  4. أو حتى استخدام المادة 85 التي تخوّل وزير الداخلية إنشاء مراكز اقتراع ضمن الدائرة، وهو ما يفتح بابًا لاجتهاد يسمح بإنشاء مراكز اقتراع مدينية كبيرة دون المسّ بحدود الدوائر الانتخابية. أي قد لا يحتاج إلى تعديل القانون، إذا اعتمدنا بطاقات QR فقط للتعريف عن المسجَّلين مُسبقًا للإقتراع في ميغاسنترز. وهذا سيخفّض كثيرًا من التكلفة.

إذًا، قانونًا، الباب مفتوح. المشكلة ليست قانونية. وليست حتمًا تكنولوجية. فالعالم كله يعتمد بطاقات انتخابية على أنواعها. المشكلة سياسية في جوهرها.

 

خامسًا: عودة إلى السياسة

هناك قوى سياسية تعرف أن حرية الناخب (والمرشّح) تبدأ من حرية تحرّكه. وتعرف أن سيطرتها على المناطق تبدأ من السيطرة على مراكز الاقتراع. وتعرف أن منع الناخب من التصويت خارج أماكن نفوذها، في ميغاسنتر محايد، هو وسيلة لاستمرار ضمان الولاء الانتخابي.

لذلك:

  • يتمسّك «الثنائي الشيعي»، وهو الطرف الوحيد الذي يسيطر حرفيًا على مناطق نفوذه، بمنع أي تغيير يمسّ «جغرافيا السيطرة الانتخابية».
  • يُعرقل أي خطوة تسمح للناخب بالاقتراع في مكان السكن.
  • يضغط على الناخبين معنويًا وسياسيًا في المناطق المغلقة انتخابيًا (الجنوب والبقاع).
  • يضغط على موظفي أقلام الاقتراع في الأقلام، ويضيّق الخيارات على مرشّحي المعارضة.
  • ويعرقل، على نحوٍ واضح، حقوق اقتراع الناخبين غير المقيمين للأسباب عينها.

في النتيجة، إنّ أي خيار تقني أو قانوني يسمح للناخب بالاقتراع خارج مناطق قيده المُغلقة يُرفض فورًا، مهما كانت كلفته أو جدواه التقنية، تمامًا كما حال اقتراع غير المقيمين. 

إنها ليست معركة بسيطة أو سهلة. وقد لا تؤثر فعليًا إلا على ناخبي المناطق المسيطَر عليها حزبيًا. وقد لا تؤثر في الدورة القادمة حتى على هؤلاء، ولكنها في صميم معركة الإصلاح واستعادة السيادة. مع ذلك، لا يبدو أن الحكومة العتيدة، مع الأسف، راغبة في خوضها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث