في توقيت بالغ الخطورة، جاءت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت، وهي الزيارة من نوعها خلال عام ونصف العام، في مؤشر واضح إلى حجم القلق الإقليمي من إحتمال تدهور الأوضاع في لبنان، وإلى متابعة مصرية حثيثة للملف اللبناني بتوجيه مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب إتصال هاتفي جرى أمس بينه وبين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
الزيارة لم تكن بروتوكولية ولا إعتيادية، بل سبقتها حركة دبلوماسية مصرية كثيفة على الخط الأميركي الفرنسي السعودي، إستمع خلالها عبد العاطي إلى مواقف هذه الدول من حالة المراوحة القائمة في لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله. وقد بُنيت هذه المشاورات على الأفكار التي سبق أن حملها إلى بيروت مدير المخابرات المصرية حسن رشاد في زيارة سابقة، في محاولة لإيجاد مخرج سياسي يمنع إنزلاق لبنان نحو الأسوأ. كما أن إتصالات عبد العاطي شملت إسرائيل التي لم تتردد في نقل رسائل سلبية وتهويلية ضد لبنان، مفادها أن لا حدود للتصعيد إذا لم يلتزم لبنان مهلة آخر السنة لانهاء مسألة نزع سلاح حزب الله. أكثر من ذلك، لم يسمع الوزير المصري كلاماً مشجعاً من الجانب الايراني في الدور الذي يمكن أن يلعبه في إخراج لبنان من "تصعيد حتمي وخطير."
رسائل مباشرة إلى بعبدا
هذه الأجواء الإقليمية والدولية نقلها وزير الخارجية المصري مباشرة إلى رئيس الجمهورية. وبحسب ما كشفت أوساط لـ"المدن"، فإن الرسالة المصرية كانت صريحة: المهلة المتاحة لمعالجة ملف السلاح تنتهي مع 31 كانون الأول 2025، ولا توجد أي ضمانات تمنع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من إطلاق موجة قتال جديدة ضد لبنان. وبالتالي، فإن المطلوب لبنانياً إيجاد مخرج عملي مع حزب الله، يبدأ على الأقل بإعلان نوايا واضح منه حول الاستعداد لتسليم السلاح.
وردّ الرئيس عون، وفق الأجواء المنقولة، بأنه أطلق أكثر من مبادرة، لكن من دون أي تجاوب إسرائيلي حاسم. وإن لبنان ملتزم بكامل مندرجات إتفاق وقف الاعمال العدائية والجيش اللبناني ماض في تنفيذ خطته لحصر السلاح بيد الدولة وهي تنفذ على مراحل ويطلع عليها مجلس الوزراء بتفاصيلها. إلا أن الجواب المصري جاء بأن المسألة لم تعد مسألة مبادرات عامة، بل مرتبطة بشكل مباشر بسلاح حزب الله، وأن انطلاق أي مفاوضات سياسية جدية يتطلب إعلاناً واضحاً من قيادة الحزب، سواء من أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أو من أي شخصية قيادية أخرى، يقرّ فيه بالاستعداد لتسليم السلاح. ووفق ما فهم الجانب المصري نتيجة إتصالاته، فإن عدم حصول ذلك يعني أن لبنان يتجه إلى المجهول. لذلك أعاد الوزير عبد العاطي التأكيد على إستعداد بلاده وإهتمامها ببلورة الافكار التي كان سبق وحملها مدير المخابرت في زيارته السابقة وبمساعدة لبنان وجيشه لانقاذ لبنان من الاسوأ.
أكثر من ذلك، أبدى الجانب المصري تفهماً وتبنّياً لطرح رئيس الجمهورية كما ورد في خطاب الاستقلال، لكنه شدد على أن الإسرائيليين، وكذلك الأميركيين، يعتبرون أن المهلة تنتهي مع نهاية العام، وأن لبنان مُنح عملياً فترة زمنية لسنة كاملة وفق إتفاق وقف الاعمال العدائية، لمعالجة ملف السلاح، ويجب أن تصل هذه المسألة إلى خواتيمها.
إنطلاقاً من ذلك، فإن المطلوب من أركان الدولة، ولربما من رئيس مجلس النواب نبيه بري على وجه الخصوص العمل على إقناع حزب الله بالقبول بحل يجنّب البلاد الخراب.
تحذيرات بلا مواربة
الرسالة نفسها تقريباً نُقلت إلى عين التينة. فقد أبلغ عبد العاطي الرئيس نبيه بري أن إسرائيل تمارس أقصى درجات التهويل، وأن لا حدود للتصعيد الذي قد تلجأ إليه..
مصادر متابعة أشارت لـ"المدن" إلى أن النقاش تطرق إلى ما أنجزه الجيش اللبناني، وإلى الحاجة إلى تظهير هذه الانجازات كما جرى التشديد على أن حزب الله وافق في مجلس الوزراء وخارجه على ما تقتضيه المصلحة الوطنية، وعلى الالتزامات الكاملة بموجب إتفاق وقف الأعمال العدائية، وهو ما تعكسه عملياً خطة إنتشار الجيش وكلام رئيس الجمهورية لاسيما في خطاب الاستقلال الذي أكد رئيس المجلس للضيف المصري على تأييده بالكامل.
يبقى أن الحقيقة "المرة على قساوتها" قيلت في عشاء الثلثاء الذي إستضافه السفيرالمصري على شرف وزير الخارجية ودعي إليه عدد من النواب المستقلين والتغييريين، ونواب يمثلون كتل نيابية مختلفة، في حين غاب ممثلون عن كتلة الوفاء للمقاومة. خلال العشاء، نقل عبد العاطي الأجواء الإقليمية والدولية التحذيرية ذاتها، مؤكداً أن الخوف على لبنان كبير، وأن الوضع قد يتدهور سريعاً.
وبحسب ما علمت "المدن" من أكثر من مصدر شارك في العشاء، فإن الوزير المصري أبلغ الحاضرين بأن إسرائيل أبلغت الدول المعنية بالملف اللبناني أن لا سقف لأي تصعيد قد تقدم عليه في المرحلة المقبلة، وأن مهلة نهاية العام نهائية. والمطلوب من لبنان، وفق هذه الرسالة، إتخاذ خطوات جدية ومحددة وواضحة، مع جدول زمني حاسم، لمحاولة إستدراك التصعيد، وإلا فإن البلاد تسير نحو تصعيد حتمي.
وأشار عبد العاطي إلى أن الاتصالات المصرية لم تقتصر على الجانب الأميركي، الذي يزداد تشدداً بدوره في مطالبة لبنان بحسم خياره وإنجاز «المهمة» مع نهاية العام، ولا سيما في ظل الأجواء المتشددة المحيطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث تريد واشنطن حلاً وتسوية وإستقراراً في لبنان يبدأ من إنهاء سلاح حزب الله وإستعادة الدولة سلطتها. كما شملت الاتصالات الجانبَين الفرنسي والسعودي، إضافة إلى الإسرائيلي، فضلاً عن تواصل مع الطرف الإيراني. إلا أن الأجواء التي نُقلت عن هذا التواصل مع طهران لم تكن مشجعة، إذ لم تبدِ إيران أي نية للتعاون في حلحلة الملف اللبناني من زاوية حسم مسألة تسليم سلاح الحزب، بحسب ما نقلت المصادر عن أجواء الوزير في خلال العشاء.
موقف حزب الله: ثابت رغم الضغوط
لم يكن لوزير الخارجية المصري أو أي موفد من قبله في خلال اليوم الثاني من زيارته بيروت موعد رسمي مع حزب الله، وإن كانت قنوات التواصل قائمة عبر موفدين من الطرفين، والتي يرجح أن تستمر في المرحلة المقبلة ما دامت مصر تسعى إلى بلورة مبادرة أكثر وضوحاً وقابلة للتطبيق لتجنيب لبنان نتائج التهويل الاسرائيلي المتصاعد. إلا أن غياب الحزب أو عدم دعوته، إذا كان هذا سبب الغياب عن العشاء، شكل إشارة إضافية إلى أن موقفه لم يتغير.
فحزب الله يكرر ويشدد على أنه يرفض أي طرح يمس بسلاحه، ويعتبر أن اتفاق وقف الأعمال العدائية يبقى المرجع الوحيد. ويشدد على أنه يتعرض، ومعه لبنان، لحملة واسعة من التهويل والضغوط تصب في إتجاه واحد، في وقت لم تلتزم فيه إسرائيل باتفاق 27 تشرين الثاني 2024.
في المقابل، يذكر الحزب أنه التزم بالاتفاق، وأنه وافق حتى على بنوده كافة، وصولاً إلى البند 13 الذي ينص على التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية لترسيم الحدود. كما يؤكد أن موقفه المعلن يقتصر على الالتزام بمندرجات إتفاق وقف إطلاق النار، ويعتبر أن خطاب الاستقلال الرئاسي وما صدر عن الدولة اللبنانية يندرجان في هذا السياق.
وأولى الأفكار المصرية المطروحة تتمثل في مطالبة حزب الله بإعلان إلتزامه الواضح بعدم القيام بأي عمل ضد إسرائيل. ويرد الحزب على هذه الأفكار إستناداً إلى ما ورد في كتابه المفتوح، بأن البندين الأول والثاني من إتفاق وقف الأعمال العدائية يكرسان عملياً هذا الالتزام، وهو ما يقول إنه التزم به بالفعل.
في الخلاصة، بين ضيق المهل، وحدّة الضغوط، وثبات المواقف المتقابلة، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأساس: إما تسوية قسرية تحت سقف نهاية العام، وإما إنزلاق جديد نحو مواجهة مفتوحة لا يملك لبنان ترف تحمّل كلفتها.
