يبقى الخوف على سوريا قائماً.لا يمكن إلقاؤه على العوامل الخارجية فقط، وعلى المحاولات الإسرائيلية لشرذمة الواقع السوري. فالعوامل الداخلية تفوق بأهميتها كل محاولات الخارج لزعزعة الاستقرار أو لإضعاف الدولة السورية، عبر الاستثمار بالتشظي الاجتماعي أو السياسي بين المكونات المختلفة. كما لا يمكن الرهان على الانفتاح العربي والدولي على سوريا، إضافة إلى النشاط الديبلوماسي المتسارع الذي تمارسه السلطة الجديدة ليحلّ مكان الاستقرار الداخلي، الذي لا يتوفر إلا بإعادة انتاج العقد الاجتماعي بين السوريين ككل، على أن يكونوا جميعهم مشاركين في الحياة السياسية وشركاء في إعادة بناء الدولة وتشكيل النظام السياسي. بمعنىً أوضح، لا يمكن للسلطة أن تستند على تعزيز علاقاتها الخارجية على حساب العلاقة مع كل المكونات في الداخل، كما لا يمكن تحميل مسؤولية التعثر أو الإشكالات أو حتى التظاهرات إلى الجهات الخارجية، التي تتهمها السلطة بأنها تعمل على تغذية الخلافات والاحتجاجات لإضعاف دمشق، أو للتأثير على شكل نظام الحكم وتركيبته.
يمكن للتظاهرات التي شهدتها مناطق الساحل السوري، وريفي حمص وحماه، أن تدق ناقوس الخطر للجميع، خصوصاً للدولة السورية، على طريق إعادة تشكيلها. تنذر هذه التظاهرات والاحتجاجات بما هو أخطر، في حال استمرّت من دون علاج فعلي وحقيقي، يقوم على عقد مؤتمر سوري عام وجدّي، يضع الأسس الواضحة لبناء الدولة التي يتشارك في بنائها الجميع، ليس على قاعدة التقسيم ولا حتى على قاعدة الفيدرالية، إنما على أسس المواطنة التي تحترم الجميع وتشركهم في السلطة، وتمنحهم فرص تمثيلهم، ليس على الأساس الطائفي او المذهبي، ولا على أساس الأكثرية العددية بالمعنى الديمغرافي؛ بل الأكثرية التي يمكن للعملية الديمقراطية أن تفرزها، وتؤسس لنظام يضمن حقوق الجميع على أساس اللامركزية الإدارية، ليس بمعناها الانفصالي؛ بل بمعناها التكاملي في سبيل التنمية وتعزيز الحيوية السياسية داخل سوريا.
ما دون ذلك، فإن سوريا ستبقى مهددة، بالمزيد من التوترات، والتظاهرات، والاضطرابات الأمنية، وبتفكك اجتماعي ومناطقي. وهو ما ستستغله الجهات الخارجية في حينها، وعلى رأسها إسرائيل، في سبيل تفتيت الوطن السوري وضرب وحدة سوريا، بما ينسجم مع المصلحة الإسرائيلية الساعية إلى تصغير "الكيانات" المجاورة، وزرع بذور صراعات مذهبية وطائفية، قومية وعرقية فيها. تعلم سوريا حجم المخاطر والتهديدات التي تحدق بها، وتعلم أيضاً أن المحاولات الخارجية مستمرة للاستثمار بهذه النزاعات والصراعات، من أجل إضعافها وجعلها دولة مفتتة وغير موحدة. لذا لا بد للتظاهرات وللتعبيرات السياسية، أن تشكل فرصة لإعادة بناء المجتمع السياسي السوري على أساس ضمان حقوق الجميع، بما يعلي منطق الدولة لا التصارع بين فئات أو جماعات.
لبنان أكثر المعنيين بما تشهده سوريا في هذه المرحلة من تحديات، ومن تحركات على المستوى السياسي بين كل المكونات. تماماً كما أن سوريا ستكون معنية بأي تطور تشهده الساحة اللبنانية. خصوصاً أن تنامي التحركات المطالبة بالفيدرالية أو الانفصال أو إقامة إدارات للحكم الذاتي في سوريا، سيكون له أصداؤها في لبنان، والعكس صحيح، بالاستناد إلى تجارب تاريخية، خصوصاً عبر العودة إلى فترة نشاط ومشروع الحركة الوطنية في لبنان في السبعينيات، والتي كان هدفها إلغاء الطائفية وتطبيق برنامج مرحلي من شأنه أن يحدث تغييراً جوهرياً في بنية النظام، في حينها وقف النظام السوري بقيادة حافظ الأسد ضد هذا المشروع، ودخل إلى لبنان لإجهاضه. ومنذ ذلك الحين تركزت نظرة حافظ الأسد على ضرورة الإمساك بلبنان والتأثير عليه، ضمن تدبير توازنات يبقى هو قادراً على التحكم بها، سواء لدى المسلمين أو لدى المسيحيين. فهو لم يكن يريد للغلبة الإسلامية أن تتكرس، ولا يريد للمسيحيين أن يحققوا مشروع الانفصال، ما دام كل ذلك يبقى خاضعاً لتحكمه.
وفي التسعينيات، وتحديداً في مرحلة رفيق الحريري، لم يكتف نظام الأسد بإحكام القبضة الأمنية على آليات تشكيل السلطة اللبنانية؛ بل عمل على نسج علاقات وتحالفات مع جماعات وشخصيات سنية مناطقية، وقد ركز اهتمامه على مناطق الأطراف التي تحاذي للحدود السورية، وهو بذلك لم يترك هامشاً أمام تكريس حالة الزعامة الأحادية لرفيق الحريري، حتى أن الرجل لم يتمكن من زيارة البقاع او طرابلس كمناطق تعتبر محاذية لسوريا، كي لا يتسبب ذلك بتشكيل حالة استنهاض لسنة الأطراف في لبنان، وما سيكون لذلك من انعكاسات على السنّة في سوريا.
اليوم لا تحتاج سوريا إلى مثل هذه المقاربات التي تخيفها أو تقلقها، على أساس طائفي أو مذهبي، خصوصاً عندما تعتبر "الأكثرية" في سوريا أنها وصلت إلى الحكم، وهي المعنية المباشرة في كيفية توفير الاحتضان لكل المكونات الأخرى، إنما خارج منطق الأكثريات والأقليات، بل عبر الدخول إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي الذي تشارك كل المكونات في صناعته. بذلك فقط وباحتضان الدولة لكل مكونات المجتمع تكمن حماية سوريا ولبنان والمنطقة، وتقطع الطريق أمام أي استغلال إسرائيلي لضعف الوضع الداخلي، وتتسلل منه لتشظية سوريا وإضعافها أكثر.
