حراكٌ نحو لبنان.. السيسي يتصل وترامب: البلد على مفترق تاريخي

المدن - سياسةالثلاثاء 2025/11/25
Image-1764095525
اتصال السيسي بعون، والذي يسبقه حراك مصري أوسع، يندرج في إطار محاولة القاهرة لإعادة التموضع. (وطنية)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظةٍ لبنانيّةٍ معلّقةٍ بين أثقال الانهيار الداخليّ وتقاطع الحسابات الإقليميّة والدوليّة، تبدو الذكرى الثانية والثمانون للاستقلال أقرب إلى محطّة استثمارٍ سياسيّ منها إلى مناسبةٍ بروتوكوليّةٍ عابرة. فبين اتصال الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، وبرقيّة التهنئة الآتية من البيت الأبيض بتوقيع دونالد ترامب، ورسائل الدعم الواردة من الكرملين، يتشكّل مشهد "زحمةٍ دبلوماسيّة" على بوّابة بيروت، يتقاطع مع مسار ترسيم الحدود مع قبرص والاستعداد لزياراتٍ عربيّةٍ ودوليّة وازنة. في خلفيّة هذا الحراك، تسعى عواصم القرار إلى تثبيت مواقعها حول "الطاولة اللبنانيّة"، في حين تحاول القاهرة، على وجه الخصوص، حجز مقعد المبادر والوسيط، تحت سقف التنسيق المتوازي مع واشنطن وطهران.

 

اتصال السّيسي والمُبادرة المصريّة

تلقّى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، مساء اليوم، اتصالًا هاتفيًّا من الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي، قدّم خلاله التهنئة بمناسبة الذكرى الثانية والثمانين لاستقلال لبنان، مؤكّدًا دعم جمهوريّة مصر العربيّة للبنان وتضامن الشعب المصري مع الشعب اللبنانيّ الشقيق في الظروف الصعبة الّتي يمرّ بها، ومجدّدًا حرص بلاده على الوقوف إلى جانب لبنان وتعزيز العلاقات الأخويّة الّتي تجمع البلدين.

غير أنّ هذا الاتصال لا يقارب بوصفه مجرّد تهنئةٍ بروتوكوليّة؛ إذ تضعه أوساطٌ سياسيّة في خانة التمهيد لـِ "زحمةٍ دبلوماسيّة" متزايدة باتجاه بيروت، تتقاطع فيها رسائل العواصم الإقليميّة والدوليّة مع استحقاقاتٍ لبنانيّةٍ دقيقة، أهمها التصعيد الإسرائيليّ المحتمل. ويرى مراقبون أنّ اتصال السيسي بعون، والذي يسبقه حراك مصريّ أوسع، يندرج في إطار محاولة القاهرة إعادة تموضعٍ على السّاحة اللبنانيّة، عبر استثمار لحظة الاستقلال لطرح نفسها شريكًا عربيًّا قادرًا على المساهمة في إنتاج تسويةٍ أو مبادرةٍ ما، في ظلّ انسداد الآفاق الداخليّة وتقلّب موازين القوى الإقليميّة.

 

اهتمام أميركيّ متجدّد؟

في موازاة ذلك، كان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من أوائل المهنّئين بعون، عبر برقيّةٍ لافتةٍ في مضمونها السياسي، أكّد فيها حرصه على تعميق الشراكة بين الولايات المتحدة ولبنان ودعم الاستقرار في البلاد. وجاء في البرقيّة: "بالنيابة عن شعب الولايات المتحدة، أتقدّم بأصدق التهاني إليكم وإلى شعب لبنان في مناسبة الذكرى الثانية والثمانين لاستقلال بلدكم. يجسّد هذا اليوم احتفاءً بالتاريخ الغنيّ للبنان، وثقافته النابضة، وروح شعبه المتأصّلة".

وأضاف ترامب أنّ "لبنان موجودٌ على مفترق طرقٍ تاريخي، مع فرصةٍ لرسم مسارٍ نحو مزيدٍ من الاستقرار والازدهار الاقتصادي للبنان وشعبه"، مشيدًا بـِ "القرارات الشجاعة التي اتّخذتها هذه الحكومة"، ومؤكّدًا: "أتطلّع إلى تعميق الشراكة بين بلدينا، في الوقت الذي نسعى فيه معًا لبناء مستقبلٍ أكثر إشراقًا للأجيال القادمة". وهي عباراتٌ قرأتها أوساط دبلوماسيّة على أنّها إشارة اهتمامٍ أميركيّ متجدّدٍ بالملفّ اللبناني، يتجاوز حدود المجاملة التقليديّة في رسائل الأعياد.

ولم يغب البعد الروسي عن مشهد الاستقلال؛ إذ تلقّى عون برقيّة تهنئةٍ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدّد فيها على عمق العلاقات التقليديّة بين موسكو وبيروت، مجدّدًا دعم روسيا لسيادة لبنان ووحدته. وهذا ما يبقي الكرملين حاضرًا في معادلة التوازنات المحيطة بلبنان، ولو عبر لغةٍ هادئة، لكنّها ثابتة الإيقاع حيال مبدأي السيادة ووحدة الأراضي.

 

مقدّمة لـِ "طبخة سياسيّة"

بهذا المعنى، تبدو اتصالات السيسي وبرقيّة ترامب ورسالة بوتين، متى وضعت جنبًا إلى جنب، كأنّها تشكّل مقدّمةً لـ"طبخةٍ سياسيّة" قيد الإعداد على النار الهادئة، أكثر ممّا هي مجرّد تبادلٍ بروتوكوليٍّ للتهاني. فمصر تكثّف حراكها نحو لبنان، من الاتصال الرئاسي إلى الزيارة المرتقبة لوزير خارجيّتها، في لحظةٍ تشهد تداخلًا بين ملفاتٍ حيويّة، وتحديدًا عشية الزيارة المنتظرة للرئيس القبرصي،  وبما يحمله ذلك من رمزيّةٍ متّصلةٍ بملفّات الغاز والبحر والتموضع في شرق المتوسّط.

وتذهب قراءةٌ سياسيّة أبعد إلى الحديث عن محاولةٍ مصريّة لاغتنام نافذة الفرص الّتي يفتحها تقاطع الاهتمام الأميركي والروسي بالاستقرار اللبناني، عبر نسج دورٍ وسطيّ يتطلّب – بحكم الضرورة – تنسيقًا دقيقًا مع واشنطن من جهة، وعدم قطع خيوط التواصل غير المباشرة مع طهران من جهةٍ أخرى، في ظلّ نفوذها الفاعل على الساحة اللبنانيّة. وبذلك، تحاول القاهرة أن تكرّس نفسها طرفًا عربيًّا قادرًا على التحدّث مع الجميع والاقتراب من خطوط التماس الإقليميّة من دون الانزلاق إلى محاور حادّة.

في هذا السياق، لا ينظر إلى برقيّة ترامب على أنّها خبرٌ عابر؛ بل كحلقةٍ مكمّلةٍ في "الطبخة" نفسها: واشنطن تذكّر بلبنان كبلدٍ على "مفترق طرقٍ تاريخي"، في حين تتحرّك مصر على الأرض باتّجاه بيروت، ويستكمل المشهد بزيارةٍ قبرصيّةٍ ذات دلالاتٍ متّصلةٍ بملفّات الطاقة والحدود، وبحضورٍ روسيٍّ يصرّ على إبقاء مقعده محفوظًا حول الطاولة.

وهكذا، تتحوّل ذكرى الاستقلال هذه السنة إلى ما يشبه منصّة اختبارٍ لحراكٍ دبلوماسيّ متدرّج باتجاه لبنان، يختلط فيه الاحتفاء الرمزيّ بالاستقلال مع رسائل ضغطٍ وطمأنةٍ واستطلاع نوايا في آنٍ معًا، في حين تبقى الأنظار شاخصةً إلى ما إذا كانت هذه المؤشّرات ستترجم مبادراتٍ عمليّة في الأيّام والأسابيع المقبلة، أم ستظلّ في إطار إشاراتٍ أوليّة تبقي "الطبخة" السياسيّة على نارٍ هادئةٍ بانتظار مكوّناتٍ إضافيّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث