أكّد البطريرك الماروني بشارة الرّاعي في حديثٍ صحافيّ أنّ "بكركي ترى أنّ الحلّ لملفّ سلاح حزب الله هو عبر الدبلوماسيّة وليس بالمواجهة المسلّحة"، معتبرًا أنّ هذا الخيار هو ما يعتمده رئيس الجمهورية جوزاف عون "وهو عين الصواب"، مبديًا تخوّفه من أنّ "يؤدّي استخدام القوّة إلى وقوع حربٍ أهليّةٍ ومواجهةٍ مع الجيش".
ورفض البطريرك الماروني "الربط بين انسحاب إسرائيل من الجنوب وتسليم السلاح، والمقايضة بين الأمرين"، مؤكّدًا أنّ "على حزب الله أن يسلّم سلاحه، وهذا قرارٌ نهائيّ".
وفي حديث آخر، رأى الراعي أنّ دوائر الفاتيكان "تتابع المشهد الداخليّ اللبنانيّ بأدقّ تفاصيله، لحظةً بلحظة"، وتواكب "الظروف الاستثنائيّة" التي تمرّ بها البلاد، من تداعيات الأزمة الاقتصاديّة، وموجات الهجرة المتصاعدة، إلى "التهديد المستمرّ باندلاع الحرب الإسرائيليّة مجدّدًا على الأراضي اللبنانيّة" في ظلّ مسار الصراع القائم بين "حزب الله" وتل أبيب.
وأوضح الرّاعي أنّ إدراج زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت "ضمن إطار تعزيز أواصر الرجاء لدى المسيحيين" يحمل دلالاتٍ واضحة، إذ أراد البابا، كما قال البطريرك، أن يخاطب العالم قائلًا: "أنا هنا"، في خطوةٍ يراها بمثابة "استعادة اعتبارٍ للبنان وإظهار قيمته الحقيقية".
وشدّد على رغبة البابا الراسخة في زيارة دير مار مارون – عنايا، حيث يرقد القدّيس مار شربل، "لوضع الملفّ اللبنانيّ كاملًا بين يدي القدّيس"، معتبرًا أنّ هذا الهدف يشكّل "أحد الأسباب الجوهرية" التي تقف خلف هذه الزيارة. ووصف الرّاعي زيارة البابا بأنّها "تاريخية"، من حيث توقيتها ومضمونها، لأنّها "ستفتح الباب أمام مقاربةٍ جديدةٍ للبنان"، وتمنح اللبنانيين "شعورًا متجدّدًا بالفرح والثقة بالنفس"، في بلدٍ "تدمّر فيه جسور الثقة الداخلية والخارجية، وترك وحيدًا ليواجه مصيره".
وأشار إلى ضرورة التوقّف عند الرسائل التي سيحملها البابا، والتي تعكس "وقوفه ووقوف الكنيسة الكاثوليكيّة الجامعة إلى جانب لبنان القائم على مقوّمات العيش المشترك"، وهو ما شدّد عليه البابوات المتعاقبون في مسارٍ مستمرّ. وأوضح أنّ البابا لاوون الرابع عشر سيأتي حاملًا "رسالة سلامٍ ورجاءٍ" يحتاج إليها الشعب اللبنانيّ "الذي نسي دوره الرياديّ في المشرق العربي وقيمة وطنه الصغير المتميّز بعيشٍ مشتركٍ نموذجيّ".
ولفت الرّاعي إلى أنّ هذه الثوابت ستكون حاضرةً في فكر البابا وستترجم في مضامين خطبه، سواء في لقاء الشبيبة في بكركي، أو لقاء الإكليروس في حريصا، أو في زيارة ضريح القدّيس شربل في دير مار مارون – عنايا، أو في صلاة مرفأ بيروت، إضافةً إلى القدّاس الاحتفاليّ الختاميّ. ورأى أنّ هذه المحطّات "ستجذب انتباه العالم إلى لبنان" الذي يفترض أن يواكبها محليًّا "بالصلاة واتّخاذ القرار الوطنيّ بتحمّل المسؤولية الكاملة التي وضعهم البابا أمامها".
وكشف الرّاعي أنّ ما قبل زيارة البابا "لن يشبه ما بعدها"، موضحًا أنّه طلب من رعايا الأبرشيات إقامة "ثلاثة أيّامٍ من الصلاة" وقرع الأجراس "لمدّة خمس دقائق متواصلة" عند وصول البابا، بما يخفّف "الكثير من اليأس والإحباط" عن اللبنانيين. وأشار إلى أنّ البابا سيجدّد التشديد على دور لبنان الفاعل في الشرق الأوسط، "وهو دورٌ لا يمكن التخلّي عنه"، يتجلّى في العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، كما في الدستور والميثاق الوطني، وفي التمرّس اللبنانيّ بالحريّات العامة وشرعة حقوق الإنسان والتعدديّة الثقافيّة والدينيّة، "ما يجعل من لبنان قيمةً حضاريّةً بحدّ ذاتها". ودعا إلى إدراك ذلك "بعيدًا عن الاعتقاد بأنّه بلدٌ مهمّش أو بلا فائدة".
واعتبر الرّاعي أنّ زيارة البابا ستمنح لبنان "مكانةً خاصّة" تشكّل "خدمةً كبرى" ينبغي على اللبنانيين الاستفادة منها عبر قراءة مضامين رسائله بعمق والعيش وفقها، داعيًا إلى أن يكون قدوم البابا "مناسبةً لإعادة النظر في طريقة التفكير ومقاربة الواقع".
وعن أهداف الزيارة، تحدّث البطريرك عن "مسارٍ متراكمٍ عبر السنوات" يستوجب ترسيخ لبنان "أرضًا للحوار بين الثقافات والحضارات، ومنصّةً للمؤتمرات الخاصّة بحقوق الإنسان والشعوب"، مشدّدًا في الوقت نفسه على ضرورة الاقتناع بـ"الحياد الإيجابي" الذي "بدونه لا يمكن للبنانيين أن يعيشوا"، باعتباره "المدخل الأساس لاستعادة الدور والرسالة، بعيدًا عن الحسابات السياسيّة الضيّقة".
وأكّد أنّ البابا "لن يذكر الحياد صراحةً لأنّه شأنٌ داخليّ"، وأنّ "المسؤولية تقع على الدولة لحماية ذاتها، والحفاظ على سيادتها بجيشٍ قويّ وسياسةٍ خارجيّةٍ موحّدة، وعدم ترك لبنان ممرًّا للدول أو قاعدةً لدولةٍ أخرى، خصوصًا سوريا وإسرائيل الأكثر إيذاءً له"، معربًا عن أمله في أن يتحقّق مبدأ الحياد "يومًا ما".
وانتقد الرّاعي ابتعاد اللبنانيين عن مضمون شعار "لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة"، محذّرًا من حصره في إطار "المبادئ العامة" من دون تطبيقٍ عمليّ. وأبدى استغرابه لغياب المؤتمرات الإقليمية حول ملفات المنطقة عن لبنان "المنفتح"، معتبرًا أنّ الزيارة الحبرية "فرصةٌ لترسيخ جوهر هذا الشعار، وتوحيد الكلمة الوطنية، وعيش الديموقراطية الحقيقية، بحيث تكون زيارة البابا محطةً لفحص الضمير وتصحيح الواقع اللبنانيّ".
وأشار إلى أنّ مسار "العيش المشترك" لم يرتق بعد إلى مستوى القرار السياسيّ الجدّي، متحدّثًا عن انشغال القوى المحليّة "بحروبٍ داخلية وخارجية تخاض على أرض لبنان الذي يدفع الكلفة"، ومنتقدًا اكتفاء الحكومة "بإعلان رفض الحرب بين حزب الله وإسرائيل من دون اتخاذ أيّ إجراءاتٍ للحدّ من تداعياتها".
وفي موازاة ذلك، رأى الرّاعي أنّ "ضرب الطائفية يعني ضرب لبنان كلّه"، مؤكّدًا أنّ البلاد "لم تسْلك بعد طريق الحقّ". ووصف القدّيس شربل بأنّه "عالميّ"، مشيرًا إلى أنّ زيارة البابا لضريحه في دير مار مارون – عنايا ستشهد "وضع قداسته نواياه أمام القدّيس، حاملًا هموم الكنيسة الجامعة والملفّ اللبنانيّ".
وفي ما يتعلّق بزيارة مستشفى "دير الصليب" في جلّ الدّيب، أوضح الرّاعي أنّ وجود محطةٍ إنسانية ضمن برنامج الزيارة "أمرٌ طبيعيّ"، لأنّ هذه المؤسسة التي تضمّ نحو ألف مريضٍ نفسيّ "جمهوريّةٌ جامعةٌ للأوجاع والآلام"، وتعكس "محبّةً ورجاءً تجاه المتألّمين وذوي الحاجات"، وهي "رسالةٌ مباشرة إلى السياسيين" الذين ينتهجون "نهج التشاطر ولا يولون أبناءهم الاهتمام الماديّ والمعنويّ".
وشدّد على أنّ وقفة الصلاة في مرفأ بيروت "ستعيد تسليط الضوء على ملفّ التفجير"، مجدّدًا المطالبة بالعدالة بعد ما يقارب خمسة أعوامٍ على الفاجعة، ومندّدًا "بتعطيل عمل المحقّق العدلي ورفض الامتثال للسلطة القضائية، رغم أنّ العدل أساس الملك كما تنصّ القوانين"، متّهمًا السياسة "بعرقلة التحقيق والاحتماء بالحصانات".
وعن الاستقبال في قصر بعبدا، أوضح الرّاعي أنّ البابا سيشدّد على "ضرورة قيام المسؤولين بدورهم الفاعل في الحياة السياسية وتحميلهم مسؤولياتهم تجاه الوطن"، انسجامًا مع تعاليم الكنيسة. وفي لقاء دير سيّدة لبنان – حريصا، سيتناول البابا دور المكرّسين والمكرّسات في المؤسسات التربوية والاجتماعية ومراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكّدًا "أهمية التنسيق معهم"، حاملًا إليهم "رسالة رجاءٍ وسلامٍ" من المتوقّع أن "تترك أثرها الإيجابي في النفوس".
وسيخاطب البابا الشبيبة في بكركي مسلّطًا الضوء على "آثار هجرة الشباب"، داعيًا إلى "تعزيز ثقتهم بأنفسهم ووطنهم، وإرساء الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي". كما وصف الرّاعي اللقاء المسكوني المرتقب بين البابا ورؤساء الطوائف بأنّه "مهمّ جدًّا" لما يجسّده من "صورةٍ حقيقيةٍ للبنان وغناه بالتعدديّة، حيث لا أحد نكرة أو غريب"، على حدّ قوله، مشيرًا إلى أنّ للبابا "نداء تحيّةٍ خاصًّا لرجال الدين وفرحته بلقائهم".
وفي ختام مواقفه، حمّل الرّاعي الجميع مسؤولية "نقل لبنان من واقعه المتردّي إلى مستقبلٍ أفضل"، منطلقًا من التربية وصولًا إلى المؤسسات الدستورية، ومؤكّدًا "ضرورة الالتزام بالقانون، ووقف ممارسات تهريب الأموال والمخدرات والاغتيالات وتعطيل القضاء، ونبذ المحسوبية والزبائنية، واعتماد نهجٍ إصلاحيٍّ حقيقيّ". وسأل: "من يقفل أبواب الحلّ؟ أليس تمترس السياسيين في مواقعهم ورفضهم التضحية؟"، داعيًا إلى "البحث عن الحقيقة التي نملك جميعًا جزءًا منها، وممارسة الشأن العام بديموقراطيةٍ فعلية، ومعاقبة السياسيين في صناديق الاقتراع وفق برامج تنمويّةٍ حقيقية"، آملًا "مشاركةً واسعةً من كلّ الطوائف لسماع الرسائل التي سيحملها البابا، المليئة بالمفاجآت".
