بينما يشهد لبنان نقاشاً متجدّداً حول موقعه في الصراعات الإقليمية والدولية، بين من يطرح الحياد كخيار استراتيجي طويل المدى، ومن يرى أنّ الظروف الداخلية والإقليمية لا تسمح بتحقيقه. وأمام الكثير من المقاربات التي يتم التداول بها واستنتاجها وفقاً لاعتبارات مختلفة سياسية أو طائفية أو مرتبطة بأجندات خارجية، قدّم الباحث والمستشار السياسي أنطوان قسطنطين، مقاربة دستورية – سياسية، تميّز بوضوح بين الحياد والتحييد، وتحدّد ما هو قابل للتطبيق في المرحلة الراهنة على أسس واقعية وميثاقية، في ندوة حضرها عدد من الشخصيات.
وانطلق قسطنطين من الإطار الدستوري والميثاقي، إذ لا ينص الدستور اللبناني صراحةً على اعتماد الحياد، لكنه يضع ثوابت ميثاقية واضحة، أبرزها: "لبنان عربيّ في هويته وانتمائه، وهو عضو مؤسس وفاعل في جامعة الدول العربية، وملتزم بميثاق الجامعة العربية وميثاق الأمم المتحدة". واعتبر أن "هذا الالتزام الميثاقي لا يفرض على لبنان الانخراط في محاور، لكنه أيضاً لا يسمح بإقرار حياد كامل دون معالجة التزامات قائمة، وخصوصاً تجاه القضية الفلسطينية".
ورغم أنّ الميثاق الوطني لعام 1943 لم يذكر الحياد، إلا أن روحيته حملت فكرة الحياد الإيجابي عبر: "عدم انخراط لبنان في محاور دولية أو إقليمية. والقيام بدور "جسر تواصل" بين الشرق والغرب، وممارسة دبلوماسية متوازنة انسجاماً مع موقع لبنان وتركيبته". ولكن بحسب قسطنطين "بعد العام 1943 حصلت تحوّلات جوهرية جعلت الحياد الكامل غير واقعي، ومنها: نشوء الكيان الإسرائيلي وتوالي الاعتداءات على لبنان والدول العربية، وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين إلى لبنان، والغزوات والاحتلالات الإسرائيلية المتكرّرة، ولا تزال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر والنقاط الثمانية محتلة. بالإضافة إلى انضمام لبنان إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك. وإدراج مقدمة الدستور (1990) التي نصّت صراحة على الهوية والانتماء العربيين". وتابع: "بناء عليه فإنّ لبنان غير قادر دستورياً وميثاقياً وواقعياً على إعلان حياد كامل: لوجود أرض محتلة وخطر توطين، ولارتباطه بالقضايا العربية، ولأن الدول المحيطة به لا تقبل بحياده، ولأن الحياد الكامل لا يمكن أن يطبَّق من طرف واحد في ظل صراع مفتوح كما هو واقع الحال".
وتابع قسطنطين في مقاربته للحديث عن اتفاق الطائف، إذ "أعاد الطائف التأكيد على الهوية العربية وعلى الالتزام بالجامعة العربية والأمم المتحدة، من دون تبنّي مفهوم الحياد أو الإشارة إليه، ما يؤكد أن الحياد ليس جزءاً من البنية الدستورية اللبنانية". وأضاف فيما يتعلق بالمعاهدات والخيارات الخارجية: "أي تغيير جذري في وضعية لبنان الخارجية يحتاج إلى قرار حكومي، وفي حالات معينة موافقة البرلمان، واحترام الالتزامات والمعاهدات الدولية النافذة".
مفهوم الحياد: شروطه وإشكالات تطبيقه في لبنان
ينطلق قسطنطين في تعريف مفهوم الحياد في القانون الدولي، حيث يتأسس على "توافق دولي شامل حول وضع الدولة المحايدة، واحتكار الدولة للسلطة والسيادة الكاملة على أراضيها، وظروف إقليمية تسمح بتثبيت هذا الوضع (كما في النمسا وسويسرا)". وفي الرد على سؤال "لماذا لا يمكن تطبيق الحياد في لبنان اليوم؟"، يتابع: "تشير الأدبيات الدولية إلى أن لبنان يفتقد مقومات إعلان حياد قانوني، لأسباب أبرزها:
1. وجود سلاح خارج إطار الدولة يحدّ من وحدة القرار الاستراتيجي.
2. الانقسام الطائفي والسياسي حول الخيارات الكبرى.
3. الالتزامات العربية، خصوصاً تجاه فلسطين.
4. تداخل المصالح الإقليمية والدولية في لبنان.
وبالتالي، يبقى الحياد في الوقت الراهن طرحاً نظرياً غير قابل للتطبيق الفعلي.
التحييد: البديل الدستوري الواقعي
فلماذا التحييد أكثر قابلية للتنفيذ؟ يتابع: "لأنه على عكس الحياد: إذ لا يتعارض التحييد مع الدستور، لا يحتاج اعترافاً دولياً مسبقاً، ويمكن تطبيقه تدريجياً وبقرار داخلي، ومن دون الصدام مع الانتماء العربي أو حق الدفاع المشروع. امّا مستويات التحييد الممكنة، فتنطلق من "تحييد لبنان عن صراعات المحاور، أي عدم الانضمام إلى أي محور إقليمي أو الانخراط في النزاعات، مع الحفاظ على الالتزام العربي. وتحييد الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى تحييد المؤسسات الرسمية، وتحييد متقدّم بضمانات دولية، يأتي في مرحلة لاحقة عبر تفاهمات عربية ودولية، لكنه ليس شرطاً لبدء مسار التحييد".
مسارات قوننة التحييد
يحتاج ذلك إلى قرار حكومي، إذ يعتمد مجلس الوزراء قراراً ينصّ على:
"التزام الدولة اللبنانية بتحييد نفسها عن الصراعات والمحاور الإقليمية والدولية بما يحفظ السلم الأهلي والمصلحة الوطنية العليا"، وإدراج التحييد في البيان الوزاري، وقانون إطاري في البرلمان، ينص على مسؤوليات الحكومة، دور وزارة الخارجية،
آليات منع استخدام الأراضي اللبنانية، ضبط الحدود، تعزيز قدرات الجيش".
وبحسب قسطنطين "هذا القانون لا يتعارض مع الدستور ولا يتطلب تعديله"، وعليه فـ"الحياد خيار استراتيجي بعيد المدى لكنه غير قابل للتطبيق حالياً ولا يمكن فرضه بإرادة منفردة. والتحييد هو البديل الواقعي والدستوري الذي يمكن البدء به فوراً دون خرق الانتماء العربي أو التخلي عن حق الدفاع المشروع. واعتماد التحييد الإيجابي يشكّل خطوة عملية لحماية الاستقرار، وتوحيد السياسة الخارجية، وتعزيز سيادة الدولة، وتجنّب الدخول في صدامات داخلية أو إقليمية".
وفي الخلاصة، بحسب قسطنطين "ليس من مصلحة لبنان الانخراط في أي صراع عربي–عربي أو إقحام نفسه في نزاعات لا تعنيه، مع التشديد على أن هذا التحييد لا يشمل الصراع مع إسرائيل ولا ينتقص من حقوق لبنان الوطنية".
