هناك، في قلب الاكتظاظ الباطوني والعشوائي، حيث هندسة التكدس الأهلي المتلاصق والحميم، بلا فسحات ولا راحة بصرية، في شارع طويل تعلوه الشرفات المغطاة على الأغلب بستائر سميكة، وبعضها منهار ومدمر جراء الحرب الأخيرة.. هناك، في ذاك "المعقل" الذي يقال إنه "البيئة الحاضنة"، التي تمتاز بتجاور وتساوي الأغنياء والفقراء ومتوسطي الحال والمعدومين ورجال الأعمال وصغار التجار والمتبطلين والمحاربين والمدنيين، سواء بسواء، متوحدين بطقوسهم وكلامهم ومعتقدهم ولباسهم وأذواقهم، كتلة بشرية متراصة متضامنة ومنصهرة في هوية صُنعت على امتداد عقود.. هناك في فضاء عمراني واجتماعي تغمره سيمياء دينية متداخلة مع علامات الاستهلاك الحديث، و"تجهيزات" إعلانية ودعائية (أسماء محلات، صور شهداء، يافطات حزبية، إعلانات تجارية..) كثيفة ومتراكبة.. هناك، في الضاحية الجنوبية لبيروت، سارت الحشود التي طغى عليها اللون الأسود وارتفعت فوقها الرايات الصفراء، في جنازة القائد العسكري في حزب الله. وهي واحدة من عشرات آلاف الجنازات المتوالية على مدى سيرة الضاحية الجنوبية منذ سبعينات القرن الماضي، التي تزامن "تأسيسها" (أي كضاحية- معقل- بيئة حاضنة)، مع تأسيس مقبرة "روضة الشهيدين"، حيث حلت القبور التي لا تُعد محل غابة الصنوبر التاريخية والمنقرضة.
على هذا النحو، خرج سكان الضاحية في جنازات مهيبة ومشهدية مرات لا تُحصى، لتشييع "شهداء" حروب متوالية ومعارك لا تنتهي، كأن الموت قتلاً واغتيالاً هو من طبيعة العيش بل من ضروراته. أو كأنه طقس لا بد منه كل يوم، ومرتبة يطمح إليها كل إنسان صالح. فتكون الجنازة "احتفالاً" وتكريماً له، بقدر ما هي وداع مفجع. وعلى هذا النحو أيضاً، كان التساوق بين نمو العمران وتوسعه واكتظاظه ونمو المقابر وتوسعها واكتظاظها.
والسير بالتوابيت والجموع المتشحة بالسواد والهتافات وعويل النساء وبكاء الأطفال وخفق الرايات ورفع الصور والقبضات والتي يتقدمها استعراض عسكري رمزي شديد الانضباط، كأنما هو شعيرة دينية إلزامية دونها تتصدع الهوية وتتشقق روح الجماعة. فـ"طلب الشهادة" والإكثار منها بوصفها ذروة الحياة وغايتها، وحده يصون الهوية ويديمها، ويحصن "البيئة" من أي وهن. فالموت قتلاً بقدر ما هو مصيبة يكون شرطاً لبقاء الجماعة وقوتها. ولذا، هم يسألون ساخرين: "أبالموت تهددوننا؟".
ومجتمع ألِف الموت العنيف والمباغت، ويكابر على الفجيعة والفقدان، ويأبى أن يدخله الحزن، فيقرن الموت بالسعادة، والشهادة بالنصر، والدم المسفوك بالعزة، وينكر حال الخسارة ويقلبها ربحاً، ويستدخل الحرب وما تجلبه من دمار وترمل ويُتمٍ وموت عمومي وتشرد وتبديد ثروات وأعمار، في معنى وجوده ويحددها كمصير حتمي لا مفر منه، فيحتقر أولئك الذين يطلبون السلام أو السعادة الدنيوية، لا تغريه ما تقترحه الجماعات اللبنانية الأخرى، التي ضاقت ذرعاً مما تذهب إليه "البيئة" وما تجلبه –بنظرها- من كوارث على هذه الجمهورية التعيسة.
فالمأزق "الوطني" المعنون بمصير السلاح، هو في حقيقته افتراق عميق في النظرة إلى "صناعة الموت"، بل وفي تعريف الحياة وغايتها. افتراق يكاد يكون دينياً ووجودياً، وليس سياسياً فقط.
ولذا، يبدو طلب نزع السلاح، أي وقف الحرب ونهاية القتل، بمثابة خيانة عظمى، وتجريداً للجماعة من طقوسها وأسباب اجتماعها وحرماناً لرغباتها وشعائرها واغتصاباً لحقّها (السياسي-الديني). فالسلاح صار هو الروح والنفس والقدر الأخير.
هكذا، فما تظنه الجماعات الأخرى كارثة وجحيماً، هو في عين أهل الشهادة والسلاح نعمة إلهية لا يظفر بها إلا المؤمنين، وامتحاناً لا ينتصر فيه إلا الصابرين الصادقين. وعلى هذا الاعتقاد، تسير الجنازات والمواكب في شوارع يتناوب فيها الإعمار والدمار، وتتكاثر صور الأموات وتنتصب وجوههم في كل مكان، جامعة على نحو كابوسي العدم والوجود. فيما المقابر تكبر كما لو أنها نصب تذكاري عملاق يرسم أفق الضاحية وعمرانها.
