"الميكانيزم" من مانع للعدوان إلى "ضابطة عدلية" تخدم إسرائيل

زينب زعيترالخميس 2025/11/27
Image-1764163633
اجتماعات متقطعة لا تتناسب مع حجم العدوان الإسرائيلي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مضى عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بعد عدوان دامٍ كلّف لبنان دماء ودماراً وتهجيراً. عام كامل وإسرائيل لا تزال تمعن في لغة النار، ناسفة أي مسار تفاوضي، بعد أن وظّفت الاتفاق، كأداة من الضغوط، تمنحها ما تسميه "حرية الحركة" من جهة، وتوسيع نطاق استهدافها للبنان، سواء جغرافياً عبر جعله دائرة مفتوحة ومستباحة لها أينما كان وكيفما كان، أو عبر ضربها أي محاولات لإعادة الاعمار جنوباً وتكثيف الغارات على نحوٍ شبه يومي، إضافة إلى الأحزمة النارية التي تزنّره بها بمعدل أسبوعي من البقاع إلى الجنوب، من جهة أخرى.

وخلال عام شكلت لجنة متابعة وقف إطلاق النار "الميكانزيم" جزءاً من هذا الاتفاق الهش، خصوصاً في حال أقدمت إسرائيل على عدوان واسع أو صعّدت عملياتها العسكرية ضد لبنان. ولكن، في عام واحد فقط، تعاقب ثلاثة جنرالات على رئاسة "الميكانزيم". واليوم، مع كل موجة تصعيد، يعود للتداول مدى فعالية هذه اللجنة، في مشهد يختصر دورها المُربك، بعد أن تحولت من إطار ضابط للاشتباك أو رادع للعدوان، إلى جهاز تبليغ.

وشكّل دخول الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى اللجنة، تحولاً معنوياً وسياسياً وعسكريّاً في آلية عملها، بحيث انتقلت من كونها لجنة مراقبة إلى لجنة ضغط تقريرية. فلها أن تقبل بتقرير الجيش اللبناني أو أن تتجاهله. وقد بات عملها محصوراً بنطاق ما تريده الولايات المتحدة الأميركية على حساب بقية الأعضاء في اللجنة. والأغرب أنه من باب الضغط، بات يسبق كل اجتماع للجنة برئاسة أورتاغوس أو يليه، عدوان إسرائيلي، في إشارة إلى عدم رضا أميركي على أداء الجيش اللبناني تجاه حصرية السلاح بيد الدولة. 

 

وهكذا، تُعقد اجتماعات متقطعة، لا تتناسب مع حجم العدوان الإسرائيلي. وكأن اللجنة تعمل بنظام طوارئ معكوس، في الغياب، لا في الحضور. وعلى الرغم من أهمية هذه اللجنة في الشكل والمضمون للبنان، الذي يحتاج لأي وسيلة تسعفه في توثيق أممي ودولي للاعتداءات الإسرائيلية، إلا أن علامات الاستفهام تكبر حول مهامها، وهناك سؤال يتردد صداه جنوباً على نحوٍ خاص: هل تقوم الآلية فعلاً بالمهام التي أنشئت لأجلها؟ أم تحوّلت إلى شاهد صامت على توسّع العدوان؟

 

مساحات سياسية مموّهة

عملانياً، تشكّل الميكانزيم تطويراً للجنة الثلاثية المنبثقة عن القرار 1701 بعد عدوان تموز الـ2006، ليعاد تأسيسها رسمياً في تشرين الثاني من العام المنصرم 2024، بعد إعلان وقف إطلاق النار، بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية. ووفق وثيقة الأمم المتحدة، أوكلت إلى اللجنة أربع مهام أساسية، وهي مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وضع آليات للتحقق والتفتيش في نقاط محددة جنوب نهر الليطاني، جمع المعلومات الميدانية وتبادلها عبر اليونيفيل، ودعم الجيش اللبناني في عمليات الانتشار والسيطرة على المنطقة الحدودية.

ومع مرور الوقت، انزلقت اللجنة نحو مساحات سياسية مموّهة. فالتوصيات التي تصدر عنها، وإن بقيت غير ملزمة، أصبحت تُقرأ كمقياس لمستوى الضغوط على لبنان، أو لمدى استعداد إسرائيل للالتزام بسقوف وقف النار. شيئاً فشيئاً، تحولت الآلية إلى أداة لإدارة التوتر بدلاً من كبحه، فأين أخفقت وأين نجحت؟ 

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من التوقف عند خلل إضافي في تركيبة عمل اللجنة. فإسرائيل تستغل حضورها وحصولها على الغطاء الأميركي لتثبيت سرديتها الأمنية، في حين يتمسّك الوفد اللبناني بمبدأ السيادة ورفض أي التزامات تتجاوز نصوص القرار 1701. وخلال عام يُنقل عن الجانب اللبناني عدم تجاوب اللجنة معه عند الطلب. فعند حدوث اعتداءات كبيرة، يطلب لبنان من اللجنة أن تجتمع، ولكنها لا تستجيب، فيما تستنفر للانعقاد بطلب إسرائيلي، في حين أن الدور الفرنسي، الذي يُفترض أن يشكل الضامن السياسي للقرار، ينحصر في الوساطة والبحث عن نقاط التلاقي، من دون امتلاك أدوات فرض أو ردع.

 

انحياز اللجنة على نحوٍ واضح 

وبالتالي، على الأرض، تُظهر الوقائع التي تم تناقلها خلال عام كامل، انحياز اللجنة على نحوٍ واضح. وإذ يُسجل على اللجنة قلة الاجتماعات مقارنة بحجم الاعتداءات، فإن عليها مآخذ كثيرة أيضاً، خصوصاً بعد قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة. حيث تعمل على التضييق على الجيش اللبناني في ملف السلاح المصادَر، وأكثر من ذلك، تضغط لتفتيش المنازل في الجنوب، وهو ما رفضه الجيش اللبناني، وطالبت به  إسرائيل في حادثة تفتيش المنازل في بيت ليف. 

وخلال سنة من العدوان، استغلّت إسرائيل آلية الميكانزيم لتوسيع نفوذها الميداني. هي تربط تقاريرها بعبارة "ضمان حرية حركتها"، مبررة بذلك الاعتداءات اليومية التي تنفذها، مع تصاعد الاغتيالات النوعية، والتي كان أبرزها اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي، الذي جاء في توقيت بالغ الأهمية، مع المحاولات الإسرائيلية الواضحة لنسف أي مسار تفاوضي.

ويبقى السؤال: بعد سنة كاملة على إنشاء الآلية، أين أخفقت؟ وأين نجحت؟ وهل لا يزال ممكناً أن تتحول إلى إطار فعّال لوقف النار، أم أنها باتت جزءاً من المشكلة لا من الحل؟ وهل ما زال للميكانزيم دور، أم باتت مجرد أداة تُستخدم لشرعنة العدوان وإدارة الضغط على الدولة اللبنانية وجيشها؟

 

ضابطة عدلية لإسرائيل 

يجيب العميد منير شحادة، منسّق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية، على هذه الأسئلة في حديث إلى "المدن"، حاملاً الكثير من الانتقادات لعملها. فيشير إلى أنه "بعد سنة من تشكيل اللجنة، يمكن القول إن لدينا شاهد زور، لا لجنة مراقبة. ثلاثة قادة للجنة خلال أقل من سنة، واجتماعات قليلة لا ترقى إلى مستوى العدوان."

يصف شحادة اللجنة بأنها تتحرك وفقاً لمطالب الجانب الإسرائيلي: "تنقل مطالب إسرائيل، وتضغط لتنفيذها، وتتجاهل ملاحظات الجانب اللبناني"، أما الفرنسي، فـَ "لا دور له كما يبدو".  

في هذا الإطار، يكشف شحادة أن "اللجنة تجبر الجيش اللبناني على إتلاف المصادرات من أسلحة وذخائر جنوب الليطاني، على الرغم من حاجة الجيش إليها، بما يخالف منطق أي تعاون أمني متوازن"، مضيفاً أنها "لا تمارس الحياد المطلوب؛ بل تعمل كجهاز يتبنّى الادعاءات الإسرائيلية حول "البنى التحتية العسكرية"، بما فيها الادعاءات الكاذبة في مخيم عين الحلوة، والتي أدت إلى استشهاد عشرات المواطنين المدنيين.

أخطر ما يسجّله شحادة هو محاولة الميكانزيم دفع الجيش إلى "لعب دور الضابطة العدلية لمصلحة إسرائيل"، وهو ما تحاول إسرائيل الضغط باتجاهه، مقدماً أمثلة على ذلك كـَ "تفتيش المنازل بناءً على طلبات إسرائيلية مباشرة، وتهديدات واضحة: "فتّشوا وإلا نفجّر". ويذكر بحادثة بيت ليف، إذ كانت "نموذجاً صارخاً على الضغط لإجبار الجيش على تنفيذ مهمات تخدم الرواية الإسرائيلية، وتسهّل عملها العسكري".وهو ما يرفضه الجيش اللبناني. 

وعن الدور المطلوب منها، يؤكد شحادة: "أولاً أن تكون محايدة، ولكنها ليست كذلك، وثانياً، التوقف عن ابتزاز الجيش اللبناني والضغط عليه. وفي المقابل عليها أن تضغط على إسرائيل، كي توقف الاعتداءات المستمرة إضافة إلى الادعاءات الكاذبة. وثالثاً، المطلوب من اللجنة أن تكون اجتماعاتها مكثفة أكثر ومحايدة، لتتناسب مع حجم الأحداث".

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث