يكفي أن تخصّص بضع دقائق لمتابعة البودكاستات السياسية، التي تتكاثر على المنصّات الرقمية، حتى يتبيّن سريعاً أن ما تقدمه أغلبيتها لا يمتّ بصلة لشروط النقاش العام أو التفكير النقدي. ما يبدو في ظاهره مساحة حوار، يتحوّل في العمق إلى آلة إنتاج انفعالي تعمل وفق منطق واحد: إثارة الغرائز. يجلس الضيف في صدارة الشاشة، فردٌ واحد يحتكر الضوء والصوت. يتحدّث بثقة من يمتلك الحقيقة وحده، لا يتردّد ولا يتلعثم. ملامح مشدودة، وتدريب طويل على نبرة تعرف جيداً كيف ترفع منسوب التوتر. لا أسئلة فعلية، فقط سرديات جاهزة تُعاد وتُصاغ حتى تبلغ ذروة التحريض. تتحول المنصّة شيئاً فشيئاً إلى آلة دقيقة، لا مكان فيها للعشوائية. آلة تتغذى على خوف الناس. فالمشاهدون لا يجلسون أمام الشاشة فحسب؛ بل يجلسون أمام خوفهم المتبادل.
يحمل كل واحد خوفه كظلّ، كحجر في جيبه: خوف من الماضي، من الجماعة الأخرى، ومن المستقبل الذي يبدو كحقل ألغام مفتوح … خوف من نفسه أحياناً. هنا تجد البرامج السياسية الرقمية مادتها الخام: هشاشة مبعثرة تنتظر من يجمعها ويعيد صهرها في قالب واحد اسمه الكراهية. والمفارقة اللافتة أنّ أصوات التحريض نفسها غالباً ما تكون الأكثر خوفاً. خلف النبرة الواثقة يعيش قلق دفين من فقدان الدور أو الضوء أو الجمهور. فيتحوّل هذا القلق إلى خطاب عام، يُعاد تقديمه بوصفه "حقيقة صارمة" لا مجال للطعن فيها. هكذا يصبح الخوف مادة تُعالج وتُصنع، قبل أن تُعاد إلى الجماهير كمنتج نهائي جاهز للاستهلاك.
ومع مرور الوقت، تتشكّل جماعات صغيرة حول كل برنامج تتابع وتعيد النشر وتكرّر الخطاب نفسه. جماعات ترى في الصوت ذاته مذياعاً للحقيقة الغائبة. ومع ازدهار هذه الدوائر المغلقة، تضيق الرؤية أكثر فأكثر. يصبح الآخر بقعة ضوء مزعجة، شيئاً يجب إسكاته أو إعادة تشكيله. كأن البلاد كلها تتحرك داخل غرفة بلا نوافذ، لا يسطع فيها إلا ضوء شاشة تخبر الناس من هم، ومن هم الآخرون، ومن يستحق البقاء داخل المشهد ومن يجب إخراجه.
من أين تنبع هذه الرغبة في الإلغاء؟ في العمق، ثمة رغبة مستترة في أن يبقى الآخر "آخر" دائماً؛ حتى تبقى الهوية صلبة، والجماعة حصناً مغلقاً، والانتماء يقيناً لا سؤالاً. فالحرية، في مكان كهذا، لا تُرى احتمالاً بل تهديداً. ومن يحاول الخروج من حدود جماعته يُعامل كغريب أو خائن. وهكذا تتحوّل الجماعة إلى احتجاز رمزي، إلى سجن اجتماعي يدخل إليه الناس بلا سؤال، ثم يعيد إنتاج نفسه بصلابة لافتة. فالناس لا يعرفون أنفسهم كأفراد في مجتمع سياسي موحّد؛ بل كأبناء جماعات تُحدّد مسبقاً نطاق الأمان والخوف والولاء. وعند هذه النقطة يصبح الخوف العاطفة السياسية الأكثر حضوراً. لا يعيش في القلوب فقط؛ بل في الأزقة، وفي الصمت بين الجيران، وفي اللقاءات العابرة التي يعلوها توتر لا يُرى.
وفي قلب هذا كلّه، تنشط البودكاستات السياسية بوتيرة ثابتة، تشبه صوت محرك في غرفة جانبية: يواصل الدوران بلا توقف. تسرّب إلى كل جماعة همساً خفياً يزحف تحت الجلد مفاده: أنتم وحدكم… والآخرون خطرٌ يتقدّم. وبذلك تعيد تثبيت الوهم القديم ذاته: أنّ اللبنانيين، مهما تشاركوا المكان نفسه، لا يتشاركون مصيراً واحداً.
