السعودية وإعادة هندسة الشرق الأوسط (2)

خلدون الشريفالثلاثاء 2025/11/25
Image-1764014068
مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإقليم بدأت فعليًا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط تُقرأ من زاوية القوى التقليدية التي صاغت معادلات القرن الماضي، ولا من منظور الصراعات القديمة التي حكمت علاقة دول المنطقة ببعضها وبالولايات المتحدة. فبعد زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، وما رافقها من اتفاقيات وبيان مشترك ومواقف أميركية غير مسبوقة، بات واضحًا أنّ مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإقليم قد بدأت فعليًا. وهي مرحلة تتجاوز الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالف الصناعي (الذي تناولته الحلقة الأولى)، لتدخل مباشرة في عمق الجغرافيا السياسية، وتوازنات النفوذ، والملفات الأمنية الكبرى من إيران إلى المشرق العربي، والبحر الأحمر، والسودان.

 

السعودية لاعب يرسم خرائط الإقليم

لم تعد المملكة مجرد دولة ذات ثقل مالي، بل أصبحت مركزًا لصياغة التوجهات الإقليمية. حين يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده للتدخل شخصيًا في أزمة السودان بناءً على طلب ولي العهد، فإنّ ذلك يعكس حقيقة جديدة: الرياض لم تعد تتلقى الأجندة من واشنطن، بل تشارك في صناعتها في حدود إقليمية معينة. 

تتعامل السعودية اليوم مع الإقليم بوصفه امتدادًا طبيعيًا لأمنها القومي ولرؤيتها الاقتصادية- التكنولوجية. لذلك تبدو حريصة على خفض التوتر، لأنّ أي انفجار كبير، خصوصًا في الخليج، يعطّل خططها في الصناعة والتطوير والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة. وهكذا تتعامل مع الملفات الإقليمية بمنطق إدارة توازنات دقيقة: احتواء، لا تصعيد؛ نسج التحالفات، لا بناء المحاور.

 

إيران… العقدة التي لا يمكن تجاهلها

في قلب هذه المعادلة يقف الملف الإيراني، وهو المفتاح الذي يتحرك من خلاله الإقليم كلّه. السعودية تدرك أنّ أي مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل قد تمتد إلى الخليج، وتهدد أمن الطاقة ورؤية 2030 معًا. لذلك عمدت قبل زيارة واشنطن إلى فتح قناة اتصال مباشرة مع الرئيس الإيراني بزيشيكيان، وعرضت لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن.

هذه المبادرة ليست خطوة عابرة، بل جزء من رؤية سعودية تريد تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، وتقديم "مقايضة واقعية" تتضمن العودة إلى التفاوض، وقبول مستوى رمزي من التخصيب الإيراني، مقابل منح المملكة أيضاً حق التخصيب المدني داخل أراضيها، وإطلاق كونسورتيوم نووي إقليمي، وتأسيس بنك للوقود النووي.

هذه المعادلة تخفف احتمالات الحرب بالنسبة لواشنطن، وترفع مكانة السعودية في إدارة الملف النووي، وتقدم لطهران مخرجًا من سقوف سياسية لا تستطيع تلبيتها. وما بين السطور، تدرك السعودية أنّ الإمساكبالملف النووي هو أحد أهم عناصر القوةالاستراتيجية. 

 

ما الذي يريده ترامب من السعودية؟

تنظر إدارة ترامب إلى السعودية باعتبارها الشريك الأكثر قدرة على التأثير في الشرق الأوسط. فمن منظور ترامب البراغماتي، تشكل المملكة دولة قادرة على تمويل الصناعات الأميركية، والتأثير في أسعار الطاقة، وضبط التوترات الإقليمية، وممارسة نفوذ سياسي لا تمتلكه أي دولة عربية أخرى اليوم. 

ترى واشنطن أن مواجهة إيران تحتاج إلى شريك يملك أدوات الضغط والتهدئة في آن واحد، وأن إسرائيل -بحكم طبيعة سلوكها العسكري العدائي- لا يمكن أن تقود وحدها إلا الحروب. وهنا تظهر السعودية قادرة على احتواء التصلب الإيراني بالتعاون مع قوى إقليمية اخرى مؤثرة كتركيا ومصر وباكستان، وقادرة على التعاون مع أميركا لكبح الاندفاع العدواني الإسرائيلي، وتوفير إطار تفاوضي يمنع التدهور إلى حرب شاملة.

 

الصين… الشريك الاقتصادي وحدّ النفوذ

من بين كل الملفات التي نوقشت في واشنطن، بقيت الصين الأكثر حساسية. الولايات المتحدة تخشى من تسرب تقني عالٍ إلى بكين عبر مشاريع الاتصالات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، ولذلك تربط أي اتفاق دفاعي أو نووي مع السعودية بضوابط صارمة على التعاون العسكري–التكنولوجي مع الصين.

السعودية تدرك أهمية الصين الاقتصادية، لكنّها تعلم أيضًا أنّ الصناعات المستقبلية، خصوصًا النووي المدني والذكاء الاصطناعي المتقدم، لا يمكن أن تُبنى خارج سلاسل الإمداد الأميركية. لذلك تحاول موازنة علاقتها بين القوتين: الحفاظ على الشراكة الاقتصادية مع الصين، والبقاء داخل المنظومة التكنولوجية الغربية مع الولايات المتحدة. وفي العمق، تحاول الرياض لعب دور شبيهبدور الهندعلاقة اقتصادية واسعة مع بكينمن دون أن تتحول إلى تبعية استراتيجية.

 

روسيا… توازن نفطي بلا تحالف سياسي

أما روسيا، فتبقى شريكًا نفطيًا مهمًا في إطار أوبك+، لكن من دون أن تتطور إلى تحالف سياسي. التنسيق مع موسكو ساعد في استقرار أسعار النفط منذ 2016، لكن الرياض حريصة على عدم تحويل هذا التنسيق إلى عبء استراتيجي، خصوصًا في ظل العقوبات الغربية على روسيا وحساسيات سوق الطاقة العالمية.

لهذا تشكّل زيارة بن سلمان لواشنطن عنصر توازن إضافي: قدرة على المناورة المفيدة مع موسكو، من دون المس بالشراكة الأميركية.

 

التطبيع مع إسرائيل… ورقة لا هدف

قبل 7 تشرين الأول، كان الاعتقاد السائد في واشنطن أنّ السعودية ستقبل بالتطبيع مقابل ضمانات دفاعية وتعاون نووي. لكن بعد غزة تغيّر المشهد جذريًا. ارتفع "سعر التطبيع" سياسيًا وشعبيًا، وباتت القضية الفلسطينية في قلب الخطاب العام، بل وباتت القضية الفلسطينية عامًلا مؤثرًا حول العالم كله والولايات المتحدة نفسها بدليل ما جرى في انتخابات عمدة نيويورك زهران ممداني. 

السعودية اليوم تتعامل مع التطبيع كأداة تفاوض، لا هدفًا بحد ذاته. تستخدمه للضغط ولإعادة صياغة قواعد العلاقة الإقليمية، لكنها لا ترى أي مصلحة في تقديم خطوة لا تملك أي مردود فعلي في زمن حكومة نتنياهو والمتطرفين المجرمين. 

 

السودان… نموذج جديد لدور الرياض

شكّلت الحرب السودانية مختبرًا واضحًا لطبيعة الدور السعودي الجديد. فمنصة جدة كانت أول محاولة جديّة لوقف إطلاق النار، وهي مبادرة سعودية–أميركية مشتركة. ومع أنّ الاتفاقات لم تصمد، بقيت واشنطن تعتبر أنّ أي مسار تفاوضي لاحق يجب أن تمرّ به الرياض، لأنها الوحيدة القادرة على مخاطبة الأطراف المتصارعة وعلى ممارسة ضغط فعلي.

هذا الدور حول السودان ليس استثناءً، بل جزء من صعود المملكة إلى موقع صانع السياسات الإقليمية.

 

البحر الأحمر… أمن الممرات وامتحان الردع

منذ أواخر 2023، تحوّل البحر الأحمر إلى مسرح مواجهة مفتوحة بفعل الهجمات الحوثية على السفن التجارية، ما عطّل الملاحة ورفع كلفة الشحن عالميًا. في هذا السياق، تحتل السعودية موقعًا استراتيجيًا حساسًا على الضفة الغربية للممر، ما يجعل أمن البحر الأحمر جزءًا أساسيًا من أي تفاهم دفاعي سعودي–أميركي.

السعودية تحتاج إلى ضمانات دولية تمنع الحوثيين المدعومين من إيران من تهديد ممرات التجارة، والولايات المتحدة تحتاج إلى شريك إقليمي يضبط البحر الأحمر من باب المندب إلى قناة السويس. لذلك يشكّل هذا الممر إحدى أهم نقاط الالتقاء بين مصالح البلدين.

 

المشرق العربي… فراغ القوى التقليدية وصعود السعودية

في المشرق العربي، تراجع أدوار مصر وسوريا والعراق خلق فراغًا استراتيجيًا ملأته السعودية بصورة تدريجية. ففي سوريا، تلعب الرياض دورًا مباشرًا في دعم مسار بناء الدولة الجديدة وإعادة دمجها في محيطها العربي. وفي العراق، تساهم المملكة في مشاريع الربط الاقتصادي والاستقرار. وفي الأردن، تُعدّ الرياض الضامن الرئيسي لاستقرار المملكة الهاشمية. أما لبنان، فتتعامل معه السعودية بمنطق “انتظار اللحظة”، أي عدم الانخراط في تسويات قصيرة العمر، وترك المجال للداخل اللبناني كي يُنتج رؤية بديلة لاستعادة الدولة.

 

السعودية: من لاعب إلى صانع للنظام الإقليمي

خلاصة المشهد، أنّ السعودية لم تعد تتفاعل مع الشرق الأوسط، بل أصبحت تصنع جزءًا كبيرًا من مساره. من واشنطن إلى بكين، ومن الخليج إلى الساحل الإفريقي، ومن سوريا إلى إيران ولبنان، باتت المملكة قوة إقليمية تُعيد رسم خرائط المنطقة، وتحدد مستوى الانخراط الأميركي، وتوازن بين القوى الكبرى، وتستخدم مواردها المالية والسياسية لبناء شرق أوسط جديد ينسجم مع رؤيتها الاقتصادية- التكنولوجية للعقود المقبلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث