على وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وما تحمل من رسائل خطيرة وضغوطات سياسية كبيرة، يفتح النائب أحمد الخير قلبه لـ"المدن" في حوار يتناول أيضاً دوره النيابي وموقفه السياسي وموقف تكتل الاعتدال في هذه المرحلة الحسّاسة. ويغوص الحوار في ملفات الشمال الإنمائية وحضورها على أجندة الحكومة، من مطار القليعات، وصولاً إلى المشاريع الحيوية في مدينة المنية، من مركز غسيل الكلى في مستشفى المنية الحكومي إلى مسار الكورنيش البحري وخطة النهوض الإنمائي.
مقابلة تكشف رؤية الخير للمرحلة المقبلة ومشروعه السياسي والإنمائي القائم على ثقته ذات الابعاد الثلاثة. وهنا نصّ الحوار الكامل:
-في ضوء الغارات الإسرائيلية اليومية وتصاعد وتيرتها، كيف تقرأون مآلاتها؟
لا شكّ أننا نقف اليوم أمام أزمة ومعضلة كبيرة جداً مع استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، رغم توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي شهدناه قبل نحو سنة. لهذا الأمر أسباب متعدّدة، تتداخل بين الأطماع الإسرائيلية باغتصاب الأراضي اللبنانية والعربية واستمرار عدوانها على دول المنطقة، وتقصير الدولة في تنفيذ البنود الأساسية التي التزمت بها أمام المجتمع العربي والدولي، نتيجة إمعان حزب الله في تقويض مسار الدولة ودفع لبنان نحو محاور جرّبناها سابقاً، وكانت كفيلة بأن تُظهر إلى أين قادت لبنان وجنوبه.
نحن اليوم أمام معضلتين: أوّلاهما التوجّه الإسرائيلي الواضح نحو توسيع نفوذه في المنطقة، وثانيهما الإمعان الداخلي الذي يمارسه حزب الله في تقويض مسار الدولة وإعاقة تنفيذ مقرّرات الخامس والسابع من آب. مطلبنا الأساسي اليوم هو تجنيب لبنان تداعيات أيّ حرب واسعة، ووقف العدوان، وانسحاب إسرائيل من المواقع التي احتلّتها في جنوب لبنان، واستعادة الأسرى، وترسيم الحدود مع فلسطين المحتلّة، ومعالجة النقاط الثلاث عشرة الخلافية. هذا بالنسبة إلينا هو المطلب السيادي للدولة اللبنانية.
وموقفنا الثابت هو دعم العهد ودعم الحكومة. وفي هذه المرحلة تحديداً، على جميع الأفرقاء والكتل السياسية أن يكونوا خلف العهد والحكومة والمؤسّسات العسكرية والأمنية، لأنّها الضامن الوحيد لاستقرار لبنان. وأيّ قرار ستتّخذه الحكومة في ما يخصّ ملفّ المفاوضات سنكون داعمين له بالكامل.
أما في ما يتعلّق بالضغوط المزعومة لسحب سلاح حزب الله، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل نزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها مطلب أميركي، أم أوروبي، أم عربي؟ أم هو قبل كلّ شيء مطلب لبناني؟ وهل تطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية 1559 و1680 و1701، وصولاً إلى تنفيذ بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، هو مطلب خارجي أم وطني؟ إنه مطلب لبناني صرف.
هناك من يروّج بأنّ العهد والحكومة يتعرّضان لضغوط لتنفيذ هذه المطالب، لكنه يتغاضى عن حقيقة أن الحكومة نفسها أقرّت في الخامس والسابع من آب مطالب لبنانية بحتة: ضرورة استقرار الوضع في لبنان، وعودة الدولة إلى شرعيتها الوطنية عبر تطبيق الطائف، وإلى شرعيتها العربية والدولية.
- في الانتخابات القادمة هل تعتبرون أنفسكم مرشحاً لتيار المستقبل أم تمثّلون اليوم نهجًا سياسيًا مستقلاً باسم كتلة الاعتدال؟
لا أستطيع، في هذه المرحلة، أن أحدد مسبقاً تحالفاتي الانتخابية، لا من جهة التزامي بتكتّل الاعتدال الوطني الذي تَشكَّل بعد الانتخابات النيابية—وهو ليس حزباً—ولا من جهة إمكانية التعاون في المرحلة المقبلة. قد تجمعنا المصالح الانتخابية ونكون على لوائح موحّدة نحن وحلفاؤنا، وقد لا يحدث ذلك؛ وهذا لا يفسد في الودّ قضية.
أمّا الشق المرتبط بتيار المستقبل، فالأمر متروك لقرار الرئيس سعد الحريري: هل سيعود إلى ممارسة العمل السياسي أم لا؟ عندها فقط يمكن أن نتحدث بوضوح عن هذه المسائل. لكن في ما يخصّ ترشّحي ونهجي، فأؤكّد أنني نلت ثقة الناس في انتخابات 2022 النيابية وفي انتخابات 2025 البلدية. أهلي وأبناء مدينتي منحوني الثقة مرّتين، وهذه الثقة غالية جداً عليّ، وهي الأساس الذي أنطلق منه في أي مشروع سياسي أو قرار يتعلق بالترشّح.
والجميع يعلم أن هذه المدينة هي مدينة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ونحن نعتبر أن أيّ شخص يمثّل المنية في موقع المسؤولية عليه ثوابت واضحة: مواقف الاعتدال، الالتزام بعروبتنا، الالتزام باتفاق الطائف، والوقوف الدائم إلى جانب الناس.
ما يعنينا قبل التحالفات والخلافات هو تحقيق مصالح مدينة المنية الاستراتيجية. فالمنية، بموقعها بين عكار والضنية وطرابلس، يجب أن تكون في موقع مختلف على الخارطة السياسية والإنمائية. وهذا ما نصبو إليه، وهو البوصلة الأساسية لي منذ أن تولّيت هذا الموقع: كيف نضع المنية حيث تستحق أن تكون على هذه الخارطة. وذلك يحتاج إلى علاقات جيّدة ومتينة مع مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة اللبنانية.
نعم، لديّ ثوابتي الوطنية والعربية الواضحة، لكن هذا لا يعني أنني لست على ودّ مع غالبية الأطراف والممثّلين للأحزاب اللبنانية، لأن مصلحة المدينة تقتضي ذلك.
-كيف تقيّمون دور كتلة الاعتدال وتأثيرها في المجرى السياسي المحلي؟
كتلة الاعتدال لها من اسمها نصيب. فقد استطعنا، ككتلة، أن نجتمع على ثابتتين أساسيتين: أولاهما ثوابتنا الوطنية والعربية المعروفة، وثانيهما شعور الحرمان الذي عانت منه محافظة عكار وقضاء المنية–الضنية. وتمكّنا من أن نكون صمّام أمان على مستوى البلد.
الجميع يعلم أنّ كتلة الاعتدال لعبت دوراً محورياً في المرحلة السابقة. كنا نمارس دورنا في ظلّ انقسام عمودي داخل المجلس، وحاولنا تقريب وجهات النظر، وطرحنا الكثير من المبادرات التي هدفت إلى إنهاء الشغور في سدّة الرئاسة الأولى. وتمكّنا من أن نكون حلقة وصل بين كل اللبنانيين، هدفها إعادة لبنان إلى كنف الدولة وتفعيل مؤسّساتها الدستورية.
فما نصبو إليه ككتلة هو أن نرى البلد في وضع مستقيم، وأن يكون جميع اللبنانيين تحت سقف الدولة اللبنانية. ونأمل أن تكون هذه الحقبة الجديدة، المتمثّلة بعهد الرئيس جوزاف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، مرحلة تُبسَط فيها سلطة الدولة على كامل أراضيها.
-كيف تنظرون إلى موقع الشمال على خريطة الاهتمام الحكومي؟ هل ما يُقدَّم اليوم يرقى إلى مستوى حاجات المنطقة؟
الشمال قد يكون المحافظة الأكثر حرماناً عبر التاريخ، على رغم ما يملكه من طاقات على كل المستويات، سواء البشرية أو المناطقية. ففي الشمال معرض رشيد كرامي، ومرفأ طرابلس، والمواقع الأثرية ذات الأهمية الكبيرة، ومطار القليعات. والمطلوب اليوم هو تفعيل هذه المرافق.
وقد شهدنا أخيراً خطوة جدّية في هذا الاتجاه، ولنا دور أساسي فيها كتكتّل الاعتدال؛ إذ كنّا أول من قام بجولة على مختلف الأحزاب السياسية، وذهبنا أبعد من ذلك حين ربطنا استحقاق رئاسة الجمهورية بمطلب واحد شمالي هو تشغيل مطار القليعات. وكذلك في الاستشارات النيابية مع رئيس الحكومة، كان مطلبنا الأساسي تشغيل هذا المطار، الذي نعتبره اللُّبنة الأساسية في بناء مسار اقتصادي وإنمائي جدّي وحقيقي لمنطقة الشمال.
اليوم المطلوب أن يكون المطار مُلزَّماً مع مطلع العام المقبل، وأن نواكب هذه العملية بمشاريع بنى تحتية وطرق مواصلات تصل عكار بسوريا، وتربط عكار بالشمال وبالعاصمة بيروت، بحيث تكون مؤهّلة لاستقبال حركة الوافدين من وإلى مطار القليعات. كما يجب العمل على مسارات صناعية وزراعية وتجارية تُخفّف نسبة البطالة في الشمال وعكار، وترفع معدّلات النمو، وتفتح الباب أمام استثمارات خارجية من أبناء المنطقة المنتشرين في الخارج، أو حتى من غير اللبنانيين.
٥-رغم مرور نحوٍ من شهر على افتتاحكم لقسم غسيل الكلى في مستشفى المنية الحكومي، إلا أنّهُ لم يستقبل أيّ مريض حتى اليوم..ما المعوقات التي تحول دون تشغيله،هل هي تقنية، إدارية! سياسية أم غير ذلك؟
أولاً، نحمد الله على أن هذا المشروع قد تمّ افتتاحه وبالمواصفات المطلوبة لمدينة المنية، ولا سيما لجهة قدرته على استقبال أعداد المرضى في نطاق المنية الإدارية. وبعد الافتتاح، راجعتُ رئيس مجلس الإدارة وسألته تحديداً عن هذا الموضوع، فأكّد أن المسألة إدارية بحتة، وأن التفاصيل التي تؤخّر التشغيل ليست جوهرية. كما أصرَرتُ على زيارة وزير الصحة وسألته عن الملف، فأكد بدوره أنه لا توجد أيّ معوقات سياسية أو جوهرية في الشق التنفيذي من المشروع.
هناك بعض الأمور التفصيلية التي يجري العمل على معالجتها، والمفترض أن تولي إدارة المستشفى أولوية لتشغيل هذا القسم والاهتمام به بشكل مختلف. أفهم أن هناك تفاصيل قد تعرقل افتتاح مشروع بهذا الحجم والأهمية، لكن برأيي كان ينبغي التعامل معها مسبقاً كي لا نصل إلى التداعيات الحالية.
من هنا، أتمنى على إدارة المستشفى ومجلس إدارتها أن يقوما بخطوات واضحة وسريعة، وأن يُصار، في حال وجود أي التباس أو خلل، إلى وضعنا ووضع الرأي العام في المنية في الصورة، عبر بيان رسمي يصدر عن المستشفى.
-تشهد المنية حركة اقتصادية وتِجارية وسياحية متصاعدة، تُوّجت بإنجاز جزء من الكورنيش البحري. ما هي الخطوات السياسية والانمائية التي قد تقومون بها من جانبكم لمواكبة هذا النهوض؟
حين قررتُ إنشاء الكورنيش البحري على نفقتي الشخصية، كان الهدف أوّلاً تأمين واجهة بحرية غير خاصة لأبناء المنية الإدارية؛ مساحة يلتقي فيها الناس، ويكون فيها شاطئ يستطيع الأهالي ارتياده وممارسة السباحة من دون أي كلفة مالية. وقد قُسّم هذا المشروع إلى قسمين: قسم أول تمّ إنجازه، وقسم ثانٍ نسعى الآن جاهدين لتأمين تمويله، ليصبح طول الكورنيش البحري نحو ثلاثة كيلومترات. وكنتُ حريصاً على أن يُنفَّذ في أماكن لا تضم منازل أو مؤسسات، كي لا يلحق أي ضرر بالمواطنين، وفي الوقت نفسه نوفّر مساحة واسعة للتنفس، وشاطئاً بحرياً طويلاً متاحاً للجميع بلا مقابل. الحمد لله تمكّنا من إنجاز المشروع، وسنفتتحه يوم الخميس برعاية معالي وزير الأشغال فايز رسامني، وستكون هناك في هذه المناسبة مفاجأة – وربما مفاجأتان – سنعلن عنها للناس في ذلك اليوم.
ما أريد قوله هو أننا انطلقنا في مسار عملي واضح. فإذا عدتم إلى تصريحاتي السابقة، كنت أقول دائماً إن هدفي وضع المنية على الخارطة السياسية. أمّا في هذه السنة الأخيرة فكنت أقول للناس: لقد وضعنا مدينتنا على الخارطة السياسية، وهذه السنة هي سنة الإنماء. افتتحنا مركز غسيل الكلى، وسنفتتح الكورنيش البحري، وقريباً جداً سنفتتح مركز الدفاع المدني الذي بات يليق بمدينة المنية تجهيزاً وبناءً. وقريباً، وليس ببعيد، سنضع مع سفير المملكة العربية السعودية حجر الأساس لمبنى البلدية والاتحاد.
ومعركتنا القادمة ستكون إنجاز مرفأ صيادي السمك، وتأهيل الطريق البحرية بما يليق بالمدينة. وقد حصلنا اليوم على مبلغ غير بسيط لتأهيل الطرقات الداخلية ضمن موازنة 2025، يبلغ نحو 2,300,000 دولار.
الفكرة التي أودّ تأكيدها هي أنّ هناك عملية تكاملية عملنا عليها في السنتين الماضيتين، وستبدأ نتائجها بالظهور الآن؛ وكلما مرّ الوقت، سيلمس الناس ثمرة الجهد الذي كان يجري خلف الكواليس. فهذا العمل يحتاج إلى تهيئة وتعب ومتابعة. وما رآه الناس اليوم هو جزء غير صغير بالتأكيد، لكنه ليس الجزء الأكبر مما نعمل عليه، وسيبدأ الناس برؤية المسار الفعلي لنهوض المدينة وتجسيد رؤيتنا للمنية ولشبابها وشابّاتها.
كنتُ وما زلتُ مؤمناً بأنّ وقوف الناس إلى جانبي يمكّنني من تحقيق الإنجازات المطلوبة، ومؤمناً بأن وجود المخلصين والقياديين في الدولة اللبنانية إلى جانبي يجعلني قادراً على إنجاز المزيد. وكنتُ وما زلتُ مؤمناً بأنّ الدول التي تقف إلى جانب لبنان—وفي طليعتها المملكة العربية السعودية—تمكّنني من تحقيق إنجازات كبيرة.
وأعتقد اليوم أنّ لدينا ثلاثة عوامل أساسية: ثقة الناس، وثقة القيادات السياسية في البلد، وثقة المملكة العربية السعودية التي بُنيت عبر مسار طويل. وهذه العوامل الثلاثة تشكّل بالنسبة إلي الأساس في نهضة مدينتي ووضعها على خارطة الإنماء والسياسة. وأرى أيضاً أنّ ثقة اللبنانيين بلبنان، وثقة قياديّي لبنان بلبنان، وثقة المجتمع العربي بلبنان، هي بطبيعة الحال ما سيجعل هذا البلد فعلاً دولة مستقرة وآمنة، قادرة على مواكبة مسار التطور الذي سنشهده في المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، كما قال ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان.
