اجتماع حسّاس للميكانيزم: هل تتلقَّف أورتاغوس حال التشنّج؟

المدن - سياسةالأربعاء 2025/11/26
GJ0B8209.jpg
يأتي هذا الاجتماع في ظل أجواءٍ لا تزال مثقلةً بتداعيات العدوان على الضاحية. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينعقد الأسبوع المقبل، الاجتماع الأوّل للجنة "الميكانيزم" بعد العدوان الإسرائيليّ الأخير على لبنان، بمشاركة المسؤولة الأميركيّة السّابقة مورغان أورتاغوس، في لحظةٍ إقليميّةٍ وداخليّةٍ شديدة الحساسيّة، تتقاطع فيها زيارة البابا التاريخيّة إلى لبنان، مع المبادرة المصريّة المطروحة، ومع توتّرٍ متراكمٍ في علاقة الجيش اللبنانيّ بالولايات المتحدة، ومع مؤشّراتٍ دبلوماسيّةٍ واضحةٍ على إصرارٍ إسرائيليّ على التصعيد لا على التهدئة.

 

اجتماعٌ تحت سقف العدوان واحتمال تكراره

بحسب معطياتٍ دبلوماسيّةٍ وسياسيّةٍ متقاطعة، يأتي هذا الاجتماع في ظلّ أجواءٍ لا تزال مثقلةً بتداعيات العدوان على الضّاحية، ومع تزايد الحديث في الكواليس عن احتمال ضربةٍ جديدةٍ أكثر اتّساعًا وخطورةً، قد ترتقي إلى مستوى "معركةٍ كبيرة" قد تشنّها إسرائيل ضدّ لبنان.

مصادر سياسيّةٌ تحدّثت إلى "المدن" لا تستبعد سيناريو عدوانٍ جديدٍ، مشيرةً إلى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو يستثمر في مناخ التصعيد، ويستخدمه جزءًا من معادلة بقائه السياسيّ الداخليّ، ومن رسائل الردع الإقليميّة.

في المقابل، تؤكّد هذه المصادر أنّ الادّعاءات الإسرائيليّة المتكرّرة عن أنّ الجيش اللبنانيّ لا يقوم بواجباته في ضبط الحدود، أو في منع تنامي قدرات خصوم إسرائيل داخل لبنان، تبقى مجرّد "سرديّةٍ دعائيّة" تفتقر إلى براهين حقيقيّة، وتستخدم لتبرير العدوان مسبقًا، ولتقييد أيّ محاولةٍ دوليّةٍ للضغط على تل أبيب لوقف تصعيدها.

 

مصر بين سحب السلاح ومنع الحرب

على خطٍّ موازٍ، تطرح القاهرة مبادرتها في محاولةٍ لصوغ مخرجٍ دبلوماسيّ يخفّف من احتمالات الانفجار الكبير. وفي هذا السياق، تفيد المعلومات بأنّ وزير الخارجيّة المصريّ شدّد في اتّصالاته مع العواصم المعنيّة على "ضرورة تسريع العمل لسحب السلاح غير الشرعيّ وحصره بيد الدولة، لتجنّب حربٍ إسرائيليّةٍ واسعةٍ على لبنان".

هذا التشديد المصريّ يندرج في إطار مقاربةٍ وصفت بالواقعيّة: الإقرار بأنّ استمرار تعدّد المرجعيّات العسكريّة والسلاح المتفلّت من سلطة الدولة يقدّم لإسرائيل ذرائع إضافيّةً للعدوان، من دون أن يعني ذلك تبرئة تل أبيب من مسؤوليّة خياراتها العسكريّة. فالقاهرة تحاول، بحساباتٍ دقيقة، أن تجمع بين منطق "رفع الذرائع" وبين الحرص على عدم جرّ لبنان إلى مواجهةٍ شاملةٍ قد تتخطّى قدرته على الاحتمال.

 

زيارة البابا: مظلّةٌ معنويّةٌ لا تكفي وحدها

زيارة البابا إلى لبنان، بكلّ ما تحمله من رسائل دعمٍ للشعب اللبنانيّ، ومن تشديدٍ على ضرورة حماية السّلم الأهليّ ووحدة المؤسّسات، سوف تشكّل مظلّةً معنويّةً مهمّةً للبلد. إلّا أنّ هذه المظلّة لا تبدّد وحدها المخاوف من الانزلاق إلى مواجهةٍ عسكريّةٍ أوسع، بل تضع مسؤوليّةً مضاعفةً على القوى السياسيّة والمؤسّسات الرسميّة لاستثمار اللحظة الروحيّة والأخلاقيّة في اتّجاه خطواتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ ملموسة.

في هذا الإطار، يقرأ الاجتماع المرتقب بوصفه اختبارًا مبكّرًا لمدى قدرة القوى المعنيّة على تحويل هذا "الزخم المعنويّ" إلى مسارٍ سياسيٍّ عمليّ: هل يستفاد من المناخ الذي رافق زيارة البابا لتهدئة الجبهات الدبلوماسيّة والأمنيّة، أم يكتفى بتوظيف الزيارة في الخطاب، فيما تستمرّ الحسابات الفعليّة في منطق التصعيد المتبادل؟

مصادر مطّلعة ترى أنّ زيارة أورتاغوس "قد تكون محاولةً أميركيّةً لتلقّف التوتّر القائم مع الجيش اللبنانيّ وإعادة ضبطه"، خصوصًا في ظلّ تأجيل زيارة قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، إلى واشنطن، وما أثاره ذلك من تساؤلاتٍ حول طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقات العسكريّة بين الطرفين.

 

تقارير الجيش وموقف واشنطن

عادةً ما تترافق الاجتماعات التي يقدّم فيها الجيش اللبنانيّ تقاريره العسكريّة والأمنيّة مع قدرٍ عالٍ من التشنّج، نظرًا لحساسيّة الملفّات المطروحة وتداخلها مع الحسابات الإقليميّة، ولا سيّما في ظلّ العلاقة المعقّدة مع الولايات المتحدة. واليوم، يتضاعف هذا التشنّج بفعل المناخ الجديد الذي أفرزه تأجيل زيارة قائد الجيش، والذي قرأته أوساطٌ لبنانيّةٌ على أنّه رسالةٌ سياسيّةٌ غير مريحة، أو على الأقلّ إشارةٌ إلى إعادة تقييمٍ أميركيّةٍ لموقع المؤسّسة العسكريّة في معادلة الداخل اللبنانيّ وحسابات المواجهة مع إسرائيل.

في هذا السياق، تشير مصادر "المدن" إلى أنّ الاجتماع المقبل سيقرأ بدقّةٍ في واشنطن وتل أبيب على حدٍّ سواء، من طبيعة الأسئلة الأميركيّة إلى حدود الإجابات اللبنانيّة، مرورًا بطريقة عرض الجيش لتقاريره، ومساحة الدفاع عن دوره في ضبط الحدود وتحييد المؤسّسة عن التجاذبات الداخليّة. أيّ شدٍّ إضافيٍّ في النبرة، من أيّ طرفٍ كان، قد يترجم إلى مزيدٍ من القطيعة أو سوء الفهم، في لحظةٍ لا يمتلك فيها لبنان ترف خسارة أيّ قناة تواصل.

 

أجواءٌ دبلوماسيّةٌ مشحونة وإصرارٌ إسرائيليٌّ على التصعيد

المصادر الدبلوماسيّة التي تتابع خطوط الاتّصال المفتوحة بين العواصم المعنيّة لا تخفي أنّ "الأجواء العامّة تشير إلى إصرارٍ إسرائيليٍّ على التصعيد وليس العكس". فتل أبيب، بحسب هذه المصادر، تتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها فرصةً لتثبيت قواعد اشتباكٍ جديدةٍ مع لبنان والمنطقة، مستفيدةً من تشابك الأزمات الدوليّة والإقليميّة، ومن انشغال القوى الكبرى بملفّاتٍ أخرى.

وتكشف هذه المصادر عن اتّصالاتٍ مكثّفةٍ تجرى في الكواليس للحؤول دون انزلاق الأمور إلى مواجهةٍ شاملة، غير أنّ المعضلة الأساسيّة تبقى في "التعنّت الإسرائيليّ وتمسّكه بخيار تعزيز العدوان بدل كبحه"، في مقابل هشاشة الساحة اللبنانيّة وانقسامها الداخليّ، ما يجعل أيّ رسالة ضغطٍ أو تهدئةٍ تخرج من بيروت أقلّ وزنًا وتأثيرًا.

 

مخاوف من ضربةٍ جدّيّةٍ ومعركةٍ واسعة

مع هذه المؤشّرات مجتمعة، تتزايد المخاوف لدى أوساطٍ سياسيّةٍ ودبلوماسيّةٍ من أنّ المنطقة تقف على عتبة "ضربةٍ جدّيّةٍ ومعركةٍ كبيرة" قد تشنّها إسرائيل ضدّ لبنان، تتجاوز منطق الرسائل الموضعيّة أو الغارات المحسوبة. الحديث هنا ليس عن "هروبٍ إلى الحرب" فقط، بل عن خيارٍ مدروسٍ يوظّف في معادلة الردع مع خصوم إسرائيل في الإقليم، ويستثمر أيضًا في الحسابات الداخليّة الإسرائيليّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث