اتفاقية "أفضل الممكن" مع قبرص: خسارة ما بين 2600 و5000 كلم2

جاسنت عنترالأربعاء 2025/11/26
جلسة عامة في مجلس النواب(مصطفى جمال الدين)
ارتفعت أصوات نيابية اعتبرت الاتفاقية "غير قانونية" لعدم مرورها على مجلس النواب. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أكثر من سبع سنوات من النقاشات والمفاوضات، وقّع لبنان يوم الأربعاء اتفاقية ترسيم حدود منطقته الاقتصادية الخالصة مع قبرص، في خطوة وصفها الجانبان بأنها محطة أساسية في إطار تعزيز التعاون الثنائي. على مدى السنوات الماضية، حاول المسؤولون اللبنانيون-على حدّ قولهم- تحصيل أكثر ما في استطاعتهم من حقوق للدولة، فتجنّبوا توقيع اتفاقية كهذه بسعيهم للحصول على أفضل ما يمكن من حقوق، معتبرين أن الصيغة المطروحة "مجحفة" وغير منصفة. 

اليوم ارتفعت أصوات نيابية اعتبرت الاتفاقية "غير قانونية" لعدم مرورها على مجلس النواب. غير أن مصادر مقربة من قصر بعبدا أكدت لـ"المدن" أنّ الاستشارات القانونية تشير إلى أنّ الاتفاقية لا تحتاج إلى تصديق مجلس النواب، لأنها ليست اتفاقية مالية، ويمكن إصدارها بموجب مرسوم.

 

التوقيع في قصر بعبدا

أُعلن توقيع الاتفاقية خلال مؤتمر صحافي مشترك في القصر الجمهوري، بحضور وفد دبلوماسي قبرصي. ووقّع الاتفاقية وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، بينما وصفها الجانبان بأنها "إنجاز".

الرئيس جوزاف عون شدد خلال المناسبة على أن التعاون مع قبرص "لا يستهدف أحدًا ولا يستثني أحدًا"، مؤكداً أنه لا يشكل قطعًا للطريق على أي دولة صديقة أو مجاورة في إشارة محتملة إلى تركيا وسوريا، لاسيما أن لبنان لم ينجز بعد عملية الترسيم مع دمشق. أما الرئيس القبرصي، فاعتبر أن الاتفاقيات من هذا النوع تشكّل "أساسًا استراتيجيًا للاستقرار والأمن الإقليميين في منطقة حساسة للغاية".

 

اعتراضات نيابية واتجاه نحو الطعن

خلال الأشهر الماضية، درست لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية برئاسة النائب سجيع عطية ملف الترسيم مع قبرص، بمشاركة عدد من الخبراء اللبنانيين. وقد أجمع العديد منهم على أنّ الاتفاقية تُحرم لبنان حقوقًا بحرية، خصوصًا أن احتساب طول الشاطئ اللبناني غير دقيق، وأن بإمكان لبنان تحسين موقعه التفاوضي. كما أشار بعض الخبراء إلى أنّ الترسيم مع قبرص قبل حسم الترسيم مع سوريا قد تترتب عليه خسائر إضافية للبنان.

ورغم هذه التحفظات، أقرت الحكومة الاتفاقية في جلسة 23 تشرين الأول الماضي، ما أدى إلى بروز اعتراضات نيابية تنذر بطعون دستورية قريبة. وتشير المعطيات إلى أن النائب علي حسن خليل يستعد لتوجيه سؤال للحكومة حول كيفية إقرار الاتفاقية دون العودة للبرلمان.

النائب جورج عقيص، من جهته، اعتبر أن وزيرًا في الحكومة "لا يملك صلاحية إبرام معاهدة لترسيم الحدود البحرية"، مذكراً بأن المادة 52 من الدستور تشترط موافقة مجلس النواب على أي اتفاق ينطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة. واعتبر أن توقيع الحكومة الاتفاقية من دون عرضها على البرلمان "مخالفة دستورية جسيمة قابلة للطعن". في المقابل، تفيد معلومات "المدن" بأن رئيس الجمهورية تلقّى نصائح دستورية بضرورة عرض الاتفاقية على مجلس النواب لتفادي أي طعن لاحق.

 

خلفية الاتفاقية ومسار المفاوضات

الاتفاقية الحالية ليست جديدة بالكامل، إذ تستند في جوهرها إلى اتفاق وُقّع في العام 2007 بين لبنان وقبرص، لكن المؤسسات الدستورية اللبنانية لم تصادق عليه حينها. وقد جرى تطوير الصيغة الجديدة تباعًا بناءً على اعتراضات تقنية وقانونية لبنانية، مع تعديل الإحداثيات وإيداعها لدى الأمم المتحدة. 

عاد ملف الترسيم إلى الواجهة بقوة بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الأول 2022، ثمّ تفعّلت المشاورات عبر زيارات متبادلة بين رئيسي البلدين ووفود تقنية حضرت إلى بيروت بعيدًا عن الإعلام.  وبتوقيع الاتفاق، يكون لبنان قد تقدّم خطوة نحو استكمال ترسيم حدوده البحرية في شرق المتوسط، رغم أنه لم ينجز بعد الترسيم مع سوريا، ولم يتوصل إلى تفاهم مع تركيا، التي تتحسس من أي ترتيبات بحرية لا تراعي مصالحها أو مصالح "قبرص الشمالية". وفي المقابل، يشكل الاتفاق مكسبًا لقبرص الساعية إلى تعزيز عمليات استكشاف الغاز في شرق المتوسط، بالتوازي مع توسع الشركات الدولية في البلوكات اللبنانية والقبرصية.

 

 

آراء الخبراء

المؤرخ الدكتور عصام خليفة، أحد أبرز الخبراء الذين تابعوا الملف، أكد لـ"المدن" أن لبنان يخسر وفق هذه الاتفاقية نحو 2640 كلم² بحسب دراسة لوزارة الخارجية في العام 2014 أعدّها السفير سعد زخيا، أو ما يصل إلى 5000 كلم² وفق تقديرات العميد غيث، رئيس مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني في العام 2023. وأشار خليفة إلى أن المسؤولين تجاهلوا نصيحة رئيس المحكمة الدولية للبحار، البروفيسور وولف روم، الذي دعا إلى التريث والاستعانة بخبراء دوليين. ووافق خليفة على الموقف النيابي الذي يعتبر الاتفاقية مخالفة دستورية لعدم إحالتها إلى مجلس النواب، داعيًا البرلمان إلى الطعن أمام المجلس الدستوري "لإثبات عدم دستورية التوقيع".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث